جرائم كوميدية في سينما تجارية تُعالج الانحراف بشكل إنساني

في دورات إنتاجية عديدة للسينما المصرية تم الاعتماد على الجريمة لتكون محور الأحداث في بعض الأفلام الكوميدية الخفيفة، لتحقيق عنصر الإثارة مع إضافة المُشهيات اللازمة لإضحاك الجمهور، ورفع درجة الإقبال.
ولأن مثل هذه النوعية تتطلب قدراً كبيراً من الإقناع وقُدرة فائقة على الأداء التمثيلي، فقد روعي اختيار نجوم ونجمات الصف الأول في مُعظم الأفلام، ومن أشهر الأمثلة في هذا الخصوص، فيلمان قام ببطولتهما أحمد مظهر في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، الأول كان بعنوان الجريمة الضاحكة مع سعاد حسني ومحمود المليجي وعبد المنعم إبراهيم ومحمد رضا، حيث جسد مظهر دور مخرج تلفزيوني يبحث عن الإثارة لنجاح برنامجه البوليسي الشهير، فإذا به وهو صانع الجريمة الخيالية يتورط في جريمة قتل حقيقية جراء سوء تفاهم وقع بينه وبين عمه الذي يطالبه بأخذ الثأر من قاتل أبيه. وتمضي الأحداث الفكاهية بشكل مُثير وتنتهي المُغامرة المُضحكة نهاية سعيدة وينجح الفيلم، الذي أخرجه نجدي حافظ ويحقق عائداً ربحياً مقبولاً بمقاييس وقته وزمانه، ويعود أحمد مظهر ثانية وهو الممثل الجاد ليكرر التجربة في فيلم «لصوص لكن ظرفاء» مع الممثل الكوميدي الصاعد آنذاك عادل إمام ويتفوق الاثنان تفوقاً ملحوظاً في تجربة سينمائية خاصة للغاية، تشاركهما فيها الفنانة الكبيرة ماري مُنيب، إذ يلعب البطلان دورين نوعيين لاثنين من اللصوص يقرران سرقة محل جواهرجي من داخل إحدى الشقق، حيث يقومان بالحفر في سقف الشقة العلوية ليصلا إلى داخل المحل، وقبل أن تتم عملية السرقة يتم القبض عليهما في نهاية كوميدية تراجيدية تحمل الكثير من المُفارقات الإنسانية التي يتعاطف بموجبها الجمهور مع اللصوص على عكس المعهود.
وفي تجربة أحدث يقوم كل من محمد هنيدي وليلى علوي وعلاء ولي الدين وعبير الشرقاوي برسم خُطة لاقتحام أحد البنوك لسرقة أموال المودعين في فيلم «حلق حوش» وبالطبع تقود ليلى علوي أفراد العصابة وتدفع بهم إلى أتون التجربة المريرة بتفاصيلها، بعد أن تنصحهم بالتدريب الكامل وارتداء ملابس خاصة تصلح للتخفي وإنجاز مهمة السرقة بسهولة ويسر، لكن مع كل الاحتياطات المُتخذة والتدابير المدروسة يقع المحظور وتفشل عملية السرقة، ويتم القبض على العصابة المُبتدئة التي طالما حلُمت بالثراء وتحقيق الأمنيات.
وفي تجربة مُشابهة قام عدد من نجوم السينما الجُدد ببطولة فيلم «بنك الحظ» للمخرج أحمد الجندي الذي أنتج عام 2017 ولم يكن أي من الوجوه الجديدة آنذاك محمد ممدوح ومحمد ثروت وأكرم حسني وبيومي فؤاد، معروفاً بالقدر الكافي للجمهور، ومع ذلك نجح الفيلم واستقبله الشباب استقبالاً مُرحباً، إذ أفلحت الحيلة الكوميدية الممزوجة بالمغامرة في إشباع رغبة الشباب في الاستمتاع بتجربة سينمائية فيها العناصر التشويقية المطلوبة كافة، فالأحداث تقوم على فكرة فيلم «حلق حوش» نفسها، رغبة مجموعة من الشباب في الحصول على الأموال لتحقيق الثراء بطريقة سهلة بعد أن يهديهم تفكيرهم إلى سرقة البنك الذي يعمل فيه أحدهم.

ولم تكن النماذج سابقة الذكر هي التجارب الوحيدة للسينما المصرية في استغلال الجريمة كعنصر كوميدي، لكن جاءت في السياق نفسه تجارب أخرى كان من بينها فيلم «حرامية في كي جي تو» إنتاج عام 2001 للمخرجة ساندرا نشأت، وتأليف بلال فضل وبطولة كريم عبد العزيز وحنان ترك وماجد الكدواني وطلعت زكريا.

وبالشروع في تنفيذ الخُطة المُعدة للسرقة يتورطون في مواجهة عصابة أخرى اقتحمت البنك ذاته للغرض نفسه، ومن خلال المواجهة تولدت المواقف الكوميدية وصارت الحكاية المُثيرة للخوف والرعب والقلق دافعاً للضحك والسخرية، وفي نهاية الأحداث وكما هي العادة دائماً يأتي البوليس في الوقت المناسب للقبض على العصابة ليكون الدرس المُراد استيعابه قاسياً على المُنحرفين.
ولم تكن النماذج سابقة الذكر هي التجارب الوحيدة للسينما المصرية في استغلال الجريمة كعنصر كوميدي، لكن جاءت في السياق نفسه تجارب أخرى كان من بينها فيلم «حرامية في كي جي تو» إنتاج عام 2001 للمخرجة ساندرا نشأت، وتأليف بلال فضل وبطولة كريم عبد العزيز وحنان ترك وماجد الكدواني وطلعت زكريا. وتختلف تجربة «حرامية في كي جي تو» عن غيرها في كونها اعتمدت على المزج بين الطابع الرومانسي والشكل الاجتماعي الإنساني، فاللص الذي يحاول سرقة خزينة القلعة ليس مُحترفاً ولا يحمل من سمات الإجرام شيئاً، وإنما دفعته الظروف للإقدام على فعل السرقة، بينما هو في واقع الحال يتسم بالرقة والإنسانية ويحمل قلباً عطوفاً لديه القُدرة على الحُب والاحتواء.
ويُمثل الفيلم قيمة إنسانية ويحمل وجهة نظر مغايرة في مسألة الإجرام، حيث يؤكد على نظرية أن الإنسان لم يولد مُنحرفاً وإنما يدفعه الواقع للجريمة فيوصم بها، ورغم أن المُعالجة كوميدية بحته إلا أنها تُفضي إلى مفاهيم إيجابية مهمة.
وفي عام 2003 تكرر المخرجة ساندرا نشأت مع المؤلف نبيل أمين التجربة بشكل مختلف في فيلم آخر بعنوان «حرامية في تايلاند» بالأبطال نفسهم، كريم عبد العزيز وحنان ترك وماجد الكدواني وتتبع الأسلوب الكوميدي الرومانسي نفسه، في تقديم المُعالجة السينمائية الخاصة بالتكوين الشخصي للص الذي تؤمن إيماناً قوياً بأنه لم يُفطر على السرقة وإنما هو ضحية واقع اجتماعي ضاغط وقاسٍ يضطره للخروج على القانون في غيبة العدالة وعدم تكافؤ الفرص في العمل، ونتيجة الجهل والفقر وغير ذلك من الأسباب والعوامل المُحيطة بالإنسان.
وفق هذه القناعة وضعت ساندرا تجربتها السينمائية الثانية لهذه القضية في سياق لا يعتمد مبدأ الإدانة بقدر ما يميل إلى التعاطف، وهو ما يُعتبر أسلوباً جديداً في طريقة المُعالجة والنقد الاجتماعي للجريمة بالمنظور الإنساني العصري الأرقى من وجهة نظرها وهو امتياز يُحسب لها كونها تُقدم أفلاماً تُراعي الجوانب الأكثر حساسية في حياة المواطنين، وتؤثر بشكل كبير في مستقبلهم وتقييمهم وتضع تجاربهم بكل ملابساتها أمام أعين المُختصين بكل حيادية ودون أحكام مُسبقة.

كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية