تونس-“القدس العربي”: تعاني عائلات ضحايا كورونا في تونس من مأساة حقيقية تتمثل في رفض مواطنين لدفن الضحايا في المقابر الواقعة في مدنهم وقراهم خشية من تسرب العدوى من الجثث في جهل بخصائص هذا الفيروس وكيفية انتشاره ومدة بقائه نشطا في جثة الميت. فالدفن يتم في تونس بطريقة علمية تضمن عدم تسرب الفيروس أثناء الدفن وبعده وهو ما يجعل رفض الدفن بلا معنى والفوضى المثارة من قبل الأهالي فتنة لا مبرر لها تساهم في تهديد الأمن والسلم الاجتماعيين.
لقد تم منع دفن جثث بالقوة من قبل المواطنين، فيما اضطرت قوات الأمن لفرض الدفن بالقوة في بعض الحالات، ورشق مواطنون في بعض الأماكن عناصر الأمن بالحجارة وتم الرد عليهم بالقنابل المسيلة للدموع. وتم الاضطرار أحيانا إلى دفن ميت كورونا في جنح الظلام في مشهد يندى له الجبين، إن دل على شيء فهو يدل على عدم ثقة المواطن فيما يقال له من قبل السلط ووسائل الإعلام من أن العدوى لا تنتقل بعد الدفن وأن حياة الفيروس مرتبطة بحياة المريض باعتباره يتكاثر في الخلايا الحية.
أسباب
وفي هذا الإطار يقول الشيخ الدكتور بدري المدني الباحث التونسي في الفكر الإسلامي لـ “القدس العربي” إن منع دفن ضحايا كورونا، ظاهرة مرفوضة شرعا ومجتمعيّا وقانونيا، وأسبابها تعود أساسا لتمرّد المواطنين على الدولة لما لمسوه من ضعفها في تطبيق القوانين وتنامي منسوب الأنانيّة والحقد على الآخر وإن كان ميّتا. هذا المنسوب الذي زرع في العشر سنوات الأخيرة مع ضعف الوازع الديني وانتشار التديّن الشكلاني، دمر، حسب محدثنا، البعد المقاصدي والتكريمي للإنسان. كما أن من أسباب رفض الدفن صعود موجات الخوف لنقص التوعيّة من مؤسسات الصحّة والمؤسسات الدينية كوزارة الشؤون الدينيّة ودار الافتاء.
ويضيف “نصوص القرآن الكريم تحثّ على احترام الكائن البشري، كما وجّهت نصوص النبوّة إلى سرعة الدفن واحترام حرمة الميت كحرمته حيّا”.
ويؤكد محدثنا على أن ما أتاه البعض من المتنطّعين من أساليب غوغائية واعتراضهم على دفن شهداء فيروس كورنا هي ظواهر لا تمتّ إلى ديننا ولا إلى قيمنا ولا إلى أخلاقنا بأدنى صلة، فإذا كان المتوفى قد لقي ربه متأثرا بفيروس كورونا فهو في حكم الشهيد عند الله تعالى، حسب محدثنا، وذلك لما وجد من ألم وتعب ومعاناة حتى لقي الله تعالى صابرًا محتسبا، كما لن يشهد أهله مراسم دفنه المعهودة ولا التعزية ولا التشييع ولا الطقوس الجنائزيّة المألوفة وهذا مؤلم ونزيدهم تعذيبا وترهيبا بمثل هذا الصدّ بدل الامتنان والاحترام والتوقير في حقهم الذي هو واجبنا والمسارعة بالتكريم لهم أوجب. ويضيف المدني قائلا “يجب على من حضر من المسلمين وجوبا كفائيا أن يسارعوا بدفنه بالطريقة الشرعية المعهودة مع اتباع الإجراءات والمعايير الصحية كافة التي وضعتها الجهات المختصة لضمان أمن وسلامة المشرفين والحاضرين، وبما يضمن عدم انتشار الفيروس إلى منطقة الدفن والمناطق المجاورة”.
تداعيات
ويرى المدني أن التداعيات على العالم كلّه ستكون جليّة، كذلك شأن المجتمع التونسي الذي سيشهد انقلابا مفاهيميا في ذهنيته وتركيبته ومن ذلك انتصاره لإعطاء الأولوية لقطاعات الصحّة، والأمن، وحريّة التنقّل. فكأنّها، وحسب محدثنا، كانت نعما مجهولة ومخفيّة فانكشف قدرها وزاد شكرها، مثلما انكشف الشعور بالدفء الأسري بعد أن عادت اللحمة بين أفراد العائلات بعد أن كبّلتها النزاعات والتفرّق. كما تسببت أزمة كورونا حسب المدني في إشاعة قيم التضامن والتكافل والتآزر والتراحم إيمانا بأنّ الخلاص لا يمكن أن يكون إلاّ جماعيا.
ويضيف محدثنا قائلا: “لقد تحقق التونسيون من أنّ الاستثمار الفعلي يكون أساسا في العلم والبحث العلمي وبناء المدارس وتجهيز المستشفيات ثمّ البقيّة. كما تفطنوا إلى إفلاس الخطاب المادي المتطّرف والخطاب الديني المتشدّد، وكلاهما يفضي إلى خلق الخصام بين العلم والدين، بين المختبر والمسجد، بين الإنسان والبنيان وبين المساجد والساجد وبين الأخذ بالأسباب والتنسّك والدعاء. وتفطن إلى إفلاس خطابات جلّ الأحزاب السياسية عن المبادرة أو إنتاج أفكار من شأنها الإسهام في حلّ الأزمة وتداعياتها، وكذا إفلاس الخطابات العنصرية الإسلاموية أو الفرنكوفونية أو الجهويّة. وأدرك حاجتنا للخطاب العقلاني الإيماني التنويري الذي يقوّي باطن المؤمن على مواجهة الأقدار، ويغذّي سعيه للذهاب من الأقدار الضّارة إلى الأقدار السارة.
كما ستكون المرحلة المقبلة مرحلة إعادة الاعتبار إلى الدولة ومرافقها ومؤسساتها بعد مساعي تفتيتها، وظهور تفاوت بين الأفراد والمؤسّسات التي أبدت روح التضامن والتكافل في زمن الأزمة، وبين الأفراد الانتهازيين تجّار المحن الذين لم يتشبّعوا بروح الوطنية والانتماء لمصير مشترك ولم يؤمنوا أن الجميع في سفينة واحدة. وكما ستكون المرحلة المقبلة مرحلة البحث عن الاستراتيجيات الاتصالية والسياسة الإعلامية الوطنية المسؤولة، لصناعة الرأي ومقاومة الهبوط المضموني والإشاعة والأخبار المزيّفة وذلك باستحضار مكوّنات الهويّة الجماعية لتمنيع الذات أمام الأزمة، حتى يسهم التونسيون في ولادة جديدة لتونس حيث تثمين مواطن القوّة والمناعة ومراجعة كثير من الاختيارات في الحوكمة والسياسة والاجتماع والإعلام والتعليم والثقافة والشأن الديني وغير ذلك”.
جهويات مقيتة
ومن المآسي التي أثارت غضب الكثيرين في تونس رفض استقبال إحدى المستشفيات لمريضة من مدينة أخرى تنتمي إلى نفس الولاية مع المدينة التي يقع بها المستشفى. ووجد هذا السلوك تنديدا واسعا في مواقع التواصل الاجتماعي من مختلف الشرائح. فقد اعتبر المؤرخ التونسي عادل اللطيفي في تدوينة باللهجة العامية لفتت الانتباه بعنوان “اليوم بكيت على تونس” أنه “في الوقت الذي تساعد فيه شعوب الأرض بعضها البعض، وممرضون وأطباء لا تعاني مناطقهم من إصابات، يتركون عائلاتهم ويذهبون للعمل في مناطق استفحل فيها فيروس كورونا خدمة لأبناء وطنهم المنكوبين، وفي الوقت الذي تتصل فيه مناطق لم تصب بالفيروس بمناطق أصابها الفيروس طالبة نقل المرضى إليها للمساعدة في العلاج، وفي الوقت الذي ترى فيه شعوب العالم تقف لتصفق لجيشها الأبيض، وفي الوقت الذي يتجند فيه أيضا تونسيون ويساعدون بما استطاعوا، في هذه اللحظات الوطنية والإنسانية، ترى وتسمع في بلادك إطارات طبية وشبه طبية في مستشفى عمومي يرفضون دخول مواطنة للمستشفى لأنها مريضة وليست من الجهة. سمعت أحدهم يتحدث ويقول لا نداوي إلا أبناء الجهة، ولم أصدق إلى أين وصلت تونس بهذه الأنانية الجهوية.
لقد بكيت اليوم على تونس لأنه في الوقت الذي أخصص فيه جزءا من أبحاثي عن الدولة وعن الوطنية وقيمة اللحمة الاجتماعية، أدرك حجم الكارثة التي تنتظر تونس بعد أن وصلنا إلى حد أن الطبيب أو المستشفى الذي من المفروض أنه يداويك كتونسي ويزيل عنك هذه الآفة، يرفضك لأنك مريض ولأنك قادم من جزيرة جربة ولأنه يخاف من العدوى.
إنها المرة الأولى التي أكتب فيها تدوينة وبين عيني مصير شعوب أخرى انتشرت فيها هذه العقليات. أبكي لأن المريضة تم قبولها بشق الأنفس وبتوسل من الدولة. وأبكي أكثر لأن هذه العقليات ستؤدي بنا إلى الصوملة. إن رفض مستشفى جهوي، وفي حالة حرب وطنية ضد وباء، علاج مرضى تونسيين هو بمثابة عدوان عسكري من الخارج على تونس، وتعتبر منطقة تابعة لبلدك أنها غير معنية باعتبار أن العدوان لم يطلها.
ويبكي المرء أكثر على بلاده عندما يرى الملاحقات القضائية في كل بلدان العالم تطال هؤلاء الرافضين للعلاج لكن في تونس يمر هذا الموضوع في الإعلام وعند حكامنا كأنه خبر عادي باعتبار أن الأمر تعلق بمشكلة وتم حلها. لقد دخلت المريضة إلى المستشفى ونتمنى لها الشفاء من المرض، لكن من يشفي تونس من عقلية بعض أبنائها الذين صار موت التونسي أمامهم أمرا عاديا؟ بكيت لأني وضعت نفسي مكان هذه المرأة المريضة وتخيلت ماذا شعرت عندما رفض مواطنوها عمدا مداواتها”.
واعتبر الإعلامي التونسي المكي هلال في تدوينته أن “ألمانيا تستقبل في مستشفياتها مرضى من فرنسا وإيطاليا ومواطنوها يرحبون. وهناك مرضى من ولاية نيويورك يحولون إلى مستشفيات ولايات أخرى لتخفيف الضغط، ونحن في الدولة بل في الولاية نفسها ويمنع مواطنونا العرب المسلمون المرضى من حق العلاج والموتى من حق الدفن ويتحدون الدولة والنظام والقانون، فقط لأن المرضى أو الموتى ليسوا من أبناء المنطقة والجهة والعشيرة ولا يسري في أجسادهم ذلك الدم الأزرق النبيل”. ويتابع: “كم عرت كورونا تخلفنا وقبحنا وجهويتنا وقبليتنا ولا إنسانيتنا وكشفت زيف حجابنا الديني ونقابنا الأخلاقي وكل تفاخرنا وما نتبجح به في أدبنا الشعبي والفصيح عن مآثر العرب والمسلمين في الكرم والإجارة ونجدة الملهوف”.
كما تناقل عديد النشطاء التونسيون على مواقع التواصل الاجتماعي فيديو لمواطنين يقومون بمنع دفن أحد ضحايا كورونا في مشهد يطرح عديد التساؤلات اليوم حول مصير الوحدة المجتمعية في مواجهة هذه الجائحة، وكذلك عن تعميق الجهويات والتمييز بين المناطق والذي لا يزال إلى اليوم يمثل أحد أهم الظواهر التي تؤرق المجتمع التونسي.