بيروت- “القدس العربي”: اغتنم اللبنانيون عيد العمال ليأخذوا قسطاً من الراحة، في ظل الأزمات الاقتصادية والمعيشية والحياتية التي يعانون منها، في وقت بقيت العين على الجنوب الذي لم تهدأ جبهته، فيما يعاني العديد من أهالي القرى الحدودية من الغارات والقصف الإسرائيلي، أو من التهجير القسري من قراهم.
وحرص رئيس مجلس النواب نبيه بري على تخصيص الجنوبيين العمال بمعايدته قائلاً: “التحية، في الأول من أيار، للعمال والفلاحين الذين يعانقون تراب الجنوب وتبغه وليمونه وتينه وزيتونه صموداً وشهادة من أجل عزة وكرامة وقوة لبنان وإنسانه”.
وعليه، لم تأخذ الجبهة الجنوبية قسطها من العطلة بل بقي الحذر والتوتر مسيطرين على قرى القطاعين الغربي والأوسط، في ظلّ تحليقٍ للطيران الحربي المعادي على علوّ منخفض، بعد منتصف ليل الثلاثاء الأربعاء، فوق قرى قضاء صور والساحل البحري وإطلاق القنابل المضيئة.
مجلس المطارنة رفض رغبة بعض المراجع الدوليَّة في إبقاء النازحين السوريين على أرض لبنان، من دون الاهتمام لما يجرُّه ذلك على لبنان مِن أخطار تُهدد كيانه
ونفّذ الطيران الإسرائيلي غارة على منزل في بلدة طيرحرفا أدت إلى أضرار جسيمة. وزعم جيش الاحتلال أنه “شن غارات على أهداف تابعة لـ “حزب الله” في خمس مناطق في الجنوب، وأن سلاح الجو أغار على منطقتي الخيام وكفركلا ومواقع استطلاع وبنى تحتية”.
واستهدف “حزب الله” تجمعاً لجنود الاحتلال غرب موقع جل العلام، ودوت صفارات الإنذار في كل من نطوعه ومتات وألكوش وحرفيش في الجليل. وأعلن الحزب أنه: “دعماً لشعبنا الفلسطيني الصامد في قطاع غزة، وإسناداً لمقاومته الباسلة والشريفة، استهدف مجاهدو المقاومة الإسلامية، عند الساعة 08:15 من صباح الأربعاء، انتشارًا لجنود العدو الإسرائيلي في محيط ثكنة برانيت بالأسلحة الصاروخية والقذائف المدفعية”. ونعى الحزب المجاهد وحيد عبد الحميد طفيلي “أبو حيدر”، مواليد عام 2000، من بلدة دير الزهراني في جنوب لبنان.
وتأتي هذه المستجدات في وقت يجري الحديث عن عدم تلقي “حزب الله” بارتياح مضمونَ الورقة الفرنسية التي استلمها الرئيس بري، ونقلها إلى قيادة الحزب من خلال معاونه السياسي النائب علي حسن خليل، إذ يرى الحزب أن التعاطي الفرنسي والأمريكي والإسرائيلي معه يتم وكأنه خسر الحرب، ولم يبق أمامه إلا الاستسلام للشروط الإسرائيلية، وهذا أمر مرفوض، وسبق أن عبّرَ عنه بوضوح عضو كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب حسن فضل الله، الذي قال: “إن أيّ مبادرة خارجية تهدف إلى إراحة حكومة بنيامين نتنياهو محكوم عليها بالفشل”. ما يعني أن جواب لبنان المنتظر على الورقة الفرنسية سيكون محكوماً بالتالي بموقف “حزب الله”، الذي لن يحيد عن معادلة ربط الملف اللبناني بوقف إطلاق النار في غزة، على الرغم من محاولة الرئيس بري الفصل بين الملفين، بحسب ما كشف رئيس “الحزب التقدمي الاشتراكي” السابق وليد جنبلاط.
وعلى وقع التهديدات الإسرائيلية المتجددة بالاقتراب من حرب شاملة مع لبنان في حال لم ينسحب “حزب الله” عن الحدود، كما أعلن وزير الخارجية الإسرائيلية، اشتكى وزير الأشغال العامة والنقل علي حمية من التشويش الإسرائيلي الذي يهدد الملاحة الجوية في مطار بيروت، وقال، خلال الاجتماع برئيس المنظمة الدولية للطيران المدني ICAO، وأمينها العام، في مدينة بونتا كانا في جمهورية الدومينيكان: “إن لبنان، كعضو في المنظمة الدولية للطيران المدني، يعدّها المرجع الأساس له في كافة المعايير والتدابير التي يعمل على تطبيقها في ما خص سلامة وأمن الملاحة الجوية في أجوائه”. وتطرَّق “إلى مسألة تعدّ غاية في الخطورة على سلامة وأمن الملاحة الجوية في أجواء لبنان والمطار على حد سواء، والتي تتعلق بالتشويش الذي يقوم به الجيش الإسرائيلي بشكل مستمر ومتواصل، الأمر الذي يُشكّل خطراً كبيراً على سلامة وأمن الملاحة الجوية وعلى جميع المغادرين والواصلين إلى لبنان”، مشدداً “على وجوب بقاء أجواء لبنان والمنطقة آمنة وخالية من الخطر المحدق بها جرّاء ذلك”.
تزامناً، اتهم رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع “حزب الله” بأنه “فتح حرب ع حسابو”، وقال، في حديث إلى وكالة “أسوشيتد برس”: “حزب الله يدّعي أنه فتح جبهة الجنوب دعماً لغزة ومساندتها. فعندما بدأت الأحداث، في 7 تشرين الأول/أكتوبر، كان الوضع طبيعياً في لبنان، إلى أن بدأ الحزب، في الثامن منه، بالمواجهة، مع العلم أن ما من أحد يحق له التحكّم لوحده بمصير البلد من دون أيّ توكيل شعبي له. إن “حزب الله” ليس الحكومة، بل هو ممثل فيها فحسب، إلا أنه تخطّاها، كما المجلس النيابي، وأكثرية اللبنانيين، وفتحَ حرباً في الجنوب تحت ذريعة مساندة غزة”. وأضاف: “لنسلّم جدلاً أن الحزب لم يقم بردّة فعل عسكرية في 8 تشرين، فهل كانت إسرائيل سترتكب جرائم أفظع من التي ارتكبتها؟ إذاً الأمر سيّان، فقد أضرّ بلبنان ولم يُفد غزة، وبالتالي لا فائدة من العمليات العسكرية التي لا نشهد سوى مقتل المئات وتدمير القرى وتكبيد الشعب اللبناني خسائر اقتصادية مباشرة وغير مباشرة بالمليارات في الجنوب، وقد انسحبت إلى بعض المناطق الأخرى”، لافتاً إلى “أن حزب الله يربط وضع لبنان بأوضاع المنطقة بشكل غير مقبول ومضرّ للبنان”، وأكد أن “الحل واضح وصريح لجهة القرار 1701 الذي نطالب بتطبيقه اليوم، ليس لأن الولايات المتحدة والدول الأوروبية تريده، بل لأنه يناسب بلدنا”. وشدّد على “وجوب توقف العمليات العسكرية في الجنوب، بأسرع وقت، وخصوصاً أن الوضع قد يتفاقم، من هنا ضرورة انتشار الجيش اللبناني تطبيقاً للقرار 1701 في مقابل انسحاب حزب الله من الحدود”.
” حزب الله”: أيّ مبادرة خارجية تهدف إلى إراحة حكومة بنيامين نتنياهو محكوم عليها بالفشل
وتابع: “لجهة ما يقوله الحزب إنه متواجد في الجنوب من أجل الدفاع عن لبنان، ثمة سؤال، في حال انسحابه وانتشار الجيش في النقاط كلّها بدلاً منه، ألا نحمي لبنان؟ الجواب حتماً، والأكيد أنها الطريقة الوحيدة لحماية البلد، ولا سيّما الجنوب، كما ضبط الحدود بشكل شرعي، وذلك بإجماع الشعب اللبناني ودول العالم كلها”.
على خط “الجماعة الإسلامية”، التي يتبنّى جناحُها العسكري “قوات الفجر” عمليات ضد القوات الإسرائيلية في الجنوب، فقد طرأ تطور بارز بعد الاستعراض المسلح الذي حصل في ببنين في عكار، خلال تشييع شهيدين للجماعة، قتلا في غارة إسرائيلية، تمثل بقيام الجيش اللبناني بتوقيف عدد من المسلحين الذين شاركوا في المظاهر المسلحة وإطلاق النار. وصدر عن قيادة الجيش- مديرية التوجيه البيان الآتي: “بتاريخ 1/5/2024، وعلى أثر إطلاق النار والمظاهر المسلحة أثناء مراسم دفن في بلدة ببنين– عكار بتاريخ 28/4/2024، وبعد عملية رصد وتقصٍّ، نفذت وحدات من الجيش تؤازرها دوريات من مديرية المخابرات في البلدة ومنطقة المنية– عكار عمليات دهم لمنازل المتورطين، وأوقفت 10 أشخاص، وضبطت أسلحة حربية وكمية من الذخائر”.
وأكد البيان أن “المظاهر المسلحة وإطلاق النار تمثل إخلالًا بالأمن وتشكل خطرًا على حياة الأبرياء، لذا تؤكد قيادة الجيش أنها بصدد تتبُّع مطلقي النار وتوقيفهم وإحالتهم على القضاء المختص. كما تدعو المعنيين إلى التحلّي بالمسؤولية وبذل الجهود المطلوبة والتعاون مع الأجهزة الأمنية للمساهمة في منع الممارسات المخلّة بالأمن من منطلق الحس الوطني، لا سيّما خلال المرحلة الدقيقة التي يمر بها لبنان”.
وفي المواقف، ثمّن مجلس المطارنة الموارنة، في اجتماعه الشهري برئاسة البطريرك مار بشارة بطرس الراعي “جهود الدول الشقيقة والصديقة من أجل تحييد لبنان عن الحرب القائمة في قطاع غزَّة، وما استتبعها من حرب في جنوب لبنان أتت على معظم قرانا المتاخمة للحدود اللبنانية: ضحايا بشرية وجرحى ومباني وزرعًا وأحراجًا، ما أدى إلى تهجير أهاليها وتعطيل دورة حياتهم الطبيعيَّة ورمي مصيرهم في المجهول”. ورفض “رغبة بعض المراجع الدوليَّة في إبقاء النازحين السوريين على أرض لبنان، من دون الاهتمام لما يجرُّه ذلك على لبنان مِن أخطار مصيرية تُهدد كيانه ودولته، وتحوِّله مرتعًا للفوضى وأصناف الانحرافات الأمنية والفساد المادي والمعنوي”، داعياً “حكومة تصريف الأعمال إلى تحمُّل مسؤولياتها على صعيد تنفيذ ما توافقت عليه من إلزامٍ للبلديات بضبط النزوح السوري كل في نطاقها، وعدم ترك الأمر عرضة للتجاذبات السياسية والزعاماتية”.