يشغل كتاب «أن تكون في الزمان بيان ما بعد السياسة» للناشط والمفكر والموسيقار اليهودي جلعاد عتصمون ـ من منشورات المؤسسة العربية للنشر 2018 ترجمة صالح الكميشي ـ مساحة كبيرة من متنه لنقد قضايا معاصرة فخطابه موجه لطيف التفكير الغربي، بما في ذلك نقد العقيدة الصهيونية، بالتجاور مع أزمة هذين التوجهين، وما أحدثهما من تداعيات سلبية على البشرية.
يبدو حضور عتصمون، أشبه بعاصفة فكرية تسعى لأن تمسّ قدراً كبيراً من القضايا ضمن مقاربة تحتكم للتكثيف والإيجاز، ولكنها تبدو على قدر كبير من العمق، إذ تحتفي بنبرة لاذعة تمتد أحياناً لتتحول إلى سخرية مفرطة، من واقع النماذج السياسية، فالغرب في الوقت الحاضر يكاد ينطوي على أكبر قدر من الفوضى والأفول المفاهيمي، لأهم تيارين فكريين أيديولوجيين يقودان الفكر البشري ونعني بهما: التيار اليميني الذي يراه عتصمون واقعياً ماضوياً. والثاني التيار اليساري بنزعته المثالية نحو المستقبل، وبين هذين التيارين ثمة فشل كبير يتقاسمه كلاهما.
غيوم الفكر الغربي
يوصف الناشط جلعاد عتصمون بالمخلوق الذي يُستعمل أحياناً كفزاعة لتخويف الأطفال، فالعازف المتمرس على الساكسفون يكتب لينتقد الدول اليهودية بجرأة، ربما يفتقر إليها بعض العرب في الدفاع عن قضيتهم وحقوقهم. لا شيء يشغل ذهن جلعاد عتصمون سوى تلك الإنسانية التي يراها المقولة الأكثر نقاء مما عداها؛ ولهذا فإنه يرى أن الخطاب والممارسة السياسية، تبدو دائما في توجه مفارق لتحقيق هذا المفهوم، فينشغل بشكل جذري بقراءة الفجوة الناشئة بين الإنساني والسياسي، فينتقد ضمن منهج مقارن أزمة اليسار واليمين على حد سواء، فينطلق من منطقة يسميها الشفق، حيث يقول في مفتتح هذا المحور: «من وجهة نظر إنسانية وفلسفية وكونية، نجد أن كلا من اليمين واليسار أخلاقي وكوني.. عقائدياً، كلاهما يسعى لتوصيف الحالة الإنسانية، ويعرض رؤيته القصوى لما يقدره هو بالتجربة الإنسانية، وقد مرّ وقت طويل من الصراع العقائدي والسياسي والثقافي بين الطرفين».
في كل من الفصول اللاحقة تبدو أزمة هذين التيارين وإخفاقهما، نتيجة حيثيات تتصل بالمكون الفلسفي لكل منهما، ومنزعهما لقراءة الواقع، والزمن، والتصور الكلي للعالم، فبين مثالية مفرطة أو واقعية متوحشة يتلاشى العالم، وفي بعض الأحيان يمضي في متاهات يبدو الخروج منها مستحيلاً، ولاسيما مع تصاعد التيارات المحافظة المتطرفة، بيد أن من الملحوظات الأشد طرافة لدى عتصمون نقده لهذين التيارين، فعلى الرغم من صراعهما، إلا أنهما اتفقا على الغزو الأمريكي للعراق، حيث توافقت حكومة توني بلير العمالية، مع الرئيس الأمريكي اليميني جورج بوش الابن، في خوض حرب، بدون أي استنادات واقعية، أو قانونية.
ينتقد عتصمون أطروحات المفكر فرانسيس فوكوياما حول ما يتعلق بنهاية التاريخ، أو بوصف المرجعية الرأسمالية الغربية هي النهاية المثلى للبشرية؛ من منطلق أنه لم يتحقق التبادل المطلوب بين الإنسان والسياسي، ومن ثم يمضي لنقد أفكار لينين، والفاشية، والرأسمالية الغربية والماركسية الثقافية، وغيرها من الأطروحات التي وسمت التفكير الغربي، فيكشف عن تداعيات بعض تصوراتها كونها لا يمكن أن تستجيب للشرط الإنساني المرجو، فثمة دوماً قصور ما، فعلى سبيل المثال يرى أن نقطة ضعف الفاشية تكمن في أنها لم تتمكن من دمج يسارية المساواة الفاضلة مع يمين التجذر في الماضي، ومن ثم ينتقل إلى بيان تفكيك عُرى النموذج الأمريكي، وانبثاق قوى راديكالية في الغرب تكاد تقترب في نهجها من نموذج ما نراه في رواية جورج أوريل «1984» مع تعميق النماذج التي تعتمد الاستهلاك من حيث تحويل الإنسان من مبدأ الاحتياجات إلى مبدأ الرغبات، وهي منظومة أفقدته الكثير من إنسانيته، ليمسي تحت وطأة سيطرة التجار والمستثمرين، الذين تفوقوا على الصناعيين، ضمن مغالطة لواقعية الأولوية الاقتصادية، فيقود لنا مثالاً على ذلك، حملة صانع السيارات الأمريكي هنري فورد على اليهود، خاصة سياستهم الاقتصادية، التي تتكئ في كثير من تصوراتها على خيار المتاجرة والمضاربة لا التصنيع.
غير أنّ سر تفوق اليهود لا يتحقق عبر إجادتهم في العلوم فحسب، إنما في قدرتهم على التسويق، ولاسيما تسويق الأفكار، فلننظر على سبيل المثال تحويل الهولوكوست إلى دين جديد استهلكته الخطابات الصهيونية، لينتهي إلى أن اليهود لا يؤمنون بالرب بمقدار ما يؤمنون باليهودي.
انحرافات الصهيونية
وهكذا نرى كيف أن بعض الديمقراطيات قد تتحول إلى تبني نموذج قسري من الممارسة، بحيث تعمم مفهومها الوحيد عن الحقيقة التي يمعن عتصمون في بيان استحالة تجسيدها، كونها نموذجا مجردا، فالغرب من وجهة نظره لطالما دعم الحركات التي تفتقر لصيغ أخلاقية، ومنها على سبيل المثال الحركة الصهيونية التي يفرد لها جزءاً كبيرا من نقده، حيث يقارب أفعال التفكير لدى مؤسسي الصهيونية، واستحالة واقعية أفكارهم من حيث قدرتها على أن تلتزم بحد أدنى من التوازن، وعدم الإسراف في تبني منهجيات متطرفة، ولهذا فإن عتصمون يوجه نقداً لاذعاً لتحولات هذه الحركة، التي يرى في سياستها، وأفكارها الحالية جزءاً من سيناريو القضاء على وجودها، كونها قد أغرقت في تطرفها، إذ اعتراها العمى عن الحدود، فيقارن الصهيونية بالفاشية، من حيث محاولتهما المؤالفة بين اليوتوبيا والنوستالجيا، ضمن تصور يميل إلى التشوف، فالصهيونية في رفضها لحاضرها والتوجه إلى المستقبل استعانت بالماضي المتخيل القائم على خطابات القصص التوراتية.
ينتقد عتصمون الغرب في فصل يحمل عنوان «مرحباً إلى الغمة» مشيراً إلى أن الغرب يحتفي بالمآسي اليهودية، على حساب تاريخه الخاص، الذي يحمل الكثير من المآسي، كما ينتقد المؤسسات الإعلامية الغربية، التي لا تتيح نقد أي شكل من أشكال الصهيونية أو الشخصية اليهودية، ولكنها مع ذلك تتيح منابرها لبعض الشخصيات اليهودية المتعصبة، بهدف تحليل الثقافة العربية الإسلامية، ومهاجمتها، في حين أن المؤسسات تتعامل بحساسية شديدة تجاه قضايا اليهود والمثليين؛ ما يعني مفارقة صارخة من حيث الافتقار إلى الحقيقة والمصداقية، ومن ثم يمضي في إيراد المثال تلو المثال على هذا التنافر بين النموذجين: الفكري والروحي، ويكني عنهما رمزياً بالقدس وأثينا، حيث يحيلنا إلى أمثلة تاريخية وثقافية وأدبية وسينمائية، ومنها على سبيل المثال، موقف المخرج الأمريكي اليهودي سبيلبيرغ، الذي يمارس تقنية التضاد حيث تبدو أنصاف الحقائق الروحية في أعماله السينمائية، مقابل أعمال المخرج تارانتينو الأشد راديكالية في توصيف الرؤية تجاه اليهود ونفورهم من الأغيار، ولاسيما في فيلمه Inglorious Basterds.
على ما يبدو أن الأمثلة التي يوردها عتصمون بهدف نقد اتجاهات الفكر الغربي، وتموضع الدولة فيها، ينطوي على الكثير من الطرافة والتبصر العميق الذي يتجلى في الكتابات الفكرية، التي تمضي بجفافها بدون أن تتمكن من اختراق الفكرة بمحمول ثقافي يضيء معنى الحياة، أو يمضي بها إلى حدود الترسيخ في فهم الظواهر، ومن ذلك على سبيل المثال نقده للعقيدة الاستبدادية لبعض التيارات الفكرية في نظرتها للمرأة، وتشظيها بين وظيفتيها الجنسية والأمومية، فيورد لنا نموذجا من فيلم المخرج وودي ألن Sleepers (فالآلة) في الفيلم تحوّل الجنس إلى أفيون الشعوب عبر إطلاقه، وتحرير سياقات تموضعه في العقل البشري.
في تقاطعات كثيرة تمزج التحليلات بين انتقاد الماركسية، والثقافية والصهيونية ممثلة بدولة الاحتلال، حيث يتحرك عتصمون بين أطياف واسعة من التحليلات للشخصية اليهودية في التاريخ، وينزع عنها صفة التميز والتفرد، حيث يمضي عميقاً بالنظر لليهودية على أنها ديانة تعليمات، وليست منظومة، وبناء عليه، يرى أن التفوق اليهودي يتأتى من القدرة على إدارة الكفاءات، حيث تستفيد الصهيونية من الذوات التي تمتلك المؤهلات، مع توفر المال ضمن نظام الرأسمالية الغربية، بينما يرى أن مقياس جوائز نوبل ما هو إلا وهم، فمؤسسة الجائزة أقرب إلى نادٍ، وما فكرة تفوق العرق سوى عملية بناء مصالح تنهض على علاقات الزواج والعمل، حيث يسعى اليهود إلى بناء النخب في كل مجال، أو ما يطلق عليه مصطلح التقسيم الإدراكي لليهود الموهوبين في أوروبا، بما له من أثر يفوق ما نتخيل، أو كما ينعته بالاستثناء الأنسب للنخب المؤهلة؛ على عكس طبعاً ما يحصل في العالم العربي، حيث تُقصى الكفاءات، وتُنفى خارج القدرة على التمكين، ولكن ذلك لا ينفي وجود تقسيم لليهود قوامه الإشكناز، بوصفهم عرقاً يتفوق على اليهود الشرقيين، الذين تناط بهم أعمال وضيعة، ولتأكيد ذلك نستعين بما يقوله عتصمون: «الطبقة الأقل إدراكاً، بقيت مركزة أساساً في غرب روسيا في مجمع المستوطنات، بينما اليهود الأكثر قدرة أرسلوا إلى المراكز اليهودية نحو الغرب إلى مجتمعات أوروبية حضرية مثل براغ ومورافيا وفرانكفورت».
غير أنّ سر تفوق اليهود لا يتحقق عبر إجادتهم في العلوم فحسب، إنما في قدرتهم على التسويق، ولاسيما تسويق الأفكار، فلننظر على سبيل المثال تحويل الهولوكوست إلى دين جديد استهلكته الخطابات الصهيونية، لينتهي إلى أن اليهود لا يؤمنون بالرب بمقدار ما يؤمنون باليهودي.
إن محاولة تعريف الصهيونية تقوم على نموذج ساخر، حيث نرى الصهيونية تحاول الاستفادة من التيارات والاختلافات كافة بغية تحقيق مصالحها، فهي مع اليسار واليمين، ومع الثورات وضدها، ومع الاشتراكية، بالإضافة إلى الرأسمالية، وهي أيضاً مع الحرب، ولكنها مع السلام إلخ. هي مع كل شيء فقط لتحقيق مصالحها الخاصة، فمن أهم الإشارات التي رواها عتصمون ما ذكره المعلق الإسرائيلي Oded Yinon حول خطة إسرائيلية للشرق الأوسط الرافض للتنوير الغربي، فكان لا بد من مواجهة ذلك بإغراق العرب بصراعات وحروب طائفية.
إن مشكلة اليهود أو مشكلة العالم تتأتى من الحركة الصهيونية، فيستدعي لنا مثالاً طريفاً حيث، يرى أن المرض الغريب الذي يوجد في العالم يتمثل بوجود الدولة اليهودية، في حين أن الأطباء هم اليهود الوحيدون المتخصصون بمعالجة مشاكل العالم، ولن نتخلص من المرض طالما العالم ـ
على ما يبدوـ محكوم بهذه القبضة التي أتاحت هذا الامتداد ليطال كل شيء.. ومن لديهم القدرة على الانتقاد والتحليل قلائل، لاسيما من الذين ما زالوا يتمتعون بحاسة أخلاقية للوقوف مع الحق في عالم بات يفتقر للقدرة على أن يحتكم إلى منظور إنساني، في غمرة هذا الثقل الذي يمارسه السياسي بمعزل عن الإنسان.
كاتب أردني فلسطيني