ثورة الجزائر: نحن في أَمَسِّ الحاجة لـ “الجزيرة مباشر مصر”

حجم الخط
16

من نظر إلى التلفزيون المصري، عند الإعلان عن تراجع الرئيس الجزائري عن الترشح لـ “العهدة الخامسة”، هانت عليه بلوى الآخرين!
كانت القنوات الإخبارية، تنقل هذا “الخبر العاجل”، بينما قناة “النيل للأخبار”، تنفرد بتجاهله، ولم تشر إليه إلا في وقت لاحق، انتظاراً لصدور تعليمات، بكيفية التعاطي مع هذا الخبر الصدمة، الذي حدث في الجزائر، فتداعى له الانقلاب العسكري في مصر بالسهر والحمى!
فليس سراً، أن نظام عبد الفتاح السيسي قلق، لما يحدث في السودان والجزائر، ضد التمديد للبشير وبوتفليقه في الحكم، والمزعج أكثر هو أنه لم يكن هناك ما يوحي أن رفضاً شعبياً سيحدث، فقد بدا الشعبان الجزائري والسوداني، في حكم المغلوب على أمرهما، فما حيلتي والعجز غاية قوتي، والشعب الجزائري مر بتجربة مرة، هي العشرية السوداء، فأيقن فداحة الخروج على “حكم الجيش”، والشعب السوداني بدى مستسلماً لقدره، وباعتبار أن الرئيس عمر البشير قدراً ومكتوباً على الجبين، وقديماً قال فيلسوف الغبراء: “المكتوب على الجبين تراه العين”!
ولهذا فقد كان السودانيون والجزائريون هم خارج الربيع العربي، فلم يشاركوا فيه في عز قوته، فهل يعقل أن يلحقوا به وهو يُهزم في كل البلاد التي قام فيها؟ وقد استغل السيسي هذا الفشل في محاولة تدعيم أركان حكمه، وهو يحذر المصريين من مصير الشعب السوري واليمني!
وإذ فجأة – يا مؤمن – يخرج السودانيون ضد تعديل الدستور للابقاء على البشير، فيتراجع إلى الآن، ويخرج الشعب الجزائري بشكل مذهل للشوارع، رافضاً استمرار اهانته بترشيح “متوفي” لحكمه، وذَكْرَ قائد الجيش بالعشرية السوداء، لكنه سرعان ما تراجع عن هذا التذكير، وقال قولا لينا، فهو في مواجهة خلق جديد.

هزيمة السيسي في مصر

في كتاب لـ “عباس محمود العقاد”، عن الزعيم المصري سعد زغلول، قال فيه إن جيلاً واحداً لا يتحمل هزيمتين، ولهذا لا تقوم في جيل واحد ثورتان، وهو يَذْكُر استكانة المصريين بعد هزيمة الثورة العرابية، لكن هزيمتها لم تمنع الجيل الجديد، من أن يقوم بثورة 1919. وهو ما جرى في الجزائر، فالجيل الجديد الذي خرج يملأ الشوارع، ليس هو الجيل المهزوم في العشرية السوداء!
ولن نستطرد كثيراً في هذه النقطة، حتى لا نخرج عن المقتضى الوظيفي لهذه الزاوية “فضائيات وأرضيات”!
يدرك عبد الفتاح السيسي، أن هزيمة “البشير” في الخرطوم، و”بوتفليقة” في الجزائر هزيمة له، وإذا كان البشير ناور بعض الشيء، فقام بتأجيل التعديلات الدستورية ولم يلغها، فحسب مقياس المصلحة المباشرة، فإن معسكر السيسي قد هُزم في الجزائر، ولو بمجرد إعلان الرئيس الجزائري، أنه “لم يكن ينتوي الترشح للعهدة الخامسة”، فذكرنا بخالد الذكر حسني مبارك عندما قال إنه لم يكن ينتوي الترشح لدورة جديدة، وطلب إمهاله لنهاية ولايته، وصدقه كثيرون، لكني لم أصدقه، لأني كنت حاضراً لآخر خطاب له في افتتاح برلمانه الجديد، قبل شهور، وهو يقول سأظل أحكم ما دام هناك نفس يخرج وقلب ينبض، وحطت كاميرا التلفزيون المصري على نجله “جمال” ووالدته، فإذا بالوجوه مكفهرة!
كتبت يومها أن مبارك نظر في اتجاه شُرفة البرلمان، فتابعته الكاميرا إلى حيث ينظر، وكأنها تعرفت على المقصود بهذا التحذير، وأنه بدا لي لمواجهة ضغطا أسرياً يُبذل عليه، وكان هذا التحذير جزءاً من صد الضغوط.
كنت في السنوات الأخيرة في عهد مبارك، أنظر إلى ما وراء الصور والكلمات.. ربما لأن الجائع يحلم بسوق الخبز، وأحياناً تغني الإشارات عن أي كلام، وقد نقل التلفزيون المصري لقاء لمبارك مع نجوم للمجتمع ورؤساء للأحزاب، بمناسبة فوز كروي لا أتذكره ولا يشغلني، كان حفل استقبال، وكان رئيس هرم لأحد الأحزاب، يقترب من مبارك ويتحدث معه أمام الواقفين، ورأيت مبارك يشوح بيده غاضباً، كان التلفزيون ينقل الحدث بصوت مذيع معلقاً على اللقاء والانتصار الكروي الرائع، وبدون أن ينقل حديث المتحدثين!
أشاح مبارك بيده، وانصرف بعيداً عنه، وربما أراد أن يخفف من حدة ما فعل، فعاد يأخذه من يده متلطفا معه، إلى حيث الطعام، لكن الرجل لم يراع هذا وظل يحدثه، ومرة أخرى يعود مبارك لاستخدام يده في التعبير عن شدة الغضب، وكان يتكلم غاضباً، وقد ترك المكان كله وغادر قبل أن يقترب من الطعام.
وأعلن التلفزيون انتهاء اللقاء، وعكفت على الاتصال بالرجل لأعلم ما دار بينه وبينه مبارك فاغضبه على هذا النحو، وحتى أكون أول من يتصل به بعد استلامه للهاتف ومغادرته للقصر الرئاسي، وهو ما حدث فعلاً، فروى لي أنه طالبه بانجاز في السياسة على مستوى الانجاز في الكرة، وأن عليه أن يقوم بنفسه باصلاحات سياسية قبل قوات الأوان، فغضب مبارك في الأولى وهو يقول له “إحنا في إيه ولا في إيه؟”، فلما عاد ليأخذه إلى حيث الطعام، استمر يكلمه في الموضوع نفسه، فعلق مبارك قبل أن ينصرف غاضباً:
– لقد سممت اللقمة قبل أن نأكلها، والله لن أكل!
وسعيت بدور للتخفيف عن صاحبنا، وأنا أقول له هل تعتقد أنه سيفهم الآن؟ وهو ما بينه وبين الفهم عداوة طيلة حياته؟!
وقال الرجل: إنه في آخر أيامه ولا بد أن يصدق له النصيحة، فماذا يمكن أن يفعل له مبارك إذا غضب عليه، يفصلونه من المجلس (كان عضواً معينا في مجلس الشورى)، أو يحلون الحزب، “فليفعلوا ما يريدوا”.
هذا الرجل هو ممدوح قناوي، الذي يتداول الناس على مواقع التواصل الاجتماعي تصريحات منشورة له، وبصورته عندما كان عضواً في البرلمان، وكأنه قاله هناك (هو ليس برلمانيا الآن)، ويقول إن السيسي خلق من نطفة مختلفة عن عموم البشر، لقد عاش إلى الآن، ولم اتصل به هذه المرة لكي أتأكد من ملابسات هذا القول المنشور على غرابته، لأني لست مشغولاً بأي كلام يقال في هذا السياق!

ما وراء الصورة

لم ينتبه أحد لما جرى، ولم يشر أحد إلى هذه الواقعة بين “مبارك” و”قناوي”، وكأني الوحيد الذي كان ينظر إلى ما وراء الصورة في هذه الفترة، ويسعى لقراءة المشهد، ولو كانت صوراً بدون صوت، إنني ذالكم الجائع الذي يحلم بسوق الخبز!
وكل هذا ليس موضوعنا، لكنه الكلام الذي يجر بعضه بعضا، فرغم أن ما جرى في الجزائر إلى الآن هو انتصار جزئي، إلا أنه مثل هزيمة مزعجة للسيسي، فأي حائل يحول دون ترشحه الترشح لولاية ثالثة، أو يمنعه من تعديل الدستور لإقرار حقه في الترشح، هو هزيمة له، فما هي الفائدة التي ستعود عليه إن حيل بينه وبين الاستمرار في حكم مصر ولو استمر الحكم في الجيش أبد الدهر؟!
كان لا بد من الحصول على إذن، ولهذا لم تبادر قناة “النيل للأخبار” أو الفضائية المصرية للتعاطي مع الخبر، انتظاراً للاذن، وقد جاءت المعالجة بعد ذلك بخبر باهت، يفتقد للحماس، إلى حد إفراغه، بالصياغة الكسلى، من مضمونه!
ويدرك السيسي أن الثورات تنتقل بالعدوى، فالثورة المصرية انتقلت من تونس، وقد تأكد المصريون من الدرس التونسي أنه بالحشد الجماهيري السلمي، يمكن اسقاط النظام الاستبدادي، ويخشى السيسي من أن تنتقل الثورة هذه المرة من الجزائر، فروح الشعوب الحرة واحدة، وقد أفادت الثورة المصرية واخفاقاتها الجزائريين، فلم يسمحوا بمن يلتف على مطالبهم، وأيقنوا أن أنصاف الثورات مهلكة، فلم يخرجوا للاحتفالات باعلان بوتفليقة أنه لم يكن ينتوي الترشح، وبدا أنه وإن تراجع عن العهدة الخامسة، فإنه يريد – أو يريدون له – أن يمد من الولاية الحالية، وهي واحدة من بدائل السيسي، إذا لم يُمكن من خوض الانتخابات الرئاسية المقبلة!
ويدرك السيسي – كذلك – أن حملة التخويف مما جرى في سوريا ليست كافية لمنع الشعوب من الثورة، أو استكمال ثورتها، وهناك ارهاصات كشفتها حملة الصفافير والطرق على الأواني للإعلامي “معتز مطر”، وكان حجم الاستجابة لها مفاجأة للجميع، فقد أوب مصريون في كثير من المحافظات معه، وظهر السيسي بعد هذا بخطاب مرتبك، هو خطاب “الأعمال الكاملة” فنفى فيه المسؤولية عن قتلى أحداث “محمد محمود”، ونفى فيه أن يكون الجيش هو من قام باقتحام مقار أمن الدولة، وهي كلها وقائع قديمة، فما الذي ذكره بها الآن؟!
إنه يريد أن يلملم حزبه من الجديد، ويجمع من جديد أضلاع مثلث الحكم وإن نقصت ضلعا، ولم يعد بامكانه أن يستعيد الضلع الضائع من جديد، وهو ضلع القضاء، الذي يدرك أن التعديلات الدستورية ستنتزع ما تحقق للسلطة القضائية من استقلال بفضل الثورة، وهي التعديلات التي رفضها نادي القضاة، كما رفضها نادي مجلس الدولة، ولم يستطيعوا الجهر بموقفهم!
إنه يستعيد حزبه ممثلا في الجيش والشرطة فقط، بتبرئته مما لحق به من أعمال قتل، ثم يعمل على اسقاط ما أوغر الصدور باقتحام مقار أمن الدولة، ويتحدث عن أن رواتبهم ضعيفة، ومع ذلك لا يتبرمون.

حياة الأم

كان هذا قبل الانتصار الجزئي للثورة الجزائرية، ومن المؤكد أن أحوال السيسي ساءت الآن، فداخله قناعة أن الجيش لن يتصدى لأي ثورة جادة في مصر، وأن الشرطة لن تكرر، إذا تأكدت من الصمود الثوري، خطأها مع ثورة يناير، وقد يحدث اتفاق على ضرورة التخلص من الجنين، من أجل انقاذ حياة الأم!
وثورة الجزائر، لا يمكن نسبتها لقناة “الجزيرة”، فالجزيرة بلا مكتب في العاصمة الجزائرية، وهي تغطيها في حدود الضرورة المهنية، دعك من المعالجة في البرامج النقاشية، فهذا لا يكشف عن الزخم الثوري، الذي تنقله الصورة، و”الجزيرة” معذورة، فمن “لسعته الشوربة لا يلام إذا نفخ في الزبادي”، وقد تحملت الشبكة ودولة قطر، ثمن كل اخفاقات الربيع العربي، لأنها انحازت له، وانتصرت لثورة المواطن العربي!
ومهما يكن، فإن مصر الآن في أمس الحاجة، لعودة “الجزيرة مباشر مصر”، لقد انتهى زمن الاستقطاب السياسي، وإذا عادت فستكون القناة الأولى في أي بيت مصري. “خير”.

صحافي من مصر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية