إذا صحّت رواية أن داغر من بين الأسماء المتعاونة مع الخزانة الأمريكية فهذا يعني أن الطرف المنزعج من الالتزام بالعقوبات الأمريكية اختار سلوك طريق آخر بعدما عجز عن إزاحة حاكم مصرف لبنان.
بيروت-“القدس العربي”: هل عادت الرسائل الترهيبية لتُوجّه إلى القطاع المصرفي من باب تصفية مدير بنك بيبلوس انطوان داغر الذي كان مدير الأخلاقيات وإدارة مخاطر الاحتيال، بمعنى آخر المسؤول عن مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب؟
من السابق لأوانه الحديث عن رسالة دموية من خلال استهداف داغر قبل جلاء التحقيقات، علماً أن الجريمة لو كانت فردية وبدافع السرقة أو بدوافع شخصية لتمّ اكتشافها بسرعة، أما إذا تأخّر اكتشاف ملابسات الجريمة ولقيت مصير التحقيقات في خطف المواطن جوزف صادر على طريق مطار بيروت، فهذا يعني أن الجريمة سياسية وقد تنضم إلى ملفات اغتيال كثيرة وقعت ولم يتمّ الكشف عنها.
وكان انطوان داغر قُتِل طعناً بالسكاكين داخل سيارته، وليس بتفجير أو برصاص ربما لإبعاد الشُبهة عن وقوف جهة سياسية أو حزبية وراء مقتله، خلافاً لجرائم الاغتيال التي طالت قيادات 14 آذار/مارس أو حتى بنك لبنان والمهجر الذي استهدف فرعُه في فردان بعبوة ناسفة. ويتم التحقّق من وجود كاميرات مراقبة محيطة بالمكان حيث يقطن داغر أو حيث وقعت الجريمة داخل المرآب، ويتم انتظار تحليل داتا الاتصالات في هاتفه الخلوي بعد تسلّم الفرع الفني في شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي هذا الهاتف لرصد حركة الاتصالات والأرقام التي تلقّاها المغدور وإن كانت تحمل أي تهديد.غير أن المؤشرات توحي أنه تمّت مراقبة دقيقة لداغر، والفرضية المؤكدة أن القتل لم يتم بدافع السرقة بدليل وجود المحفظة بحوزة المغدور إضافة إلى هاتفه ومقتنياته الخاصة، وهذا ما يرجّح أن تكون الجريمة مرتبطة بأحد الملفات الحساسة التي يعمل عليها داغر، إنطلاقاً من منصبه على رأس دائرة “الأخلاقيات ومخاطر الاحتيال” في المصرف. وقد أفاد موظفون زملاء لداغر في “بيبلوس” أنهم كانوا قلقين عليه ويخشون تعرّضه لأي أذى بسبب دقّة الملفات التي كان يتابعها.
وثمة رواية بدأ البعض تناقلها من دون التحقّق من صحتها، تفيد أن أنطوان داغر كان من ضمن لائحة من خمسة مصرفيين تعاونوا مع الخزانة الأمريكية وسلّموها معلومات تتعلق بتبييض الأموال لصالح حزب الله، ورواية أخرى تتحدث عن وسيط تركي أبلغ الحزب باللائحة الخماسية، وأن قراراً صدر بتصفية الخمسة.
وإذا صحّت رواية أن داغر هو من بين الأسماء المتعاونة مع الخزانة الأمريكية وأن قراراً صدر بتصفيته، فهذا يعني أن الطرف المنزعج من الالتزام بالعقوبات الأمريكية اختار سلوك طريق آخر بعدما عجز عن إزاحة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة وفرض إقالته في مجلس الوزراء، كما يعني أن العقوبات تعطي مفعولها رغم المكابرة والتقليل من أهمية هذه العقوبات.
وإذا كان حاكم البنك المركزي بقي ثابتاً في منصبه ولم يستطع العهد ورئيس الحكومة حسّان دياب ومن خلفهما حزب الله إقالته وإلصاق به تهمة التلاعب بسعر صرف الدولار، فقد تبيّن أن أداء الحاكم وتعاميمه الأخيرة حول الدولار ومن بينها دفع الحوالات الخارجية بالليرة اللبنانية والاحتفاظ بالدولار للمصرف المركزي، أزعجت في مكان ما من كان يجمع الدولارات من سوق الصرّافين وشركات تحويل الأموال لتخزينها لديه أو لتهريبها إلى سوريا وإيران أو استخدامها في أعمال غير شرعية أو تبييض أموال، وبات يعتبر أن الوسيلة الأنجع للتخلّص من هذا الواقع هو العمل بمنطق “إذا زعجك شيلو” كما حصل مع مختلف قيادات 14 آذار بدءاً بالرئيس الشهيد رفيق الحريري، تحت ستار أن كل هذه التعاميم موحى بها من قبل واشنطن من أجل تطويق المقاومة والضغط على حزب الله، الذي يرى أمامه حالياً مشهداً مستجداً، هو عودة أطراف داخلية للمطالبة بنزع سلاحه وتطبيق القرارات الدولية وفي مقدمتها القرار 1559 الذي يتحدث عن نزع سلاح الميليشيات، والقرار 1701 الذي ينص على إلغاء كل نشاط مسلّح شمال الخط الأزرق في جنوب لبنان.
في كل الأحوال، إن جلاء ملابسات جريمة مقتل انطوان داغر كفيلة بتحديد اتجاهات المرحلة المقبلة، وعلى القوى الأمنية والاستخباراتية المبادرة إلى كشف المخططين والمنفّذين لئلا تتوجّه أصابع الاتهام إلى أي جهة محلية في الداخل اللبناني من دون أدلّة أو معطيات كافية. وفي حال بقاء الغموض مسيطراً على فصول هذه الجريمة فهذا يعني أن في الأمر “إنّ” وأن البلاد قد تكون تتجه مرة جديدة إلى الفوضى.