جدل في تونس حول التعديل الوزاري ومدى تأثيره على الانتخابات الرئاسية

روعة قاسم
حجم الخط
0

اعتبر البعض التعديل الوزاري رسالة إلى المعارضة بأن الرئيس باق في السلطة وأنه قد يكون بصدد إعداد فريقه الحكومي من الوزراء الذين تم تعيينهم حديثا لمرحلة ما بعد الانتخابات.

تونس ـ «القدس العربي»: أثار التعديل الوزاري الذي قام به رئيس الجمهورية قيس سعيد الكثير من الجدل في تونس، بين مساند للخطوة التي أقدم عليها، وبين مدافع عن بعض الوزراء مستهجنا إقالتهم، وبين من يرى أن رئيس الجمهورية هو الذي اختار هؤلاء الوزراء وهو مسؤول معهم بالتضامن. وبالتالي فإن مسؤولية عدم النجاح في تنفيذ السياسات يجب أن يتحملها الجميع باعتبار أننا في نظام رئاسي يحدد فيه رئيس الجمهورية السياسات العامة التي يسير على نهجها الوزراء وكذا رئيس الحكومة أو الوزير الأول.

لقد برر الرئيس قيس سعيد هذا التعديل الوزاري الذي شمل بالخصوص وزارتي الخارجية والدفاع وحافظ على حقيبتي العدل والمالية، بالسعي إلى ضمان «انسجام» الحكومة وبحثا عن تحقيق «الأمن القومي قبل أي اعتبار» على حد تعبيره. كما اعتبر أن الوظيفة التنفيذية يمارسها رئيس الجمهورية بمساعدة حكومة يرأسها رئيس الحكومة، والوزير برأي قيس سعيد جُعل منصبه للمساعدة، والمنصب ليس «وزرا» على حد تعبيره.
لقد كان هذا التغيير مفاجئا للداخل والخارج باعتبار أن اهتمام الجميع كان منصبا على الانتخابات الرئاسية التي ستجرى يوم 6 تشرين الأول/اكتوبر 2024 وما شابها من انتقادات من قبل المعارضة ومنظمات حقوقية ومن نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي. فلا أحد تصور أن يجري تحوير وزاري شامل ولم يعد يفصل عن موعد الانتخابات سوى شهر ونصف أو أقل من ذلك خاصة وقد جرت العادة في كثير من الدول أن تجري مثل هكذا تحويرات وزارية مباشرة بعد الانتخابات وليس قبلها بوقت قصير.
وفي رده على المنتقدين اعتبر الرئيس قيس سعيد في كلمته أمام موكب أداء اليمين للوزراء الجدد أن من ينتقدون التعديل الوزاري الذي حصل قبل أسابيع من الانتخابات الرئاسية هم لا يفرقون بين الانتخابات والسير العادي لدواليب الدّولة وأمنها القومي. واعتبر أيضا أن «دواليب الدولة تتعطل كل يوم» وهو ما اقتضى معالجة الأمر بهذا التعديل الوزاري الذي وصفه البعض بأنه عملية تعيين حكومة جديدة وليس فقط مجرد تحوير عادي خاصة وأنه تمت في وقت سابق، وقبل أسابيع، إقالة رئيس الحكومة من منصبه وتعيين وزير الشؤون الاجتماعية في منصبه.

حملة انتخابية

ترى شخصيات عديدة من المعارضة التونسية، التي ما زالت لم تحسم موقفها بعد من هذه الانتخابات فيما يتعلق بدعم أحد المرشحين أو المقاطعة، في تعليقها على هذا التعديل الوزاري الشامل الذي قام به الرئيس قيس سعيد، بأنه يأتي في إطار حملة انتخابية سابقة لأوانها قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة التي ستجري يوم 6 تشرين الأول/اكتوبر. ويعتبر هؤلاء أن إقالة هذا العدد الكبير من الوزراء هو عملية استباقية فيها تحميل للمسؤولية لهم عن إخفاقات حصلت في أغلب القطاعات وذلك بالرغم من أن ساكن قصر قرطاج هو الذي عين هؤلاء الوزراء وسطر لهم السياسات العامة باعتبار الأمر يتعلق بنظام رئاسي يتمتع فيه رئيس الجمهورية بصلاحيات واسعة في هذا المجال.
وانتقد بعض هؤلاء ما أسموه توظيفا لأجهزة الدولة من قبل أحد المترشحين لاستمالة أكبر قدر من الناخبين في هذه الانتخابات الرئاسية وخصوصا أولئك المنزعجين من الأداء غير المقنع لكثير من الوزارات في الحكومة التونسية التي يمكن وصفها بالمُقالة إن صح التعبير. واعتبر هؤلاء أيضا أن هذه الخطوة رسالة إلى المعارضة والرأي العام بأن الرئيس سعيد باق في السلطة وأنه قد يكون بصدد إعداد فريقه الحكومي من الوزراء الذين تم تعيينهم حديثا وذلك لمرحلة ما بعد الانتخابات الرئاسية، وتساءل هؤلاء هل هي الثقة المفرطة في توجهات الناخبين أم أن الثقة مردها إلى أشياء أخرى؟

تحسين الأوضاع

بالمقابل يرى كثير من أنصار الرئيس قيس سعيد أن اتهامات أطراف في المعارضة للرئيس بأنه يقوم بحملة انتخابية مبكرة أو أنه يبعث برسالة بأنه سيستمر في السلطة، هي اتهامات لا أساس لها من الصحة وهي حملة من هؤلاء المعارضين ضد الرئيس تستبق موعد الانتخابات للنيل من صورته. وبالتالي، وحسب هؤلاء الأنصار، فإن من بدأ حملته باكرا ضربا للمنافس هي المعارضة وليس الرئيس وهي التي بدأتها في الحقيقة منذ سنوات وليس بمناسبة هذا التعديل الوزاري الشامل الذي كان منتظرا برأيهم ولم يكن مفاجئا، كما يدعون، ولا علاقة لهذا التعديل برأيهم بالإنتخابات الرئاسية ليوم 6 تشرين الأول/اكتوبر.
إن الهدف من هذا التعديل الوزاري، بحسب أصوات موالية للرئيس قيس سعيد، هو تحسين أوضاع التونسيين في كافة المجالات، وتطوير أداء العمل الحكومي مع وزراء جدد قد يحققون المنشود الذي عجز عنه سابقوهم في قطاعات عديدة على غرار الاقتصاد والثقافة والشباب والرياضة والسياسة الخارجية والنقل وغيره. وبالتالي فإنه لا يمكن الإبقاء على وزير لم يؤد مهامه على أكمل وجه حتى وإن كان هناك ضغط انتخابي خاصة وأن هناك تقارير تصل الرئيس عن الأداء الهزيل لبعض الوزارات تقتضي منه، حسب هؤلاء، البحث عن أسماء جديدة في مرحلة أولى، ثم دراسة الملفات، وأخيرا منح الحقائب بقطع النظر عن الرزنامة الانتخابية.

مشهد ضبابي

ترى الباحثة السياسية والناشطة المدنية التونسية آمنة الشابي في حديثها لـ«القدس العربي» أن الوضع السياسي في تونس في الوقت الحاضر يتميز بالضبابية وعدم وضوح الرؤية وذلك قبيل موعد الانتخابات الرئاسية التي تفصلنا عنها أسابيع قليلة. وزاد التعديل الوزاري الأخير، والجدل الكبير الذي حصل بشأنه بين المعارضة والموالاة رغم أن عطلة الصيف لم تنته بعد والبرامج السياسية الحوارية التي تؤجج الجدل ما زالت غائبة عن المشهد، التونسيون في حيرة، حسب الشابي، حول ما سيحصل خلال الفترة المقبلة.
وتضيف محدثتنا قائلة: «من جهة يعطي وجود سياسيين وراء القضبان عبروا سابقا عن رغبتهم في الترشح للانتخابات الرئاسية، وهذا التغيير الشامل لأعضاء الحكومة الذي أوحى للبعض برغبة ساكن قرطاج بالبقاء في السلطة، الإنطباع بأن هذه الانتخابات لن تدور في ظروف طبيعية وفق المعايير الدولية للانتخابات الحرة والنزيهة. ومن جهة ثانية يعطي عدم تعبير المعارضة عن عزمها مقاطعة الانتخابات الانطباع بأن هناك استحقاقا انتخابيا جديا قد يحصل في تونس، مع العلم بأن المعارضة حقيقية ولديها تاريخ ومساجين وعانت من مضايقات حقيقية وتنتمي إلى عائلات سياسية عريقة وليست مجرد ديكور على غرار المعارضات في أغلب بلدان المنطقة، فإذا لم تقاطع استحقاقا انتخابيا فذلك قرينة على جديته.
وبالتالي فإن عدم إعلان المعارضة إلى حد الآن مقاطعتها للانتخابات يعطي الأمل بوجود منافسة انتخابية حقيقية خلال الإستحقاق الرئاسي المقبل على أمل أن لا تتراجع عن موقفها وتعلن عن المقاطعة إذا تراءى لها أن المنافسة الحقيقية ستكون غائبة. مع العلم أن المقاطعة لن تكون في مصلحة المعارضة في كل الحالات باعتبارها ستفسح المجال للمنافس ليفوز منذ الدور الأول وبفارق معتبر وهام، كما أن المقاطعة ستمس من مصداقية هذه الانتخابات ومن صورة تونس في الخارج، أي أنها باختصار ليست في مصلحة أي طرف».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية