جديد هذا العام: من ليلة القدر لصلاة العيد!

حجم الخط
3

فقدت «الفُرجة» على وقائع الصلاة المنقولة عبر التلفزيون، أهميتها عندي، وقد جرت العادة أن يقوم التلفزيون المصري بنقل صلاة الجمعة، وصلاة العيدين، وبعض القنوات الخاصة تفعل، إما بالنقل عن التلفزيون الرسمي، كما كانت تفعل «المحور»، أو بالنقل المستقل، كما كانت تفعل «صدى البلد». ولست مطلعاً على الأمر الآن، لكي أعرف إن كان هذا التقليد في القنوات الخاصة مستمراً، أم توقف؟!
فقدان الشهية على «الفُرجة» وأن الأمر لم يعد يمثل جاذبيته القديمة، هو أن كاميرا التلفزيون تشتت الذهن وتربك الرأس، فلم تحط كثيراً على جموع المصلين، كما كانت تفعل في السابق، ولكنها تنشغل بالزخارف في المسجد وخارجه، وهو أمر بدأ قبل الثورة، وأشرنا إليه في حينه، قبل أن يستفحل الأمر، فيصبح الاستثناء هو حط الكاميرا على وجوه المصلين، وتحدث المبالغة في الصلاة، التي يحضرها عبد الفتاح السيسي، وتقريباً توقف كلياً عن صلاة الجمعة رسمياً، بما في ذلك «الجمعة الأخيرة»، من شهر رمضان، وكانت صلاة الرئيس تلفزيونيا من تقاليد الدولة المصرية!
وفي العهود السابقة، كان إذا تصادف حضور أي من القادة العرب مع يوم الجمعة، حضر الرئيس صلاة الجمعة مع القادة، وقد طالعت مؤخراً صورة لصلاة الجمعة من أحد مساجد الإسكندرية، وهي تضم الرؤساء؛ مبارك، وصدام حسين، وعلي عبد الله صالح، والملك حسين.
دنيا غرورة، في كل من في الصف الأول، غادروا دنيانا الفانية، بما في ذلك شيخ الأزهر، الشيخ جاد الحق علي جاد الحق، ولم يبق على قيد الحياة سوى وزير الأوقاف آنذاك د. محمد علي محجوب!
ولم نشاهد السيسي في مشهد كهذا، يبدو لأن أحداً من القادة العرب لم يزر القاهرة في يوم الجمعة في عهده، فربما تم ابلاغهم أن الجمعة عطلة رسمية!

تجاهل شيخ الأزهر وتقليعة بوتين

وإذا كان انصراف الكاميرا إلى الزخارف وإلى قارئ القرآن الكريم، يحدث في السابق – وفي بداية هذا الاتجاه – بهدف السعي لتقديم صورة مختلفة، وكأنه نقل لاحتفالية عن معرض للفن التشكيلي، فقد أصبحت المبالغة فيه لتأخر السيسي دائماً عن الحضور، ومن الواضح أن المسجد يستمر خالياً من المصلين، إلى أن يأتي هو، في حين أن رؤساء مصر السابقين، كان يبدأ النقل في حضورهم، فإذا حدث وتأخر الرئيس، فلا ينتظره المصلون في الخارج، ولدى صاحبهم شغف أن تصطحبه الكاميرا منذ نزوله من السيارة، لنشاهد كبار رجال الدولة في استقباله لدى وصوله، ثم إنه اعتاد على المشي لمسافة طويلة، وكأن هذا الاستقبال لـ «الفُرجة»، على طريقة سيره!
والمشي لمسافة طويلة، نقل عن الرئيس الروسي، مرة، لكن صاحبهم، منذ أن فعلها بوتين وهو يفعلها دائماً، وكأنه تقليد لاستيفاء شكل الرئيس!
وذات مرة دخل، فأشار على مستقبليه بيده، كما لو كان أحد المارة في الشارع ويلقي السلام على الجالسين في الطرقات، وكان على رأس مستقبليه فضيلة شيخ الأزهر، وحدثت ضجة عبر منصات التواصل الاجتماعي، لهذا التجاهل الواضح، وقد فسره من أقاموا الضجة بأنه تصرف يعبر عن عمق الحاجز النفسي بينه وبين الشيخ؛ ولو مات أو استقال ليعين مكانه أسامة الأزهري!
في احتفال ليلة القدر هذا العام، وكذا في صلاة عيد الفطر، انتبه للأمر، فصافح الشيخ ومن معه، لكن بإخراج بدائي، جعل الشيخ يتقدم للأمام وكأنه يقطع عليه الطريق ليصافحه، ثم انطلق حيث تمرينات الصباح الرياضية، ومسافة المشي غير المبررة، ويا أيها الرئيس الروسي ثكلتك أمك!
على مدى ثلاثين عاماً، لم نشاهد الشيوخ: بيصار، جاد الحق، طنطاوي، الطيب، في استقبال الرئيس مبارك، ثم يمشي بمفرده والجميع يتطلعون عليه، وكأنه جزء من «التشريفة» في انتظاره أمام المسجد، وهو مشهد يوحي بأن لديه تطلعات إمبراطورية لم يرصدها علماء النفس!

تقاليد الدولة المصرية والسيسي

كنت أعتبر أن تقاليد الصلاة الرسمية، ومنها حضور الرئيس الجمعة الأخيرة، أمر مرتبط بالدولة المصرية منذ 1952، ومنذ أن كان اسمها «الجمهورية العربية المتحدة»، لكني شاهدت مؤخراً صورة للملك فاروق، على نحو يثبت بأنه تقليد مستقر قبل هذه المرحلة، لكن السيسي نسف هذا التقليد نسفاً، تماماً كما تجاوز تقليداً آخراً، وهو الاحتفال بلية القدر في ليلة 27 رمضان، فيحتفل بها في صباح يوم 26 رمضان، وبعد كل مرة ألفت انتباهه لهذه المخالفة، بأن اسمها «ليلة القدر»، وليس يوم القدر!
وفي هذا العام، لفت الانتباه مبكراً، فلما مر النهار، قلت ربما سيأخذ بالنصيحة ويحتفل ليلاً، لكنه لم يفعل، وقال البعض قد ألغى الاحتفال بسبب احتجاز «قوات الدعم السريع» لقوة من الجيش المصري، في مطار مروي، وتعمد إهانتهم. والرأي عندي أن الاحتفالات الدينية، لا تخدش الشعور بالحزن، وفي صباح يوم 27 رمضان كان احتفاله بليلة القدر، فلا هو التزم بتقليده بالاحتفال بها صباح 26 من الشهر الفضيل، ولا هو التزم بتقليد الدولة المصرية بالاحتفال في ليلة هذا اليوم!
في الاحتفال كانت خطبة شيخ الأزهر طويلة، ويا سبحان الله، فقد بدت كما لو كانت كلها موجهة ضده، يحمل الشيخ على الظالمين، فتعتقد أنه يعنيه، ولا ننسى أن أهل الحكم تحركوا ضد القارئ محمد جبريل وجرت مطاردته لأنه في دعائه دعا على الظالمين، وكان التوجيه الرسمي بمنع خطباء المساجد من الدعاء على الظالمين، يوشكوا القول إن لنا في الظالمين نسباً وصهراً!
يتحدث الشيخ عن الدماء، وحرمة الدماء، ومصير من يسفك الدماء، فيبدو مستهدفاً بهذا الخطاب من أوله لآخره، وبعد الخطبة الطويلة لشيخ الأزهر، خطب هو خطبة قصيرة للغاية، وعلى غير عادته لم يرتجل، ومعروف عنه بالضرورة أنه كلما أمسك بالمايك، صال وجال، إلا في هذه المرة!
للسيسي تقاليعه الخاصة، فقد وضع بينه وبين كبار رجال الدولة في صلاة العيد، بمن فيهم شيخ الأزهر، أبناء الشهداء، وهو نوع من المبالغة في الاحتفاء، لنذهب في المزايدة بعيداً، لماذا لم يأخذهم معه للعيش في أحد القصور الرئاسية؟
هو أصلاً لا يزال يعتمد التباعد الاجتماعي، الخاص بالفيروس اللعين، وقبل الفيروس كان لافتاً في صلاة العيد، أنه يسمح للحرس أن يتخطى الرقاب ليكون في الصف الأول، وذات صلاة كان يجلس الحرس بينه وبين شيخ الأزهر، فما هي الاحتياطات الأمنية التي تدفع لذلك؟!

لم يخطب ولم يرتجل

لا بأس، فقد حلها حضور الأطفال، مع أنه كان معداً لهم احتفالاً بعد الصلاة، وقد انتظرته، لأنه في العيد الماضي صال وجال، ليكون هذا اللقاء هو الحلقة الثلاثون من مسلسل «الإختيار3»، وتعرض في حديثه للإخوان، وللرئيس مرسي، ولـ»ثورة يناير»، وفي هذا اللقاء قال إن القيادي بالإخوان خيرت الشاطر ظل يهدده في مكتبه لمدة ساعة ونصف، وهو يحرك اصبعه إشارة إلى الضغط على الزناد!!
في هذه المرة، لم يخطب لا ارتجالاً، ولا من الورق، رغم جو البهجة الذي أراد أن يضفيه على المشهد، فقام بتوزع البلالين على الأطفال، كما قام بتوزيع وجبات الطعام، لشركة أمريكية، بما يجعل من حقه أن يطلب ثمناً لهذه الدعاية، وسوف يكون حتماً بملايين الدولارات!
كنا ندرك أن عزوفه عن الكلام، لأنه لم يجد ما يقوله، والصورة التي ظهرت عليها القوة المصرية، تستدعي رد انتصاراً للكرامة الوطنية، لا سيما وأن من أهينوا، ليسوا موظفين بالسجل المدني، ولكنهم من رجال الجيش المصري، الذي هدد هو بأمرهم بهدم البيوت المصرية المقامة بدون ترخيص، وبإمكانه فرش الجيش في كل مصر في ظرف ست ساعات، وكان مطلوباً خطاب كهذا، ولكنه صمت!
تتميز صلاة الجمعة في مصر، ببداية وقائعها بالقرآن الكريم، فيُعين لكل مسجد من المساجد الكبرى قارئ للقرآن، أما المساجد الأخرى فتنقل ذلك عبر مكبرات صوتها من الإذاعة، وإذ كان هذا مغرياً في زمن القراء الكبار، فالوضع اختلف الآن، فلا تستطيع أن تميز بين قراء المرحلة، شكلاً أو صوتاً!
لا شيء على حاله في المحروسة.

٭ صحافي من مصر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية