جاك بريل: فن الكلمة والغناء بالجوارح كلها

في سبيل كلمة كتبها، ومن أجل أن يوصلها إلى الناس، كان جاك بريل يفعل أي شيء وكل شيء، يبكي ويضحك، يغضب وينهار، يكون ممثلاً تراجيدياً تارة، وتارة أخرى يكون ممثلاً كوميدياً، بل إنه لم يكن يتردد في بعض الأحيان، أو يتراجع عن أن يكون مهرجاً، يجعل من جسده ووجهه مادة للضحك، وهو المغني الرومانسي، صاحب أهم الأغنيات العاطفية في تاريخ الغناء الفرنسي، التي تذيب القلوب، وتدمع العيون، وتخاطب الأرواح خطاباً خاصاً عميقاً. وتتناول الحب في منتهى الجدية والصدق والدقة التعبيرية، وفي الحفلة الواحدة، وخلال وقت لا يزيد عن بضع ثوان، كان جاك بريل يتخلص من ذلك المهرج، الذي يدور ويتمايل ويقف على ساق واحدة، ولا يكف عن تحريك ذراعيه، وعضلات وجهه، وهو يغني كلماته، التي لا تخلو من أفكار مهمة، وإن كانت تثير الضحكات. فيتحول إلى رجل جذاب، وعاشق متيم هادئ ضعيف الوجدان، يناجي حبيبته، ويتوسل إلى معبودته وهو يكاد يبكي.
في فن جاك بريل، تسبق الكلمة كلا من الصوت والموسيقى، وتبدو موهبة الكتابة، متفوقة على مواهبه الأخرى من غناء وتلحين، وأداء تمثيلي وحركي مبهر. وهو بلا شك متفرد في ذلك، مهما تأثر به البعض، أو قلده في أسلوب الكتابة وطريقة الغناء، فإنه سوف يقف عند حد معين، لن يستطيع أن يتجاوزه. ولن يقدر على الوصول إلى الدرجة نفسها، من التحرر الفني من القيود، أو الصور التقليدية، التي تحكم أداء بعض المغنين أحياناً، وذلك الانطلاق الإبداعي، الذي كان موجوداً لدى جاك بريل بشكل طبيعي وتلقائي. ويشعر المرء أحياناً بأن جاك بريل عبارة عن مجموعة من الفنون، يمكن تناول كل منها بشكل منفصل، كالاستمتاع بقراءة ما كتبه من كلمات، وسماع موسيقاه، والإصغاء إلى غنائه، ثم مشاهدته وهو يؤدي أغنياته. وأكمل حالات التلقي بالطبع هي مشاهدته وهو يغني، خصوصاً في الأغنيات غير العاطفية، التي يكثر فيها الأداء الحركي المضحك أحياناً، أو الانفعالي الدرامي، الذي يعتمد على التصاعد النفسي والشعوري، المرتبط بكلمات الأغنية وموضوعها. والتصاعد بشكل عام، كان لعبة يحبها جاك بريل ويجيدها ويتقنها، سواء التصاعد الكلامي أو الموسيقي أو الحركي، وليس أدل على ذلك من أغنية «أمستردام» التي يغنيها دفعة واحدة، بلا توقف، منذ أن تبدأ بروية وعلى مهل، إلى أن تنتهي بسرعة كبيرة لا يكاد خلالها يلتقط أنفاسه.
لم يكن هذا المغني البلجيكي ابناً للسان واحد، وقد استخدم بعض الكلمات باللغة الفلمنكية في أغنية «ماريك» على سبيل المثال، لكنه وجد في اللغة الفرنسية، ما يمكنه من التعبير عن مشاعره وأفكاره. وموسيقاه الداخلية، وإيقاعه النغمي، وكل ما يمده بالمعاني، ويسعف حاجاته ورغباته الفنية، وكانت هذه اللغة هي الأقرب إلى نفسه، والأجدر بكلماته وأغنياته وفنه. ولا شك في أنه خلق مرحلة جديدة ومهمة في تاريخ الغناء الفرنسي، تتسم بالاندفاع القوي في الأداء، والاهتمام البالغ بصياغة الكلمة والعبارة، ودقة العناية باختيار اللفظة الملائمة تماماً للعاطفة، والمعبرة عنها.
يقدم جاك بريل الأغنية في شكلها الرومانسي الممتاز، مثل «لا تتركيني» «أغنية العشاق القدامى» «عندما لا نملك سوى الحب» على سبيل المثال. ويقدم أحياناً ما يبدو أكبر من الأغنية، ويثبت حقيقة ما يمكن أن يحتويه ذلك القالب الفني، الذي هو الأغنية، فقد يشعر المتلقي أحياناً، بأنه استمع إلى حكاية أو قصة قصيرة، أو حضر عرضاً لمسرحية من فصل واحد، يمتد لدقيقتين أو لثلاث دقائق فقط، أو قرأ نقداً ساخراً غاضباً، أو التقى بصديق في حاجة إلى أن يتكلم، وأن يبوح بمواجعه، لكن المتلقي في حقيقة الأمر، وإن شعر بكل هذا، فهو لم يصغ إلا إلى أغنية فردية، لا هي مقبلة من أوبرا مثلاً، أو مسرحية غنائية، أو فيلم سينمائي، ولا تنتمي إلى أي سياق درامي آخر خارج تكوينها. فهي وحدة فنية مستقلة، أو هي فن مثل أي فن آخر، يستطيع صاحبه أن يعبر من خلاله عن كل ما يريد، وأن يقول أي شيء، وهذا من أعظم ما صنعه جاك بريل، ومن أهم أسباب خلوده الفني. هذا الانطلاق بالأغنية نحو آفاق بعيدة جداً، مع الالتزام الكامل بالإطار الخاص بهذا الفن، والمحافظة عليه، والحرص على عدم الخلط بينه وبين الفنون الأخرى، أو تمييع الحدود الفاصلة.
فإنه كان يرفض على سبيل المثال، أن يطلق عليه لقب شاعر، أو أن يوصف ما يكتبه بالشعر، وإن صاغ عبارات وخلق صورا تتفوق على بعض الشعر أحياناً. لكنه كان يرى أن الشعر أمر آخر، أكبر بكثير مما يؤلفه هو من كلمات، وكان يقول إنه ببساطة يكتب الأغنيات ويغنيها، ومثل هذا القول الواعي، يرفع من قدر الأغنية، ويحفظ لها مكانتها الفنية المستقلة، وقدرتها التعبيرية، بعيداً عن الفنون الأخرى، وكان جاك بريل يملك خيالاً متدفقاً، وقدرة على ابتكار المعاني، وصياغة الجمل، كما إنه كان يذهب نحو بعض الأمور والمواضيع، التي لا تثير عادة مؤلفي الأغاني من أجل الكتابة عنها، وتناولها موسيقياً، حتى مشاعر الحب، كان يعبر عنها بأسلوبه الخاص، ويتساءل المرء أحياناً، أي عاطفة تلك التي كانت تشتعل في داخله، وكم تألم قلبه لكي يكتب أغنية «لا تتركيني» ويؤديها بذلك الأسلوب الفريد، الذي لا يمكن محاكاته أو تقليده أو الاقتراب منه، من حيث الانسجام مع الخط النغمي، والتركيب الموسيقي، وتلوين الشعور وضغط الصوت، واللفظ الدامع أحياناً، والتقطيع الحزين للكلمات، وهو يكرر نداءاته للحبيبة بأن لا تتركه، بكل هذا القلق والاضطراب والشعور بالضياع العاطفي، وبكل هذا الوجد والحزن والألم، والضعف والخوف من الفراق، والتشبث حتى بظل المحبوب، والرضا بأي صورة من صور البقاء بالقرب منه، وإن كان خيالاً صامتاً، وأي حنين كان وراء نعومة المنحنيات الصوتية في أغنية العشاق القدامى، وحركة اللسان والمشاعر المسيطرة على النطق. لم يكن جاك بريل يغني بصوته فقط، وإنما بتعبيرات وجهه وجسده، وأنامله، التي تكاد حركاتها أن تكون ناطقة، وبأشكال صوتية وحروف لا معنى لها، تعبر عن الرفض مثلاً أو تناول الشراب، وما إلى ذلك من أمور أخرى، وكان يؤدي قطعه الفنية بكل جوارحه وعواطفه المكثفة وانفعالاته القوية، مثل ذلك الانفعال الأبدي الساكن في أغنية «هؤلاء الناس» وكان يعيش في كل أغنية من أغنياته ويتفاعل معها بإحساس ذكي ووجدان متقد.

كاتبة مصرية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية