لعل أفضل مَنْ بإمكانه تخليد ذكرى مفكر كبير كان له التأثير الفاعل على شعبه والشعوب المهتمة بمصير ذلك الشعب هو أحد تلامذته من الذين استقوا معرفتهم منه وأحبوه كإنسان في الوقت عينه.
هذا ما ينطبق على كتاب صَدَرَ مؤخراً بعنوان: «مواقع العقل: حياة ادوارد سعيد» كتبه تيموثي برينان، أحد تلامذة سعيد، الذي يحاضر حالياً في الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة مينيسوتا الأمريكية وله مؤلفات عديدة في هذا المجال.
يمكن اعتبار كتاب برينان، الذي يتعمق في بحثه ودراسته لنتاج سعيد حول القضية الفلسطينية ويعرض مواقف سعيد إزاء نظريات وأفكار مفكرين آخرين في الأدب والسياسة والاجتماع والفلسفة من الذين عاصرهم أو من الذين سبقوه في ذلك الحيز وتأثر بهم سلباً أو إيجاباً، نموذجاً في هذا المجال.
سعيد رأى في اتفاقيات أوسلو تمهيدا لتطبيع دول عربية مع إسرائيل دون تحقيق مشروع الدولتين
حسب هذا الكتاب، بدأ نشاط سعيد الفاعل بالنسبة لفلسطين في مطلع سبعينيات القرن الماضي عندما زار لبنان في رحلة أكاديمية كأستاذ زائر ولدى بداية حياته الزوجية مع زوجته الثانية مريم قرطاس عام 1970 التي تنتمي إلى عائلة لبنانية مناضلة فكرياً واجتماعياً وسياسياً. وفي بيروت تعرف سعيد على عدد من كبار قادة الثورة الفلسطينية عبر صديقه المسؤول في منظمة التحرير الفلسطينية هناك شفيق الحوت. وبين هؤلاء، التقى سعيد بخليل الوزير «أبو جهاد» وصلاح خلف «أبو أياد» وكمال ناصر وغيرهم قبل لقائه الهام جداً مع ياسر عرفات «أبو عمار» في مناسبة زيارة عرفات لمقر الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك وإلقائه خطابه الشهير عام 1974.
يقول برينان إن صديق سعيد المقرب منه شخصياً وفكرياً في تلك المرحلة كان المفكر السوري الراحل صادق العظم، الذي تشارك معه في لقاءات القادة الفلسطينيين الكبار ومحاولة إقناعهم بتطوير هيكلة قيادتهم وعملها وتوجهاتهم الفكرية (ص 132). غير أن خلافاً وقع بعد صدور كتاب «الاستشراق» أشهر كتب سعيد، وبعد انتقاد صادق العظم لإدراج سعيد كارل ماركس بين المستشرقين السلبيين ما أدى إلى ردة فعل عنيفة من سعيد تطورت إلى سجال وتبادل آراء حاد وصل إلى حدود قصوى وأدى إلى تباعدهما من دون عودة (ص 199 و200).
ومن الجدير بالذكر ان سعيد (حسب الكتاب) كان قد أجرى مقابلة مطولة مع كمال ناصر مباشرة قبل استشهاد ناصر على أيدي زمرة إسرائيلية عسكرية بقيادة إيهود باراك اخترقت شوارع بيروت عبر البحر ووصلت إلى منطقة فردان في رأس بيروت حيث اغتالت ناصر وكمال عدوان وأبو يوسف النجار في العاشر من نيسان (ابريل) عام 1973.
يحاول برينان في هذا الكتاب التركيز على الدور الهام الذي وصل إليه ادوارد سعيد كمستشار للقائد ياسر عرفات بعد مساهمته الفعالة في تنقيح الخطاب الذي ألقاه عرفات أمام الجمعية العامة، ويشير بان سعيد أضاف الجملة المؤثرة التي قالها القائد في نهاية خطابه عن كونه يحمل البندقية في يدٍ وغضن الزيتون في يدٍ أخرى، كما أضاف مقاطع أخرى هامة. وبعدما تأثر عرفات إيجاباً بمساهمة سعيد في تلك المناسبة انتقل الأخير من دور المستشار إلى دور أحد أركان القيادة وصار يقوم باتصالات لتأمين التواصل بين القيادات الفلسطينية والأصوات المسموعة في أمريكا بين كبار المثقفين والأكاديميين وقادة مؤسسات الأبحاث الذين يستمع إليهم السياسيون والإعلاميون (ص 147). كما تكررت زيارات سعيد إلى بيروت حيث كان يقابل عرفات والقيادات الفلسطينية، وظلت العلاقة متينة بينه وبين عرفات والقيادات حتى توقيع «اتفاقيات أوسلو» التي عارضها سعيد بقوة، واعتبر منذ صدورها، بانها ستساهم في التمهيد لتطبيع دول عربية مع إسرائيل ولن تحقق مشروع الدولتين الذي تعهدت بتحقيقه.
وهنا يفسر برينان ما قصده سعيد وحلفاؤه في شجبهم لاتفاقيات أوسلو ودعوتهم للدولة الفلسطينية الواحدة.
يقول برينان في الصفحة (316) من الكتاب إن سعيد ونعوم تشومسكي اعتبرا أن أي مشروع لدولتين يجب التوجه إليه بحذر في سبيل التوصل إلى مشروع الدولة الواحدة وليس مشروعاً يُفرض بعجلة في اتفاقيات متسرعة يصعب تنفيذها، كما حدث لاحقاً بالنسبة لاتفاقيات أوسلو التي فُرضت بعجلة وبدون مراجعة، ثم تم استخدامها لاختراق الأراضي الفلسطينية بواسطة المستوطنات الإسرائيلية وتحويلها إلى جزر منفصلة عن بعضها. وبالتالي، كان سعيد يتنبأ ببعد نظره خطورة ما حدث لاحقاً وما يحدث حاليا، وتحققت توقعاته.
ولكن، يقول برينان، سعيد (كعادته) كان حاداً في مواقفه، حتى بالنسبة لأشخاص ولجهات كان مقرباً منها ولكنها اتجهت في مسار مختلف عما يعتقد بانه المسار الصحيح. وهذا الأمر أدى إلى غضب الرئيس عرفات منه ومنع انتشار كتبه ونتاجه الفكري في الضفة الغربية وغزة (ص 320). كما اتهمته بعض الجهات بالخيانة خصوصاً عندما انتقد اعتماد السيارات المفخخة وغيرها من وسائل المقاومة المؤدية إلى مقتل بعض الأبرياء برغم تأييده العنف الدفاعي في مجالات أخرى. وطبعاً، استفادت الجهات الإسرائيلية المتطرفة من خلافات سعيد مع عرفات وصارت تضخم هذا التوجه في وسائل إعلامها وفي وسائل الإعلام العالمية المؤيدة لها.
ففي مرحلة من المراحل الأخيرة من حياة سعيد قبل وفاته بسبب مرض السرطان، توجه حسب ما ورد في الكتاب، برفقة صديقه الكاتب فواز طرابلسي إلى جنوب لبنان بعد تحريره من الاحتلال وزارا معتقل بلدة الخيام المحرر حيث رمى سعيد حجرة صغيرة باتجاه السياج الفاصل بين الأراضي اللبنانية وأراضي الكيان الإسرائيلي، واتًهم بسبب ذلك بالعداء للسامية وبعدم الاعتراف بوجود إسرائيل وقاطعته جهات أكاديمية ووسائل نشر في أمريكا وأوروبا بحجة تشجيعه على الإرهاب.
أما من أسوأ الأمور برأي برينان في المرحلة الأخيرة من حياة سعيد، فكانت انقلاب بعض المفكرين الذين كانوا يدعون انهم مقربون منه عليه وعلى أفكاره، وبينهم الكاتب البريطاني كريستوفر هيتشنز الذي تحول حسب المؤلف إلى مروّج للسياسات الأمريكية في العالم والذي أساء فهم كتاب «الاستشراق» وإدعى بانه يؤدي إلى صراع للحضارات الغربية والشرقية بينما هدف سعيد فيه لم يكن بنظر برينان دق الاسافين بين قيم الغرب والشرق ولا إدماج جميع المستشرقين في سلة واحدة، بل عكس ذلك تماما، علماً أن سعيد لم يكن سلبياً إزاء انتقادات له وردت من مفكرين محترمين أشاروا إليه ببعض الملاحظات حول كتاب «الاستشراق» كالمفكر الفرنسي مكسيم رودنسون.
في هذه المراجعة، تم التركيز على ما كتبه برينان بالنسبة لمواقف سعيد السياسية، ولكن المؤلف أثبت أيضاً بانه ضالع في مواقف معلمه الفكرية والأدبية والنقدية، ففي معظم فصول الكتاب ينتقل من عرضٍ مواقف سعيد السياسية ليربطها بمواقفه الفكرية والأدبية وبحياته الشخصية.
ولا يتورع برينان عن الإشارة إلى أن شخصية سعيد كطالب شاب في المراحل الأولى من حياته عبّرت عن خلفية العائلة المرتاحة مادياً التي نشأ فيها بحيث كان يركز على مظهره الخارجي وعلى الدقة في خياراته للمواد الاستهلاكية كسياراته وما يدخنه ويشربه، وان سعيد انتقد نفسه حول هذا الأمر في نهاية حياته.
ويتحدث برينان عن علاقة سعيد مع والدته ووالده واخوانه وزوجته الأولى والنساء اللواتي ارتبطن به عاطفياً مؤكداً ان والدته هيلدا كان لها الدور الرئيسي في التأثير عليه في خياراته في هذا المجال وانها في أكثر من مناسبة دفعته في شبابه إلى التخلي عن بعض العلاقات العاطفية مع فتيات لكونها لم تجد بان الفتاة التي ارتبط فيها هنا أو هناك كانت في مستواه الفكري والاجتماعي.
ولكن برينان يعتبر ان زوجة سعيد الثانية مريم قرطاس كانت الرفيقة الأقوى والأوفى لادوارد سعيد التي ظلت تتمسك بشدة بعلاقتها به وأمسكت يده حتى الرمق الأخير. كما ينتقد إحدى اللبنانيات التي ارتبط بها سعيد في منتصف تسعينيات القرن الماضي والتي استخدمت علاقتها العاطفية معه للترويج لنفسها بعد وفاته. وهي كانت وما زالت تعمل في حقل الكتابة والنشر.
ومن الأمور اللافتة أيضاً في الكتاب، إدراك برينان لطبيعة علاقة سعيد الفكرية والشخصية مع مفكرين إثنين من كبار أساتذة الجامعة الأمريكية في بيروت ومن الذين احتلوا مناصب سياسية وفكرية عالمية بارزة أيضاً، وهما الدكتوران شارل مالك وقسطنطين زريق.
علاقة سعيد بمالك كانت حسب برينان علاقة إعجاب وكره في الوقت عينه. فمالك الذي احتل مناصب عليا في منظمة الأمم المتحدة وساهم في كتابة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وأصبح وزيراً لخارجية لبنان كان أحد أبرز فلاسفة الشرق الأوسط، ولكنه كان أيضاً متعلقاً بانتمائه المسيحي على حساب بعض مواقفه بالنسبة للأديان الأخرى. ومالك وبسبب العلاقة العائلية بين زوجته ووالدة سعيد ساهم في دعم دخول ادوارد أبرز الجامعات وتحاور معه في أهم القضايا، ولكن سعيد كره مواقفه إزاء قضايا عربية وإسلامية ورأى في قسطنطين زريق الوجه الآخر للمفكر العربي الملتزم. ولكن هذين العملاقين الفكريين بالإضافة إلى عدد من أساتذة الجامعة الأمريكية في بيروت وضعوا جداراً فاصلاً بين سعيد وبين دخوله كأستاذ دائم في تلك الجامعة لأسبابهم الخاصة. كما وضع آخرون حاجزاً منيعاً لدخوله في مجلس إدارة «مؤسسة الدراسات الفلسطينية» في بيروت في إحدى المراحل.
ويتساءل برينان إذا كانت وراء هذه الحواجز دوافع سياسية أو عوامل شخصية أو الاثنان معاً.
والمؤسف في هذا الأمر أن معظم محاولات إبقاء سعيد «خارج المكان» حسب عنوان مذكراته، استمرت حتى بعد وفاته. فلم يُدفن في فلسطين في القدس في مكان ولادته، ولا في بلدة ضهور الشوير في لبنان حيث أمضى شبابه وعلاقاته العاطفية والعائلية المُفرحة، بل في مدفن تابع لطائفة «الفريندز» (الكويكرز) في بلدة برمانا مسقط رأس آل قرطاس ومكان انتماء عائلة زوجته مريم قرطاس.
وربما يرى الكاتب أن هذا المدفن اللبناني لا يرتقي إلى مستوى ادوارد سعيد الفكري والسياسي والإنساني، ولكن الذين يعرفون سعيد كإنسان محب لرياضة كرة المضرب والموسيقى والحياة عموماً قد يخالفونه الرأي، إذ أن برمانا قد تكون من أقرب البلدات إلى شخصيته، فهي تطل على فلسطين، عبر موقعها الجغرافي في أعالي منطقة المتن اللبنانية ذات النافذة نحو البحر الأبيض المتوسط ولو عن بُعد، وشكلت هي وجوارها دائماً موقعاً لكبرى دورات كرة المضرب والمناسبات الفنية والموسيقية التي كانت جزءاً هاماً من حياة ادوارد.
Timothy Brennan: «Places Of Mind; A Life of Edward Said»
Bloomsbury, London 2022
437 Pages.