وجاءت جريمة نيوزيلندا، لتعيد من جديد حالة «الجنون»، فتبدو القنوات التلفزيونية كما لو كانت تقوم في بث مباشر من مستشفى المجانين، أو كأننا نشاهد فصلاً من فصول مسرحية «عش المجانين»، فالأداء المتخبط هو ما يجمع بين التلفزيون الرسمي والقنوات الخاصة!
الجملة المفيدة منذ وقوع الانقلاب العسكري في مصر، لم تعد هي التي تتكون من فعل، وفاعل، ومفعول به، ولكنها الجملة التي تحتوي على إسم الاخوان، فكان لا بد من أن يكون لهم دور في الجريمة، على النحو الذي جاء في مقابلة بين مذيعة بالتلفزيون الرسمي، وجنرال متقاعد، هو اللواء نصر سالم، الذي يُوصف تلفزيونيا بالخبير الأمني، ونصر سالم هذا ليس واحداً من آحد الجنرالات، ولكنه شغل منصب رئيس جهاز الاستطلاع!
فلم يعد أهل الحكم في مصر، يشغلهم الانجاز الوهمي عن أنهم قضوا على الإخوان، فهم دائماً يستدعونهم، على نحو يؤكد قدرتهم على الفعل، وأنهم أصحاب قوة وبطش، وأنهم يتحكمون في هذا العالم، إلى أن وصل الحال إلى حد القول، إنه إن لم يتم تعديل الدستور بما يمكن السيسي من الاستمرار في الحكم للأبد، فإن البديل له هم الاخوان المسلمون!
وفي حالة التخبط، لم يعد القوم يدركون أن أزمة الاخوان تتمثل في أنهم من الضعف بحيث كان سهلاً الانقلاب عليهم واسقاطهم، وعندما يتم تصويرهم على أنهم «الفك المفترس»، فإن هذا يمثل اضافة لهم وليس خصما من قيمتهم، بل إن استدعاء الجيش من قبل البعض كان لأنه مصدر القوة، فماذا لو كانت قوته تتضاءل أمام قوة جماعة، قيمة قوتها في أنها عابرة للقارات؟!
حالة التخبط تصنع العجب، ولم يكن مناسباً أن تمر جريمة نيوزيلندا، دون حشر جماعة الاخوان في جملة مفيدة، لاكتمال الجملة، وحتى لا تبدو ناقصة!
لقد رسمت مذيعة التلفزيون المصري، طريق المعالجة لضيفها الحامل للقب «الخبير الأمني»، وقالت له إن كان يرى أن هجرة الاخوان إلى نيوزيلاند هي التي استفزت المجرم، فأقدم على جريمته، ولأن خبرته العسكرية تدفعه إلى تلمس «التوجيه العسكري»، فقد اعتبر أن المذيعة هي قائده الميداني، أو على الأقل هي تعرف هذا التوجيه، باعتبارها اطلعت عليه، فلم يكن أمامه من سبيل سوى أن يسير وفق التوجيه، ويعلن احتمال تورط الإخوان في حادث نيوزيلندا، وهو هنا انتقل بالتوجيه خطوة للأمام، فليس الوجود الاخواني في هذا البلد هو الذي استفز القاتل، ولكن قد يكون الإخوان متورطين في العملية، وعندئذ تنفست المذيعة الصعداء، وهي ترى أن المطلوب قد تحقق وزيادة، فالرجل بخبرته العسكرية «الفتاكة»، قادر على ضبط الاتهام بشكل أفضل، من زميلها الذي كتب الأسئلة لها لتلقيها على ضيوفها، ومن المؤكد أن الزميل ليس عسكرياً، ولم يتدرج في الرتب مثل «الخبير الأمني» اللواء نصر سالم!
عندما يرى المرء مستوى جنرالات كبار، كاللواء المذكور، فإنه يسلم بقول المتصوفة، إن مصر محمية بأولياء الله الصالحين الذين دفنوا فيها، فهذا مستوى في التفكير يجعل المرء يضع يده على قلبه، خوفاً على مصر، لولا ما يطمئنا به «أهل الله»، من أن المحروسة «محمية»، ولا يمكن أن يعتمد المرء على صاحب هذا المستوى الضحل من التفكير لحمايتها، واللواء «نصر سالم» ليس وحده، فمعظم الخبراء الأمنيين الذين يطلون علينا عبر الشاشة مثله، ولعلكم تذكرون مداخلة لواء آخر تعامل مع الرباعية التونسية بعد حصولها على جائزة نوبل في مداخلة تلفزيونية على أنها «واحدة ست قدمت انجازات لوطنها فاستحقت الجائزة»، وهو اللواء حسام سويلم، الذي يعد «موسوعة» بين أقرانه، والذي اختفى الآن، ولم يختف اللواء حمدي بخيت، صاحب الكوارث على الشاشة، والذي انحاز لجهاز علاج الأمراض بـ «الكفتة»، وقال إن الجهاز يعالجون به في مستشفى القوات المسلحة، ولن يعالجوا به الخصوم الذين أنكروه وسخروا منه، فهم أحرار في جهازهم، قبل الإعلان عن أن الأمر غير صحيح، وهو أنهم يقومون بتجارب عليه من جديد، بعد أن تحول أمره إلى فضيحة تغنى بها الركبان!
وقد قرأت مؤخراً أن اللواء بخيت يعقد صالوناً ثقافياً يحمل اسمه، فوقفت على أن الانهيار وصل لجميع الجبهات، ولا تندهش فالدراما الآن تخضع للتوجيه العسكري أيضاً، وكان الانقلاب مناسبة للوقوف على هذا الأداء، الذي هو بالتراكم سيمثل نهاية طبيعية لحكم العسكر، فجزء من أزمة التحول الديمقراطية في مصر يرجع إلى أن الجيش كان بعيداً عن الحكم المباشر، وعن الاحتكاك بالناس، فالحكم السابق كان يستند للشرطة، وكان الانقلاب مناسبة لأن نرى هذه «التجليات» وتلك «الفتوحات» في البرامج التلفزيونية، ليقف المصريون على أنه ليس دائماً تحت القبة شيخ!
فمن تحت القبة أضحك الثكالى، وهو «يعوم على عوم» مذيعة غير معروفة، فتحدد له البوصلة، فيسير في اتجاهها فيضحك المشاهدين عليه، ومن شاهدوا هذا المقطع العبثي عبر السوشيال ميديا، فلا أحد يشاهد التلفزيون المصري أصلاً، وحتى عندما يتم التخلص منه، وهو أمر سيحدث عاجلاً أو آجلاً، فلن يجد القوم بواكي لهم!
لا بأس إن تم اتهام الاخوان بأنهم وراء جريمة نيوزيلندا، فقد اتهموا الاخوان من قبل بأنهم وراء هزيمة المسلمين في الأندلس، وهو ما قيل في برنامج تلفزيوني بدون خجل أو وجل!
ولم يبق إلا أن يتهم الإخوان بأنهم وراء هزيمة المسلمين في غزوة أحد!
الدبة التي قتلت صاحبها
وكان لا بد من اكتمال المشهد، فالتلفزيون الرسمي بجنراله يتهم الإخوان، في حين أن قناة خاصة هي «صدى البلد» تتهم تركيا، اعتماداً على رواية تكشف الجهل النشط الذي يحكم الأداء!
لقد ذكر الأتراك بأن القاتل كان قبل ارتكابه جريمته في تركيا، وكانت هذه فرصة لأحمد موسى ليكشف عن تورط تركيا في الحادث، وأن تركيا قامت بايواء أشخاص لهم علاقة بحادث نيوزيلندا، وعليه أقام مأتماً وعويلاً.
لم ينتبه المذكور من أنه هنا يقوم بالتأمين على رواية أردوغان، فيبدو أنه لم يفهم مدلولها، ولو أدركه، لما أقدم على هذه الدعاية المجانية للرواية التركية، فالدبة قتلت صاحبها وهى تهش ذبابة من على وجهه، ومن الحب ما قتل!
فوجود متورطين في الحادث بتركيا من قبل، هو لمصلحة أردوغان، وليس لأن هذا يؤكد أن تركيا وراء الحادث في واحدة من تجليات العقل الأمني المصري، على نحو يؤكد أننا لا نزال إلى الآن عند مستوى المخبر الذي كان يظهر في الدراما القديمة، وهو يمسك صحيفة مثقوبة ليراقب المستهدف بالمراقبة!
ذلك بأن ما قيل تركياً، من وجود القاتل في وقت سابق هناك، ستكون فرصة لأردوغان للانتقام من معارضيه، لأن ما يتردد أن القاتل ذهب لتركيا بهدف اغتيال الرئيس التركي، وأن من وفر له الملاذ هم من المعارضة!
وعندما لا يقرأ القوم في «صدى البلد» هذه الرسالة الواضحة، ويروجون لما قال به أردوغان، نكون في مواجهة مستوى من الأداء فاضح وكاشف عن صحة الحكمة القائلة: «ليس من الضروري أن تكون عميلاً لكي تخدم عدوك، يكفيك أن تكون غبياً».
الحقيقة أن الموشح لم يكتمل هذه المرة، فقد اتهموا الاخوان وتركيا بالضلوع في الحادث، ونسوا أن يتهموا قطر.
المفتي المزيف
اعتقدت للوهلة الأولى أن تلفزيون «العربي» هو من انفرد باستضافة مصطفى راشد، في يوم جريمة نيوزيلندا، بصفته «مفتي استراليا»، قبل أن يخبرني أحد الأصدقاء أنه شاهده على أكثر من قناة!
في ثقافة الاستضافة التلفزيونية، يكفي أن تشاهد شخصاً ما على الشاشة، حتى تجده وقد صار ضيفاً يحتفى به على شاشات أخرى، وإن كان يقول «ريان يا فجل»، وهي ثقافة أنتجها الكسل الوظيفي، وعندما انطلقت قناة «الجزيرة» كان مكتب القاهرة يعتمد كل من يظهرون في التلفزيون المصري كضيوف يحتفى بهم (اجتناباً للمشاكل وأخذاً بالأحوط). ويكفي أن تعلم أن «محمود إبراهيم» مثلاً، الذي تستضيفه «الجزيرة» مجبرة حتى ليمثل الرأي الآخر، في وقت يرفض كثيرون الظهور خوفا من السلطة الغاشمة، صار ضيفاً على «بي بي سي»، و«الحرة»، وأيضا «التلفزيون العربي»!
ولأن المعمول به هو نادي ضيفك بما يستحق أن ينادى به، فقد كان هو من يحدد المسمى الوظيفي الخاص به، فمن مسؤول حملة الفريق أحمد شفيق، إلى نائب رئيس مركز الاتحادية لشؤون الرئاسة، إلى «محلل سياسي»، ومن غرائب الزمن أن يكون «محمود إبراهيم» محللا سياسياً.
والأصل أن التحليل أقرب للمهنة، مثل الصحافي، فلا يجوز أن يقدم من ليس صحافياً على أنه صحافي، وإن كانت الصحافة صارت مهنة من لا مهنة له، وكثير من الناشطين السياسيين انتحلوا صفة صحافي، باعتبارها المهنة الأسهل، فلا يمكن لأحدهم أن يدعي مثلاً أنه طبيب نساء وولادة!
ما علينا، فنيوزيلندا بعيدة عن العين، والبعيد عن العين بعيد عن القلب، ولهذا ربما ارتبك القوم وهم يفتشون عن ضيوف، فوقعوا في «ورطة» مصطفى راشد، لأنهم لم يتابعوا حالته، فهو مفتي رجل الأعمال نجيب ساويرس، الذي استضافه بالزي الأزهري في مهرجانه السينمائي، وقدمه على أنه مفتي استراليا، وأعلن المجمع الإسلامي هناك، أنه ليس مفتيا لا سابقاً، ولا حالياً، وليس عضواً في المجمع الذي يرشح المفتي، وكانت فضيحة سترها ساويرس بطرف ثيابه، وهو الذي ابتذل الزي الأزهري في مهرجانه بهذا الادعاء، ولماذا لم يستضف قسا لاستكمال الديكور؟!
لقد حمل المفتي المزيف لاستراليا المسلمين الجريمة، ونحمد الله أن الوقت كان مبكراً فلم يستمع للتوجيه العسكري، وعليه لم يتهم الإخوان وتركيا بالضلوع في الجريمة.
وحدها «الجزيرة مباشر» التي استضافت المفتي الحقيقي لاستراليا، ولكل مجتهد نصيب.
٭ صحافي من مصر