شخصيتان فقط، هما يسيطران على مجرى السرد في رواية «جراح وكاتب أغان» آخر أعمال الكاتب المصري حسين عبدا لجواد. شخصيتان، هما في حقيقة الأمر شخصية واحدة إذا أردنا الدقة، حيث يحاور المؤلف ذاته، متقنعا بوجهين، ليقص علينا بعض الأشياء، ويعرض بعضاً من أفكاره، وطقوسه في الكتابة، مستعيداً فترات معينة من حياته، مستخدماً لعبة سردية ناجعة؛ هي مطالعة عدد من الكراسات التي يدون فيها يومياته، ملتقطاً ما يعتقد أنه هام وجوهري، ويستحق التسجيل اليومي: «أنا طبيب، وجراح ماهر، وأنا كفء على ما أقوم به من أعمال، أحب مهنة الطب، فهي تتيح لي حياة الرفاهية التي كنت أحلم بها. وبالرغم من ذلك أجد أنني في كثير من الأوقات ألجأ إلى كتابة القصص والروايات والأشعار، وأتمنى أن يقرأ الجميع كل ما أكتب».
ويمضي بعدها، كاشفاً عن طموحاته، وأحلامه، متمنياً أن يشار إليه على أنه كاتب متميز، معلناً بأنه سيسعى إلى التفرغ للأدب بعد عبوره الحاجز المادي.
الوجه الأول، وجه طبيب جراح، ربما استطاع الولوج إلى أعماق المثيل، وسبر أغواره: «عدت اليوم من زيارة صديقي الكاتب غريب الأطوار، وتلك هي زيارتي الثانية له في أعقاب ذلك الحادث الذي وقع له. والآن وقد عدت من منزله أجد أنني أرغب في تسجيل كل ما حدث له، ما قاله بالتفصيل، لعلي أستخدمه في إحدى القصص التي أرغب في أن تكون جميلة».
سنمضي إذن، مع رواية تعتمد على التفاصيل – وإن شابها بعض التشتت الظاهري في مكوناتها – وعلى المونولوج الداخلي، بصوتين فقط، عند دمجهما ستجدهما صوتاً واحداً، لا أكثر، أحدهما يحكي حكاية، مؤرشفة، ومؤرخة، تأتي كيوميات مقتطعة من سيرة ذاتية، والثاني يعلق عليها، راوٍ غير موثوق به، تخييلي، أعانه على السرد داخل النص. إنهما كاتبان، كلاهما بلا اسم، لكن لهما صفتان. أحدهما «كاتب غريب الأطوار» والآخر «طبيب وكاتب أغان» والصفة الأخيرة بها مسحة من السخرية والتندر، فقد كانت تطلق على الجراح للحط من قدره. كان يعلم أن الكتاب يعتبرونه «طبيب بين الأدباء، وأديب بين الأطباء»، كدليل على عدم الإجادة في كلا الفرعين. مرددين تلك الجملة التي أطلقها قديما الدكتور طه حسين، على الشاعر والطبيب إبراهيم ناجي صاحب قصيدة «الأطلال». فمازالت تلك الغمزات تسري في أروقة الثقافة، على نحو ساخر للنيل من الخصوم.
النقطة المركزية، والتي ستنطلق منها الرواية، وستوفر تدفق السرد، ستقوم أساساً على الزيارة التي قام بها الكاتب الجراح إلى بيت الكاتب غريب الأطوار، الذي يعيش وحيداً، يقضي حياته بين الكتب والأوراق. يقرأ، ويكتب، ويسير على خطى نجيب محفوظ، المتيم به، محاولاً تقليده، والتماهي معه. يسميه هنا الأستاذ فقط، لكن القارئ سيكتشف ذلك بسهولة عندما يقرن اسم الأستاذ بأسماء أعماله صراحة، مثل «أحلام فترة النقاهة».
يقول معبراً عن آماله: «أرغب في تحطيم التاريخ الرسمي، وأحاول كتابة تاريخ الأفكار الفلسفية التي أثرت في تكوين عقلي ووجداني، كذلك أرغب في الإشارة إلى البداهات، ومعارضتها الدائمة للحقائق الوجودية، أضرب العديد من الأمثلة التي فعلت فيها الحقيقة فعلها، على نحو مؤثر في حياتي، وأرغب كذلك في تمييز الأوهام عن الحقائق، وتمييز السحر عن العقل، والأحلام عن الكوابيس».
يتمنى أيضا، الكتابة عن الموت، الحب، والأمور الواقعية، عن الاعتقالات والسجون والقتل، دون أن يستغرق في أساليب معقدة، على أمل أن تأتي الكتابة سهلة وبسيطة، بعيدة عن الغموض الذي يربك المتلقي، الجاهل بمواصفات ما بعد الحداثة، وأساليبها، كما يقول هو. إنه يعيش الحاضر، يتابع أحداثه، وهو يقف على حافة الهاوية. عبر رواية ديالكتية، يحاور فيها ذاته، قرينه الأدبي، يلقي الضوء على عالمه، يكشف كل أوراقه، ولا يخفي شيئاً، حتى مرضه النفسي، والأدوية التي يتعاطاها بناء على تعليمات الأطباء، إنه يذكرها بالاسم، ويعدد مرات تناولها. ينشئ نصاً مليئاً بالأفكار والآراء، بعدما قام بتجميد الزمن وإبطال التصاعد الخطي للأحداث، فلا تعاقب كرونولوجي في الزمن الحكائي يدفع الأحداث للأمام. كل شيء ساكن، يفتقر إلى السرعة والحركة، لقلة الأحداث الكبرى، والاعتماد على النزوع الاعترافي، وعرض أطروحات إصلاحية، ذات بعد نقدي، حيال آفات مجتمعية منتشرة على نحو صارخ.
لا توجد هنا حبكة، أو عقدة، بل جرى تدمير البنية التقليدية للرواية بنوع من المجازفة الملحوظة. في كتابة تبحث عن معنى الحياة في العالم الضيق لبطل يحاول إنقاذ روحه من الفوضى، التي يراها، ويشعر بها في كل شيء حوله وهو يعرض بعض ملاحظاته، في عبارات مفخمة؛ كفيلسوف من الطبقة الثانية أو الثالثة، أو دون كيخوتة قاهري، معاصر، يفتقر إلى خفة الظل، ويطلق أحكاماً قاطعة على سلوكيات شعب، يراه في المترو، والمقاهي والأسواق. بينما الآخر المتطفل، الذي يتلو علينا هذه الكلمات، من كراساته، مستغلاً تركه في الشقة وحده، بعدما أستأذنه الأخير، ودخل غرفته كي يستريح لبعض الوقت. يقوم هذا الصوت المتطفل، بالتعليقات الساخرة، الناقدة، وهو يطالع معنا هذه السطور المعروضة تحت الشمس، من طرف واحد. أفكار فقط، لا شخصيات ثرية، أو أحداث تنطوي على نوع من الجاذبية:
«تقول متسولة أخرى إن زوجها مريض، وطريح الفراش، وأنها هي الأخرى مريضة، غير قادرة على العمل. وإنها لم تدفع الإيجار منذ ثلاثة شهور، ومهددة بالطرد. وأخرى تحضر طفلها الرضيع معها، وتقول إنه في احتياج إلى علبة لبن. أما الرجال المتسولون فهم يدعون المرض، والعمى أيضا. ويسيرون داخل عربات المترو وهم يستخدمون العصىَّ الطويلة، يتصنعون عدم القدرة على المشي، وهم أيضاً أصحاب خطاب مأساوي دائماً ما تشوبه نبرة دينية، ويصحبه الدعاء للركاب ليعفو الله عنهم، وهم يمارسون التمثيلية تلك داخل عربات المترو».
بعد عدة سطور تعرض فيها هذه الظاهرة، يتوقف الطبيب عن القراءة معلقاً لنفسه، أو لنا: «أتوقف عن القراءة، وأفكر في أن صاحبنا يتعمق كثيراً في بعض المواقف السطحية». ثم يخاطبه: الأمر أكثر بساطة مما تتصور، إن التسول موجود في جميع بلاد العالم. ولا يوجد من الأدباء من يسود الصفحات حول هذه الموضوعات التافهة. أنت يا صديقي تضيع وقتك.. ولكنه يعود ليقول إنها موضوعات مسلية لشخص مثله يجلس في منزل صديق، تركه بين أوراقه ودخل لينام.
في هذا الديالوغ، تتعدد المشاهد الملتقطة من زوايا مختلفة للمجتمع، دون تطوير، أو تكثيف، فهناك بتر دائم، لعرض مشاهد أخرى، بالكاميرا نفسها، المتنقلة بين الساردين. أحدهما يقوم بعرض الواقع، والآخر يقوم بتمثيله، دون تكثيف للحالات المعروضة، بل يتم المرور عليها، واستعراضها، مشهداً وراء الأخر؛ للتأكيد بأن هناك خطأ ما، في مكان ما، في بعض التقاليد والعادات، يحتاج إلى إعادة النظر والمراجعة.
تظل هذه المحاورات السردية، الآراء ودحضها، حتى نخرج من الداخل المحلي إلى المحيط العربي، وفي القلب منه قضية فلسطين، التي يتم العروج عليها في آخر الرواية. مرور سريع، خاطف، عبر المقولات التي تتردد على الساحة، باحثة عن حلول لهذه القضية التي تؤرق كثيراً من العرب، الباحثين عن الحقوق والحرية، وعن ضرورة وضع حد لأطماع الدولة الصهيونية. يتصاعد حوار مقتضب، بين الشخصيتين، بعد أن يصحو الكاتب غريب الأطوار من نومه، ويجلس إلى صديقه، يعيد بعض الآراء التي تتردد في أوساط معينة، مجاراة لبعض السياسات المتبعة:
«- هل توافق على تسكين أعداد كبيرة من الفلسطينيين في شبه جزيرة سيناء؟
قلت:
– بالطبع لا أوافق على هذا الموضوع المريب.
وشعرت بغضب شديد لمجرد مناقشة هذا الأمر الرديء للغاية».
كان هناك غضب بالفعل لدى الطبيب عندما استرسل الكاتب في عرض الفكرة التي استمع إليها من أحد رجال الرأي، والتي تقوم على تسكين الفلسطينيين في سيناء بعقود إيجار محددة المدة، والاستفادة منهم في تحويل رمال صحراء سيناء إلى واحات خضراء. وقال أيضاً، أن صاحب هذا الرأي السابق أضاف إليه فكرة أخرى: «أن يتم السماح لبعض الإسرائيليين بالسكن في هذه المدينة الجديدة، بالشروط التي تحددها الحكومة المصرية».
هنا يستشيط الكاتب الطبيب:
«عند هذا الحد أصبحت في منتهى الغضب. وقلت في لهجة حادة:
– إن مثل هذا الشخص الذي تنقل عنه هذا الكلام، إن لم يكن عميلاً لـ CIA، فإنه بالضرورة يكون عميلاً للموساد، ونصيحتي لك هي ألا تسمع لأى شخص يردد هذا الكلام، وأن تتجنب ترديده ولو بحسن نية».
ذهب بعدها الحوار إلى قرار التقسيم في 1948، الذي يراه الكاتب غريب الأطوار قراراً جيداً:
«لو قبلنا بهذا القرار لكان لنا الآن نصف دولة إسرائيل.».
فيعلق الكاتب الطبيب مخاطباً نفسه: أن هذا كلام سخيف للغاية، وبه تجاهل لطبيعة الكيان الصهيوني، الذي يرغب في التمدد وبسط النفوذ، حتى تصبح دولة إسرائيل من النيل إلى الفرات. ولم تحضرني الكلمات المناسبة، للرد على هذه الترهات، وفكرت في المغادرة، وأن تكون هذه الزيارة هي الأخيرة لهذا المنزل. وأن أقطع صلتي بهذا المجنون السخيف. لكنه في النهاية فكر في الرد عليه وتوضيح بعض الأمور: لو كنا قبلنا بقرار التقسيم لكانت إسرائيل ستسارع باحتلال ذلك النصف الذي ترك للفلسطينيين. إن إسرائيل دولة احتلال، وهي قائمة على العنصرية، والرغبة الدائمة في التوسع. وأتمنى أن تكف عن التحاور مع مثل هؤلاء الخونة والعملاء، وأن تفرغ عقلك من تلك الأفكار المريبة… ثم بعد مناظرة قصيرة لم تسفر عن نتائج إيجابية في تغيير رأيه: اتجهت ناحية باب الشقة، في خطوات سريعة، فتحته وخرجت، وأغلقت الباب خلفي، وأنا أتحسر على هذا الوضع الذي آل إليه».
هكذا يغلق الحوار، وهكذا يجب أن يكون، فلا اجتهاد، ولا مساومات، مع عدو، يثبت في كل يوم إنه عدو، ويذكرنا دائما بأنه عدو، قاتل أطفال، ونساء، وشيوخ، لا أكثر..
لقد لجأ الكاتب حسين عبد الجواد، في هذا العمل إلى رواية الأصوات كعادته، فعلها من قبل في أعماله السابقة «سفينة الحمقىّ، «وصمة الفصام»، و«علمته الرماية». وهي أعمال تنتمي إلى هذا التيار، الذي يعتمد تكنيك تعدد الأصوات، ومونولوغات التداعي الحر. حيث يجد نفسه في هذا النوع من الكتابة، مفضلاً إياه على الأساليب الأخرى، فهو يميل إلى استنطاق شخوصه داخليا، والعمل على استدراجهم إلى مناطق يجيد العمل فيها، للتعبير عن أغراضه الفنية.
حسين عبد الجواد: «جراح وكاتب أغان»
الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة 2023
95 صفحة.