بيروت-“القدس العربي”: نال درجة دكتور في التأليف الموسيقي، وهي الشهادة الأعلى في فيينا. يعرف الدكتور جمال أبو الحسن أنه درس لزمن طويل علوماً ليست منظورة أو مطلوبة في بلادنا العربية. لم يندم ويتطلع إلى المزيد. إليها أضاف تخصصاً كان جديداً كلياً على السمع وهو الموسيقى الإلكترونية المترافقة مع عرض بصري متنوع.
في شرقنا الذي يحتفل بالآلات فرح زكي ناصيف، حين سمع مقطوعة موسيقية من مؤلفاته مسجلة عبر الموسيقى الإلكترونية، وفرح جمال أبو الحسن، لأنه نال رضى أحد المؤثرين في ذائقته الفنية.
معه كان هذا الحوار:
*كيف ومتى حددت وجهتك الموسيقية؟
**كنت في عمر 14 عندما جذبتني الموسيقى الكلاسيكية ووجدتها تُشبعني وتملأ رأسي. قبل سن الرشد بدأت في شراء الأسطوانات وسماع تشايكوفسكي، ومنذ الأسطوانة الأولى تغير مجرى حياتي. ابتعت غيتاراً وبدأت العزف منفرداً دون معلم. بحثت في كيفية التعلُم خاصة وأنني أسكن الجبل ومن الصعب التواصل مع بيروت. وقصدت معهداً خاصاً في الخفاء عن عائلتي، فالموسيقى عيب، وتُلهي عن الدرس. نشاطي الفني كان ملحوظاً في المدرسة من خلال الحفلات الموسيقية. وفي عمر 16 قررت ممارسة حريتي بعدم متابعة الدراسة والتحول إلى الموسيقى، إذ يمكنني نيل شهادة الثانوية العامة أو البكالوريا في الموسيقى. سافرت إلى مصر وبدأت دراسة الغيتار في معهد الموسيقى. كنت قد سمعت بالتأليف الموسيقي وأجهل ماهيته. أنهيت سنوات الدراسة الأربع في مصر، وشعرت بأنني لم أتقدم كثيراً. وفي هذا الوقت تعرّفت إلى الموسيقى في الولايات المتحدة والنمسا. صدفة جاء مؤلف عمل “كارنينا بورانا” إلى مصر، وشاركت في الغناء مع الكورال. وخلال وجوده في مصر قدمت له محاولات موسيقية صغيرة كتبتها، فكانت نصيحته بالسفر إلى فيينا، وإلغاء فكرة الولايات المتحدة رغم قبولي. وقُبلت في أكاديمية الموسيقى في فيينا شرط تجاوز امتحان الدخول، وهذا ما كان.
*وهل تمكنت من إقناع الأهل بخيارك؟
**أبداً، سافرت إلى القاهرة على غير رغبتهم، اشتريت بطاقة الطائرة وقلت إلى اللقاء. تركت لبنان في نهايات سنة 1974، وفي بدايات 1975 إندلعت الحرب الأهلية ربما حينها تنفس أهلي الصعداء. في مصر تلقيت مساعدات من أصدقاء لعائلتنا، ولاحقاً كانت لي فرص عمل ليلية. إنما في فيينا كانت النقلة النوعية ولم أكن أتوقع تلك المواجهة مع حضارة مماثلة.
*بعضهم يردد أن حب الموسيقى وراثي فماذا عنك؟
**ليس في العائلة من يعزف الموسيقى. كان لدينا راديو نسمع من خلاله الكلاسيكيات العربية من أم كلثوم، وعبد الحليم، وفريد الأطرش، ووديع الصافي وفيروز. وفي المدرسة كانت لدينا حصة موسيقى أسبوعية دون وجود معلم. كنا نترك المدرسة نغني ونتنزه.
*أن تترافق الموسيقى مع مشاهد متحركة وفق طريقة الغرافيتي فهل يأتي ذلك في إطار التجديد والمعاصرة أم ماذا؟
**أرسم بشكل جيد منذ الصغر، وكانت لي معارض في فيينا بعد دراسة عدد من المقررات هناك. أوليت اهتماماً كبيراً لديكور المسرح، وحضرت العديد من حفلات الأوبرا. كما درست رسم الموسيقى أي “ميوزيكال غرافيكس”. نسمع الموسيقى ونجسدها في الوقت نفسه أمامنا بالألوان والحركة. كان هذا علماً جديداً في الثمانينيات. تمتاز النغمة بالذبذبات، والتي من شأنها أن تتجسد بأشكال هندسية جميلة جداً. حدث ذلك قبل استعمال الكمبيوتر في الموسيقى. شغفي في المشهد والصورة واللوحة بدأ قبل سفري للدراسة في الولايات المتحدة. هذه الرحلة كانت بهدف دراسة الموسيقى التصويرية للسينما والتلفزيون، فمن الصعب على من يحمل لقب مؤلف موسيقي أن يحصل عيشه.
*لمن الأولوية في عروضك الفنية للموسيقى أم للغرافيتي؟
**الموسيقى تأتي أولاً وهي التي تحرّك المشهد. أول حفل لي من هذا النوع كان في الولايات المتحدة عام 1993. وفيه كانت الآلات جميعها إلكترونية، بخلاف البيانو. تضمن الحفل شاشات عرض، وكانت تلك التقنية في بداياتها. وكذلك تضمن رقصاً تعبيرياً وشعراً. الترابط الموسيقي مع الصورة هو ترابط زمني دقيق جداً. تمر 30 صورة في كل ثانية. بدأتُ تلك العروض في الولايات المتحدة، ومن ثم في لبنان والعديد من الدول العربية حيث قدمت حفلات، وشاركت في مهرجانات متعددة.
*وماذا عن التجاوب؟
**أشارك في حفلات الأوركسترا الفيلهارمونية اللبنانية، لكن العرض الموسيقي المترافق مع مشهديات يشكل إحاطة فنية كلية للمتلقي. هو ترابط وثيق بين النظر والسمع، حيث تمر آلاف اللوحات والمشاهد. المشهديات لا تقتصر على الغرافيكس والأنيمايشن الذي يساعد في تجسيد ما يستحيل علينا عبر الكاميرا.
*من يسعى إلى هذه الموسيقى في لبنان؟
**عندما عدت إلى لبنان كنت أقيم حفلات في الجامعات والمعاهد والمدارس والمسارح. كان الصغار أكثر تعبيراً عن شغفهم بهذه الموسيقى، فهم يحبون كل جديد، وهم أكثر انفتاحاً على التكنولوجيا. كذلك يحب السّميعة هذه الموسيقى.
*لماذا ارتبط اسمك بالموسيقى الإلتكرونية؟
**لأنه الأسلوب الذي عُرفت به دون سواي وما أزال وحيداً. وحالياً بت أمزج الموسيقى الإلكترونية مع الأوركسترا السيمفونية، مع الآلات الشرقية، مع المشهديات والتكنولوجيا الجديدة ضمن عمل واحد.
*عندما نقول موسيقى إلكترونية أليس في ذلك فقدان للمشاعر والأحاسيس؟
**واجهت نقداً من موسيقيين متعصبين جداً للموسيقى العربية. يسمعون نشازاً مع الموسيقى الإلكترونية، رفضوا الفكرة كلياً. استخدامي لهذه الموسيقى مختلف. استعمل امكانات الكمبيوتر المهمة، ولي قدرة اختراع الصوت بما فيه الإحساس والمشاعر.
*كيف تلغي تعصب الكلاسيكيين لرهافة التسجيلات بعيداً عن الكمبيوتر؟
**أكيد أن التسجيل مع آلات متعددة وفرقة موسيقية كبيرة تمد الأغنية بإحساس وعمق أكبر في اللحن والهارموني. عدم وجود موازنة للتسجيل تحتم اللجوء إلى الكمبيوتر. مع العلم أن حرفية الكمبيوتر والآلات الإلكترونية امتلكت مؤخراً حدا لا تُصدق. وأحياناً تكون النتيجة أجمل من الـ”لايف” عند من يبرع في استخدامها.
*كيف تُعبر عن مؤلفاتك الموسيقية وأنت تعيش في لبنان؟
**هو الإختصاص الأصعب، والإتجاه الأصعب في العمل خاصة في محيطنا العربي، بعكس الحال في أوروبا حيث المؤلف الموسيقي على درجة عالية من الأهمية. للمؤلف حقوق نتيجة بث مقطوعاته الموسيقية بعكس حالنا. تُعزف مقطوعاتي السيمفونية مع الأوركسترا الفيلهارمونية اللبنانية في حفلاتها الأسبوعية. وحالياً أتولى في المعهد الموسيقي الوطني مهمة برمجة مؤلفات موسيقية لمؤلفين لبنانيين صغار كفرصة لهم بأن تُعزف مؤلفاتهم من قبل الأوركسترا.
*عملك الأخير “السيمفونية الملونة” تضمن افتتاحية حقوق الإنسان التي سجلتها مع الأمم المتحدة. من تراه مؤتمناً على حقوق الإنسان في حاضرنا؟
**بعد إطلاق صفير طويل قال: قبل بدء الكتابة بحثت كثيراً في شرعة حقوق الإنسان الصادرة عن الأمم المتحدة. وجدت المدون حبراً على ورق. ثم قرأت غاندي، ومارتن لوثر كينغ وكل من تكلم بصدق عن حقوق الإنسان، وخلصت لضرورة الكتابة والتأليف بهذه المناسبة خاصة وأن العمل سيُعزف مع الأوركسترا الوطنية والكورال. كان ضرورياً أن أكتب رفضي وغضبي لأن السلام المزعوم غير موجود، وكذلك المحبة، والصداقة، والتعايش، وحقوق المرأة والطفل. هو تأليف موسيقي فيه الكثير من الأمل، وفي الوقت عينه يتضمن رفضاً وغضباً.
*أي صوت يُسمع أكثر في حاضرنا الموسيقى أم الحرب؟
**لو سمع العدد الأكبر من الناس وأحبوا الموسيقى بتذوق، لتغيرت سلوكياتهم. وبالتأكيد كانت نسبة العدوانية والعنف ستتراجع إن لم تضمحل.
*لكن الشعوب التي تفتخر بتراثها الموسيقي العظيم حكوماتها تصنع السلاح وتبيعه؟
**صحيح. أنت محقة.
*لماذا تجذبك موسيقى زكي ناصيف؟
**منذ زمن بعيد تجذبني أعمال زكي ناصيف، لأنها صادقة جداً، وتعبر عن الطبيعة اللبنانية بشفافية وسهولة ممتنعة على سواه. في بداية عودتي إلى لبنان كنت قد أنجزت مقطوعة له وفق الأسلوب الإلكتروني، سمعها هنا حيث نتحدث في المعهد الموسيقي الوطني وفرح للغاية. يمكننا إعادة كتابة الموسيقى الفلكلورية للأوركسترا السيمفونية بحيث تصل لكل العالم حين تُعزف في الخارج. وإلى زكي ناصيف من المؤكد أني معجب بالأخوين رحباني. عربياً سيد درويش هو الأصل، ومن ثم عبد الوهاب، وفريد الأطرش، والسنباطي، وبليغ حمدي، والموجي. زمن النهضة الموسيقية في مصر ترافق مع ثورة موسيقية جميلة في لبنان.
*هل ستؤلف موسيقى شعبية يوماً ما؟
**منذ أيام دارت الفكرة في مخيلتي خاصة وأن بعضهم يسأل لماذا لا تُقدِم؟ المشكلة أن أكثرية المغنين يسألون عن لحن يشبه ذاك الذي “ضرب”. هم لا يبحثون عن الخلق.
*ماذا لو تحولت الموسيقى مادة إجبارية في المدارس هل سيحدث تغيير في الأجيال؟
**أن يعتاد طفل سماع الموسيقى منذ الصغر فهذا سيبدل كثيراً في نفسيته. سيصبح أكثر ميلاً للطبيعة، حب الجمال، للهدوء والمحبة. طبعاً هذا لن يكون قاعدة. لكن الموسيقى عامل مساعد للإبتعاد عن ما هو ضرر.
*هل تنتج اسطواناتك بنفسك؟
**في أرشيفي سبع أسطوانات. في الولايات المتحدة كانت شركة تتولى الإنتاج. آخر “سي دي” أنتجته في لبنان كان على حسابي الخاص. الموسيقى السيمفونية على صعيد العالم أجمع لا تجد شركة تنتجها. حتى أعمال المؤلفين الكبار لا تجد من ينتجها من جديد لأنها تصاب بالخسارة.
*هل ندمت يوماً على دراستك للتأليف الموسيقي؟
**مطلقاً. ورغبتي كبيرة في السفر وتعلُم المزيد.