في عالم كرة القدم يحتار المرء في معرفة من يتحكم بخيوط اللعبة، ومن هو صاحب القوة والقرارات المؤثرة، فهل هي الاتحادات القارية والوطنية، التي تسن القوانين والاحكام في الدوريات والبطولات؟ ام هي الأندية الكبيرة، والتي تدخل الأموال عبر شعبيتها الهائلة من روابط المشجعين، والتي أيضاً تدعمها شركات استثمارية وتجارية ربما من الاكبر في العالم؟
في البرازيل، يراهن محبو كرة القدم على ان تكون هذه الصلاحيات والقوة بأيدي الأندية، لأنها اليوم تخطط لاحداث ثورة هائلة في البلاد، باعلان الانشقاق عن الاتحاد المحلي للعبة، وانشاء دوري سوبر تديره بنفسها، عوض ان تكون تحت رحمة الاتحاد البرازيلي لكرة القدم. وتخطط هذه الأندية صاحبة الشعبية في البلاد ان تطلق عليه اسم “ليغا برازيليرا” أو اختصاراً “ليبرا”. وبانضمام أندية النخبة مثل فلامنغو وبالميراس وسانتوس وساو باولو وحتى نادي براغانتينو المدعوم من عملاق مشروب الطاقة “ريد بول”، قد تكون النهاية وشيكة للدوري التقليدي الأكبر في قارة أمريكا الجنوبية، والذي تأسس عام 1959.
الفكرة ثورية أكثر من فكرة “الدوري السوبر الأوروبي”، فتخيل لو أندية مانشستر يونايتد والسيتي وليفربول وتشلسي اجتمعت وقررت انها لم تعد بحاجة لرابطة الدوري الممتاز (البريميرليغ) او انها بحاجة الى الاتحاد الانكليزي لادارة البطولات المحلية، وانها ستنشئ بطولتها الخاصة وتديرها بنفسها، وستزيل قانون العدل المالي الذي يقيد عملها، علماً ان “البريميرليغ” الانكليزي كان بحد ذاته دورياً انشقاقيا، حيث انشئت رابطة الدوري الممتاز وحلت مكان الاتحاد المحلي لادارة المسابقة، وقد يتكرر الأمر مستقبلاً كلما كبرت “عضلات” الأندية الكبيرة. لكن أيضاً بادخال عنصر الجماهير كقوة فاعلة في أخذ القرارات الحاسمة، والتي كان لها الفضل الأول في افشال محاولة أندية ريال مدريد وبرشلونة ويوفنتوس في انشاء الدوري السوبر الأوروبي، فان الصورة تصبح غامضة بعض الشيء.
لكن هل تنجح هذه الأفكار الثورية في الكرة البرازيلية؟ وهل تساهم في ثورات كروية مماثلة عند جيرانها؟ البداية كانت من امتعاض الأندية من التدخلات المستمرة للاتحاد البرازيلي لكرة القدم في تفاصيل اللعبة، ما قاد هذه الأندية الى عقد اجتماعات سرية في 2021 للبحث في امكانية الانشقاق وتأسيس دوري خاص بها. وفي البداية من الصعب الحكم على امكانية نجاح الدوري الانشقاقي لسبب بسيط هو أن هذه الأندية الكبيرة تكره بعضها بعضاً تاريخيا، بسبب التنافسية الشديدة بينها، لكنها كانت على وئام خلال اجتماعاتها الى درجة انها أجمعت واتفقت على اسم المسابقة الجديدة (ليبرا)، وعلى الرعاة المحتملين لهذه المسابقة، وبينها عملاق المشروبات “كوكا كولا”. لكن الأكثر غرابة ان مسؤولي الاتحاد البرازيلي ساندوا هذه الخطوة، الى درجة ان رئيس الاتحاد ايدنالدو رودريغز وضع نفسه “تحت تصرف” هذه الاندية المنشقة.
هذه الخطوة عكست الى أي درجة تأن الكرة البرازيلية وأظهرت رغبتها الجامحة في ادخال تغييرات، فلسنوات طويلة ظلت الأندية البرازيلية تدار اجتماعياً ومن رابطة المشجعين وبفضل مساهمات الأعضاء، لكن في السنوات الاخيرة دخل الى عالم الأندية البرازيلية أسلوب جديد، هو التملك الخاص من أثرياء ورجال اعمال، على غرار الملياردير جون تيكستور الذي تملك نادي بوتافوغو، فيما تملك اسطورة الكرة البرازيلية رونالدو نادي كروزيرو، وأندية أخرى سارت أو تسير على هذا المنوال، ما قاد تدريجياً الى التفكير في الانشقاق وتأسيس دوري ثوري جديد.
ربما من البديهي التفكير في ما يعيق حالياً انشاء الدوري الجديد، او “ليغا برازيليرا”، وهو الخلافات بين الأندية الثورية على المال، وبالتحديد على كيفية بيع حقوق البث التلفزيوني محلياً وخارجياً، وكيفية تقسيم المبالغ. فتقليدياً أندية ولايتي ساو باولو وريو دي جانيرو هي الأكثر قوة وسيطرة على الكرة البرازيلية، وهذه الأندية الستة التابعة للولايتين، هي التي تريد تقسيم المداخيل بنسب 40% – 30% – 30%، أي تقسيم 40% من المداخيل بالتساوي بين كل أندية المسابقة، و30% توزع بحسب أداء كل فريق في المسابقة، و30% بحسب عوامل أخرى، بينها عدد الحضور الجماهيري لكل ناد، وعدد أعضاء كل ناد، بل أيضاً أعداد المتابعين لكل ناد على مواقع التواصل الاجتماعي. لكن بقية أندية الولايات الأخرى ترفض هذا الاقتراح، وتصر على التوزيع بنسب 50% – 25% – 25%، الى درجة أن عشرة من هذه الأندية شكلت قوة حملت اسم مجموعة “فورتي فوتبول” لتدعم موقفها وقدرتها على التفاوض.
من المدهش رؤية بزوغ فجر هذه الثورة الكروية في بلد لطالما اعتبر انتاج المواهب الكروية وتصديرها الى العالم، من أبرز سماته، لكن الأكثر دهشة رؤية ان الذي دفع هذه الأندية في المقام الأول الى التفكير في الانشقاق وانشاء دوري انفصالي هو المال، أن يكون سبب الخلاف وعدم الاتفاق وربما انهيار الفكرة هو الخلاف على المال أيضاً.