لا يقدم الأوروبيون أي دعم لتونس لتأمين حدودها مع الجزائر وليبيا رغم معرفتهم بأن هناك تحديدا يكمن الداء ومنها يتم ركوب البحر باتجاه الضفة الأخرى للبحر الأبيض المتوسط.
تونس ـ «القدس العربي»: شاركت تونس في قمة «إيطاليا أفريقيا» التي انتظمت مؤخرا في العاصمة الإيطالية روما تحت شعار «خطة ماتي لأفريقيا» والتي شارك فيها أيضا حوالي 26 رئيس دولة وحكومة من أوروبا وأفريقيا. وكان ملف الهجرة هو أهم مواضيع هذه القمة التي تحاول إيطاليا من خلالها أن تكون الجسر الرابط بين القارتين والتي تجد الحلول الناعمة لمعضلة الهجرة غير النظامية بعيدا عن العجرفة الفرنسية المعتادة في علاقة بالقارة السمراء.
كما ترغب إيطاليا على ما يبدو في تأمين إمدادات الطاقة التقليدية من ليبيا والجزائر، والطاقة البديلة من تونس من خلال مشروع الربط الكهربائي بين البلدين والذي منح الأوروبيون من أجله قرضا لتونس للشروع في الإنجاز. وبالتالي فإن لإيطاليا، التي فقدت مستعمراتها في أفريقيا بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية، طموحا لا يخفى وهو التحول أيضا إلى جسر للطاقتين الأحفورية والنظيفة على حد سواء وذلك بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط.
شرطي المتوسط
ولم تكن الانتظارات كبيرة من هذه القمة في تونس بالنظر إلى تجارب التونسيين مع إيطاليا والاتحاد الأوروبي في ملف الهجرة والتي كان فيها الطرف الأوروبي أنانيا إلى حد كبير ولا يعير اهتماما إلا لمصالحه، ويضرب بمصالح الخضراء عرض الحائط. فإيطاليا والأوروبيون يريدون من تونس أن تتحول إلى شرطي يحرس حدودهم الجنوبية ويمنع عن أوروبا تدفق المهاجرين غير الشرعيين من أفريقيا جنوب الصحراء ومن شمال القارة وذلك بمقابل زهيد لا يمكن أن يسدد حتى ثمن الوقود الذي تحتاجه الوحدات البحرية العسكرية التونسية الخافرة للسواحل.
ويتم تدفق المهاجرين عير الشرعيين من أفريقيا جنوب الصحراء على تونس من الأراضي الجزائرية والليبية باعتبار أن التقسيم الاستعماري الذي تلاعب بخرائط المنطقة وقضم من الأراضي التونسية التاريخية شاء أن لا تكون لتونس حدود مع بلدان أفريقيا جنوب الصحراء. وبالتالي هناك تقصير كبير من قبل جارتي تونس في منع تدفق هؤلاء المهاجرين على الأراضي التونسية المتاخمة للأراضي الإيطالية، ورغم ذلك يتم تحميل تونس كامل المسؤولية عن هذا التقصير.
ولا يقدم الأوروبيون أي دعم لتونس لتأمين حدودها مع الجزائر وليبيا رغم معرفتهم الجيدة بأن هناك تحديدا يكمن الداء ومن هناك يتم الولوج إلى الأراضي التونسية ومنها يتم ركوب البحر باتجاه الضفة الأخرى للبحر الأبيض المتوسط. ويدعم الأوروبيون أيضا استقرار وتوطين المهاجرين غير الشرعيين من الأفارقة جنوب الصحراء في تونس، وهو ما تم رفضه رفضا قاطعا من الطرف التونسي والتذكير به في أكثر من مناسبة وفي أكثر من تصريح إعلامي.
وبالتالي فإن انتظارات التونسيين من هذه القمة لم تكن كبيرة منذ البداية واقتصرت على البحث عن إيجاد شراكة للمشاريع المتعلقة بالطاقات البديلة وعلى رأسها إنتاج الكهرباء بالطاقة الشمسية وإنتاج الهيدروجين الأخضر وتصديره إلى أوروبا. ولعل مشروع الربط الكهربائي البحري بين تونس وإيطاليا والذي تم الشروع في تنفيذه مؤخرا يدعم هذا التوجه ويشجع المستثمرين الأوروبيين على الانخراط بقوة لتنفيذ مثل هكذا مشاريع.
قمم متشابهة
ورغم أن الرئيس قيس سعيد اعتبر في كلمته في القمة أن «هذا اللقاء مختلف عن المؤتمرات السابقة التي لم تكن تنبثق عنها سوى الإعلانات مرة في هذه العاصمة ومرة في تلك، وأنه يأتي بفكر جديد وبمقاربات مختلفة تقوم على التعامل مع أفريقيا لا بمنطق العربات المجرورة، ولكن بمنطق سياقة القاطرة معا» إلا أن الأمر بدا للبعض على خلاف ذلك تماما وأن هذه القمة هي كسابقاتها وما سيتمخض عنها لن يجد طريقه إلى التنفيذ. فمذكرة التفاهم التي وقعها الأوروبيون مع تونس منذ أشهر، على سبيل المثال لم يقع الإيفاء بالالتزامات الواردة فيها من الجانب الأوروبي، فكيف بخطة للتنمية في أفريقيا، وهي أكثر تعقيدا من ناحية الإجراءات وأكثر تكلفة مالية.
وتتضمن خطة ماتي الإيطالية للنهوض بأفريقيا، وذلك لمنع تدفق المهاجرين منها، خمسة مجالات رئيسية وهي الزراعة والتعليم والصحة والماء وخصوصا الطاقة باعتبار رغبة روما في أن تصبح جسرا طاقيا بين أوروبا وأفريقيا. وتحمل المرحلة الأولى من الخطة التي بدأت الحكومة تنفيذها بالتعاون مع الوكالة الإيطالية للتعاون الإنمائي في نهاية سنة 2023 اسم «ترويج 2023» وتقوم على إنشاء بنى تحتية ومراكز التكوين والتدريب وتعليم المهن في عدد من البلدان الأفريقية.
ولعل السؤال الذي يطرح في هذا الإطار كيف يمكن لخطة ماتي أن تحقق أهدافها وقد رُصد لها مبلغ 5.5 مليار يورو كبداية وهو مبلغ زهيد نسبيا بالنسبة للمشاريع الدولية التي هي بمثل هذا الحجم، على غرار مخطط مارشال الأمريكي للنهوض بأوروبا إثر الحرب العالمية الثانية أو مشروع الحزام والطريق الصيني وغيره. وهل تمتلك إيطاليا القوة المالية والعسكرية والاعتبارية التي تمتلكها القوى الكبرى التي ترغب في الهيمنة على العالم حتى تقود مشروعا بمثل هذه الضخامة قد يصطدم بمشاريع أخرى في القارة يقودها عمالقة مثل الصين وروسيا والولايات المتحدة؟
ومن الأسئلة التي تُطرح محليا أيضا هل ما زال الجانب الإيطالي ملتزما بتعهداته مع تونس التي جسدها مع أطراف أوروبية في مذكرة التفاهم خلال الصائغة الماضية؟ أم أنه تراجع عنها وجاء بهذه الخطة البديلة التي تشمل كل أفريقيا وليس فقط الجارة تونس؟ في الحقيقة تبدو المسألة غامضة إلى حد الآن، فمن جهة صادق البرلمان التونسي على اتفاقية القرض الذي سيمنحه الأوروبيون لتونس بهدف إتمام الربط الكهربائي مع إيطاليا الذي تضمنته مذكرة التفاهم، ومن جهة أخرى تم الحديث بأنه سيتم تخصيص 85 في المئة من الموارد المخصصة لخطة ماتي للبلدان والمبادرات المتصلة بالبرامج التي تنفذها مكاتب الوكالة الإيطالية للتعاون الإنمائي ومن بين هذه الدول تونس وإثيوبيا وموزمبيق وغيرها.
وتوحي هذه الصياغة الأخيرة أن تونس أصبحت بلدا من البلدان التي ستشملها خطة ماتي الأخيرة مثلها مثل باقي بلدان القارة ولم تعد المحور الرئيسي في ملف الهجرة بين القارتين والذي كان الأوروبيون يرون فيها قطب الرحى وحجر الزاوية في هذا الملف ولذلك أبرموا معها مذكرة التفاهم خلال الصائفة الماضية. يرى البعض أن تلكؤ الأوروبيين في تنفيذ مذكرة التفاهم قد يكون مرده إلى علمهم بأن الإيطاليين بصدد الإعداد لخطة جديدة أكثر نجاعة وأشمل من مذكرة التفاهم مع تونس.
ويؤكد البعض على أن خطة ماتي قد تكون جيدة من ناحية الفكرة في حد ذاتها بأن لا تكون المقاربة لمعالجة ملف الهجرة تقتصر على ما هو أمني. لكن المعالجة الأمنية ضرورية أيضا وتمر عبر تأمين حدود تونس مع كل من الجزائر وليبيا.