«تيريز لا أحد» مجموعة القاص المصري كريم بركات: غربة المهمشين في الأوطان وخارجها

صابر رشدي
حجم الخط
0

يبدو عالم القصة القصيرة لدى الكاتب الشاب كريم بركات كنموذج للتماهي مع المخلوقات الواقعية التي صادفها في حياته، حيث يتواءم مع رؤاه الإنسانية، ملتقطاً المواقف والتفاصيل، مضيفاً إليها وقائع أخرى متخيلة، معلناً تمرده على الواقع الصرف، من خلال تزييفه، وإقامة عالم سردي موازٍ لتجاربه. وهذا يقوم على مراقبة المنعطفات المختلفة، والسلوك البشري لأبطاله، منقباً عن بعض الجوانب المجهولة، متنصلاً من اليومي والمعيش التقليديين، باحثاً في بعض ألغاز الوجود بحس تهكمي، ساخر أحياناً، قاتم أحياناً أخرى، عبر مشاهد لا حصر لها، متجنباً الوقوع في القبح بينما ينسج عمله بهدوء، متابعاً مصائر شخصياته. وهو كاتب متأمل، ومراقب يقظ، يعيد بناء التفاصيل، بلغة تتطابق مع الحياة الوهمية التي تحتويها النصوص. ولا تحاول الابتعاد عن الغاية المرسومة لها مسبقاً.
في قصة «في المطار» نجد أنفسنا أمام شخص مطمئن، منسجم مع ذاته، لا احتراق داخلي، ولا تشوهات نفسية تخايله، إنه يروي لنا حكايتين، لا يجمع بينهما سوى جموح الخيال، بادئاً من موقعه فوق أحد المقاعد بصالة مطار القاهرة، منتظراً طائرته، قبل الموعد بثماني ساعات، نظراً إلى ظروف الطوارئ الخاصة، وحالة حظر التجوال، التي تجبر المسافرين على الحضور مبكراً… من خلال هذه النقطة الثابتة، سيدير كاميرا في كل الاتجاهات، متوقفاً عند المشاهد التي نلاحظها جميعاً في صالات مطارات العالم: الواجهات الزجاجية، مكاتب شركات الطيران، بوابات التفتيش والجوازات… إلخ.
ثم يبدأ في ممارسة هوايته الأثيرة، وهي مراقبة المارة والعابرين، ملامحهم، تعبيرات وجوههم، لينطلق بعدها في نسج قصص متخيلة عنهم، مستمدة من تلك الملامح، كما كان يفعل في القاهرة، حين كان يذهب إلى محطات مترو الأنفاق، ليجلس على مقعد ويراقب من خلاله البشر، مفصلاً حكايات لا حصر لها.
إنه يجلس صامتاً، لكنه لا يكف عن المتابعة: حركة ذهنية داخلية تتجلى في مراقبة العابرين. وجوه تمر، وأجساد تعبر، وهو ينسج من خياله قصصاً لهم، كأنهم صفحات مفتوحة يكتبها بنظراته. هنا يتحول الآخر إلى مرآة محتملة للذات، ويغدو التخييل وسيلة لا للهروب من الواقع، بل لفهمه، أو لإعادة تشكيله مرة أخرى وفقاً لتصوراته عن الحياة الخاصة بهم، فالبشر لديه، ما هم إلا مشروعات سردية تنتظر الكتابة.
أما في قصة «نويت.. الله أكبر»، فيتطرق الكاتب إلى نوع آخر من السفر، إلى الرحيل النهائي عن الحياة، السفر إلى الآخرة، عبر أكثر مشاهد الموت قسوة، وهو الانتحار شنقاً في لحظة يأس سوداء. يفعلها مواطن شاب من فوق لوحة إعلانات، تخص أسعار شقق أحد المجمعات السكنية الفخمة. تقول الصحافية التي ذهبت لتغطي الحادث إن قسطاً واحداً من ثمنها يكفي لحل مشاكل المنتحر، لتنتقل من الحياد الوصفي، والمهني، إلى موقع المراقب والمتأمل. انصعاقها أمام الصدمة الناتجة عن هذا المشهد المأساوي لا تغادر مخيلتها، صورة الحبل المتدلي وفي نهايته الجسد المتيبس والرأس المحني. وصوت أمل دنقل وهو يردد كلمات سبارتاكوس الأخيرة: «معلق أنا على مشانق الصباح، وجبهتي محنية، لأنني لم أحنِها حية».
كل ذلك كان مؤلماً، على فتاة في مقتبل الحياة، تبدأ حياتها المهنية على وقع مثل هذه المآسي.
إنها تلتقط تناقضات المجتمع وهي تقف في موقع الحادث، بداية من وصول ضابط الشرطة، الذي اتصل بوكيل النيابة، وهذا الأخير الذي لم يرق له انتحار المواطن في الساعة السابعة صباحاً، ليأتي بعد خمس ساعات، للمعاينة، متعللاً بالإفطار، لتكتشف أن الموت، بكل سطوته وجبروته، لا يمنح المساكين أي أهمية، أو أي نوع من التعاطف. خمس ساعات والجثة تتأرجح في الهواء، تنظر إلى العالم بغضب واشمئزاز. وهذا التفاوت الطبقي الفادح، الذي عاينته، عندما ذهبت إلى أم الفتى وزوجته، وتلك اللحظات المؤثرة التي أفاض فيها الكاتب كريم بركات، وعبَّر عنها بحس تراجيدي مؤلم. ذاهباً إلى النقطة المركزية للقصة، مسجلاً لحظات تحتشد بالدلالات اللامتناهية، تتحول فيها بطلة القصة إلى شاهدة على أحد أكثر الحلول البشرية دماراً، ويأساً، وهي ترى أعنف صرخات الاحتجاج البشري، عندما يكون الثمن هو فقدان الحياة.
نحن حيال أزمة حقيقية: الهشاشة الإنسانية أمام البذخ الصارخ، التناقضات الاقتصادية الجسيمة، الإحباط الذي يضرب في عمق المجتمع، ويوسع الهوة بين أفراده. عالم مغلق، محاط بالأسوار، ومدجج بالحراسات المسلحة، لا مكان فيه للهامشيين، سوى الانتحار على أبوابه. ما يجعل بطلة القصة، في لحظة معينة، مع تصاعد الشعور بالسوداوية، والعبث، ومع نهاية القصة، تقرر الهروب من الوطن عن طريق الهجرة النهائية إلى كندا.
يميل كريم بركات إلى مشاكسة العالم، وخلق شخصيات قلقة، تعيش على هامش المجتمع فكرياً، لا اقتصادياً. شخصيات كافكاوية، تعاني الاغتراب التام، وتشعر باللاجدوى، وهي تمضي في الحياة مسكونة بقلق وجودي مُمِض، معزولة عن البيئة المحيطة بها، برغبتها، كنوع آخر من أنواع الاحتجاج، يتطلب الانكماش والتقوقع على الذات. مثل بطل قصة «تعبت»، الذي يعلن منذ البداية توقفه المجازي عن مواصلة الحياة. لقد اختار الكاتب ضمير المتكلم لبطله، كي يستطيع توصيل مشاعره، وبسط أفكاره المظلمة، عبر مونولوغ طويل، يتدفق دفعة واحدة، بلا انقطاع، معبراً عن ذات رافضة لكل شيء، مفضلة الانسحاب الطوعي من هذا العالم:
«أنا ظمآن، وحزين. لا أدري كم من الوقت مضى دون أن أتجرع شيئاً من وحدتي وصمتي. عندما أخبرت صاحب العمل أنني لا أرغب في العمل لديه لأنني «تعبت»، لم يجد ذلك كافياً. عندما أخبرت صغيرتي أني «تعبت»، لم تستوعب كيف ستلعب بتلك الكلمة بدلاً من دمية باربي التي تريدها. عندما قلت لزوجتي بصوت شاحب وبعيد إنني «تعبت»، لم تعرف كيف ستطهوها للأولاد. لكنها طلبت مني أن أذهب للطبيب».
تعبت. تعبت. تعبت.. هي صرخة الاحتجاج التي بدأت مع العنوان، وتصدرته كعتبة شعورية، لروح مثقلة، يتردد صداها بعد ذلك كنغمة رفض داخلية، مشحونة بالانكسار، جاءت لتغلق أبواب الأمل منذ اللحظة الأولى. فهي لا تصف التعب، بقدر ما تتمثله، وتتوحد معه. تعبت هنا ليست شكوى مرضية، تعبر عن وهن الجسد وتألمه، وإنما هي صرخة روح تعاني فقدان المعنى، الفراغ، والتحطم.
ما زلنا نواصل مع شخصيات تعاني تعب الوجود، والاغتراب غير المعلن. ففي قصة «تعارف»، هناك بطل يستعيد من الذاكرة بعض لحظات الطفولة، لكنه لا يتوقف إلا أمام مشهد وفاة أبيه، حينما كان في الخامسة من عمره، حيرته البالغة، وهو يرى الجثة تخرج من غرفة النوم، ملفوفة بقماش أبيض دون أن يعلم ما هذا الشيء الذي بداخل تلك اللفافة. مندهشاً من الزحام والأقارب الذين حضروا إلى المسكن. لغز الموت يؤرقه، الاختفاء بدون تفسير. حتى الكبار لا يوجد لديهم إجابات لمثل هذه المفاهيم المجردة، يعتبرونها نهاية بيولوجية، لا أكثر. ثمة انهيار للمعنى أمام هذا الحدث الغيبي. وفقدان الرمز الأهم لأي طفل؛ فالراوي/ البطل، لا يجد اللغة الكافية لوصف الحالة عندما يعالجها من منظور طفولته.
ربما كان هذا التكنيك مقنعاً، خاصة وهو يعيد بناء عالم غير مكتمل، يتغذى على الأسئلة المفتوحة، التي تقود إلى الفراغ، ومزيد من الارتباكات الكبرى. يختم الراوي القصة، على لسان الطفل: «عجزت عن استيعاب ما يحدث. هل هي مؤامرة على أبي؟ وهل أمي مشاركة؟ تركت حضن أمي وتسللت للاختباء في حجرة أبي، عازماً أن أخبره بتلك المؤامرة عندما يعود. لكنه لم يعد، في هذا المساء، ولا في أي مساء آخر.»
إنه إغلاق ذكي للنص، يمثل عجز الطفل، وعدم إدراكه لمعضلة الموت. وإنكاره لرحيل الأب، على هذا النحو من الغموض.
في قصة «تيريز لا أحد»، التي تحمل عنوان المجموعة، وتعد واحدة من أفضل نصوصها، يعود كريم بركات إلى لعبته المفضلة: الدخول إلى حقل التناقضات، تلك موضوعاته الأثيرة، والعمل في منطقة البين بين، حيث الأماكن التي يبدأ منها الرحيل، وينتهي عندها حلم العودة، الذهاب إلى/ الإياب من.. بدايات انطلاق، ونهايات رحلة. أمكنة انتظار وترقب، تحتوي على حالات إنسانية معلقة بين القلق واللايقين. الانتقال من مقام إلى مقام آخر، بما يصاحب ذلك من تحول داخلي وخارجي.
نحن الآن في مطار جدة، نعيش لحظات لقاء عابر بين رجل من مصر وامرأة من كينيا، حيث تتقاطع المصائر والهويات. المطار مجدداً، لكن بوصفه مسرحاً نفسياً في هذه المرة، فضاء مفتوح على إحدى قصص البؤس الإنساني، وتطلعات مواطني العالم الثالث، ولكنها تجري في جو مغلف بحس شاعري. الرجل والمرأة ينتظران طائرتيهما. المصري يعمل محاسبا، يظهره سياق النص كأحد أبناء الطبقة الوسطى، وهو عائد إلى وطنه، والسيدة تعمل خادمة لدى أسرة أردنية، وهي في طريقها إلى عَمان.
يبدأ النص من نقطة حزينة، فقرة منفصلة عن النص، ولكنها تمهد لما هو قادم. إنها عن والد تيريز، «اللا أحد»، المهمش، اللا مرئي، عامل النظافة الذي يتناساه موظف الشركة التي يعمل بها عند وضع المرتبات، ويتخطاه الناس في الطوابير، فهم لا يرونه. ويقتحم عليه الآخرون دورة المياه كأنه غير موجود، هذا الذي يُقتل عن طريق الخطأ، برصاصة طائشة، في اشتباك بين الشرطة وتجار المخدرات، دون أن يحقق أحد في موته، وكأن العدالة لا تهتم بالمعدمين، ليقيد في النهاية بأنه «قُتل خطأ».
القصة عبارة عن ديالوغ وصفي لحاجة مواطني الدول الفقيرة إلى السفر والترقي مادياً واجتماعياً، من خلال حوار متنامٍ، تتصاعد فيه المشاعر الإنسانية العميقة، الودود، التي تحيط دائماً بلقاء الغرباء عندما تجمعهم أرض غريبة. إنه الانكشاف والتجلي، الذي يضع الانتماء جانباً، ويسمح بالتواصل الإنساني، والبوح الصادق، دافعاً تيريز إلى سرد حكايتها الحزينة، والأسباب القهرية وراء الرغبة في السفر، والعمل كخادمة، بحثاً عن مستقبل مغاير لماضيها وحاضرها، ومن أجل حياة أفضل لأسرتها. إن الكاتب يمزج في معظم نصوص هذه المجموعة القصصية بين الحس الإنساني، واللغة البسيطة، مضيئاً بعض الزوايا المنسية في حياة البشر، معيداً تأمل أحوال المهمشين في وسط عالم لا يرحم.
كريم بركات: «تيريز لا أحد»
مزيج للنشر والتوزيع، القاهرة 2024
182 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية