جمال نجاح واكيم في كتاب «جريمة ولا عقاب»: زعماء الطوائف تقاتلوا فساهموا في تكريس الطائفية البغيضة في لبنان

سمير ناصيف
حجم الخط
0

في ظل الخلافات المُستعرة في لبنان بين زعماء الطوائف الرئيسية حول المناصب الرئاسية والحكومية في وقت ينهار فيه البلد اقتصادياً واجتماعياً، قد يكون من المفيد العودة إلى مراجعة كتب ودراسات حول الحرب الأهلية اللبنانية (1975 ـ 1990) التي تطرّقت إلى أسبابها ونتائجها من منظار أكثر دقة من المنظار القائل بانها كانت «حرب الآخرين على أرض لبنان» فحسب.
الدكتور جمال نجاح واكيم يعتبرُ في كتاب صدرَ منذ عامين بعنوان «جريمة ولا عقاب، الحرب الأهلية اللبنانية وترميم النظام الطائفي» بان زعماء الطوائف الكبرى في لبنان ساهموا مساهمة رئيسية في نشوب الحرب الأهلية الأخيرة وفي استمرارها عبر نزاعاتهم السياسية الجوفاء التي تحولت إلى نزاعات مسلحة أدت إلى سقوط عشرات آلاف الضحايا، وقد تؤدي إلى المزيد من البؤس والألم والموت للشعب اللبناني.
يصفُ واكيم ما يقترفه زعماء الطوائف في لبنان بالإرهاب الذي مورس وما زال ضد أبناء الشعب والذي يجب وضع حد له في أسرع وقت ممكن.
ولا عجب في أن تأتي طروحات مثل تلك الواردة في هذا الكتاب من جمال واكيم، حامل أعلى الشهادات الأكاديمية من الجامعات الدولية واللبنانية ونجل قائد «حركة الشعب» اللبنانية نجاح واكيم، أحد كبار مؤيدي القضية الفلسطينية والقضايا العربية، والذي شكّل ظاهرة باختراقه النظام الطائفي اللبناني في الانتخابات عام 1972 متفوقاً على لوائح القيادات الطائفية المنافسة بمفرده وهو يحمل شعار العروبة والناصرية وفي مقتبل عمره واستمر في الدفاع عن مبادئه كنائب في البرلمان حتى فترة ليست ببعيدة. كتاب الأستاذ في الجامعة اللبنانية جمال واكيم الذي يهديه إلى كل شاب يطمح إلى بناء لبنان عادل لجميع أبنائه، يمكن اعتباره أهداء أيضاً إلى جميع شهداء وضحايا الحرب الأهلية والمقاومة اللبنانية والعربية في سبيل الحرية والاستقلال الفعلي للبنان والمنطقة.
الجديد في مقاربة واكيم انه «يقول الأشياء باسمائها «فهو لا ينكر ويعترف بوجود بُعد خارجي لعِبَ دوراً في الحرب الأهلية اللبنانية والخلافات الناتجة عنها والمستمرة حتى الآن، ولكنه لا يدافع عن القيادات الداخلية وما سُمي «اليسار الوطني» المواجه لقيادات ما وصِفَ بـ»اليمين العميل» كما يفعل آخرون، بل يشملها معظمها في سلة واحدة، ويعطي الأمثلة على الأخطاء الفادحة في ممارساتها السابقة والحالية خصوصاً في فصول الكتاب الأخيرة (الفصل الرابع والخامس والسادس والخاتمة) ويتهم معظم الفئات الداخلية الطائفية وغيرها بممارسات ساهمت في القضاء على الدولة اللبنانية الفاعلة.
في الفصل الرابع وعنوانه «الطائفة المسيحية ترسم حدودها» يقول الكاتب انه في الوقت الذي كان فيه رئيس الجمهورية الراحل سليمان فرنجية يتفاوض مع قيادة النظام السوري لإجراء تعديلات طفيفة على الدستور اللبناني والميثاق الوطني مما شكل آنذاك مقدمة لاتفاق الطائف، كان قادة الميليشيات المسيحية اللبنانية يقومون بعملية «تنظيف» للمنطقة المسيحية ممن سموهم «الغرباء» عنها عبر استهداف التجمعات السكانية ذات الغالبية المسلمة التي تواجدت في المناطق ذات الغالبية المسيحية وضد مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في تلك المناطق (تل الزعتر وجسر الباشا والضبية) في منتصف سبعينيات القرن الماضي (ص 111 ـ 112). كما جرى «تنظيف» المناطق التابعة لتلك الميليشيات من مؤيدي ومنتسبي الأحزاب المعارضة لها، مهما كانت هوياتهم وانتماءاتهم الفكرية والدينية. ويضيف بأن قيادات هذه الميليشيات خشيت أيضاً مواقف شخصيات معتدلة نسبياً بداخلها فقامت بتصفيتها على شاكلة اغتيال قائد الأمن في حزب الكتائب وليم حاوي الذي حاول منع وقوع المجزرة بحق المدنيين في مخيم تل الزعتر خلال محاصرته وتدميره في عام 1976 فقٌتِلَ برصاصة قناص لم تعرف هويته حتى الساعة (ص 120 ـ 121). وتبع ذلك حدوث مجزرة في أهدن ذهب ضحيتها طوني سليمان فرنجية وزوجته وابنته الطفلة جيهان، وبعد 12 سنة، اغتيل داني شمعون هو أيضاً مع زوجته وولديه في منزلهما (ص 125 و127) في جريمة تبعت تصفية قوات «نمور حزب الوطنيين الأحرار» في تموز (يوليو) 1980 في مجزرة أخرى أي ان «القوات اللبنانية» آنذاك نفذت «عملية توحيد البندقية المسيحية»! كما فعلت الميليشيات الدرزية والشيعية في مراحل لاحقة حسب ما أشار إليه الكاتب في الفصلين التاليين، الخامس والسادس.
ويعتبرُ واكيم ان سبب الحرب الأهلية اللبنانية لم يكن الدفاع عن سيادة لبنان في وجه «الغرباء» وخصوصاً لشموله الخطف العشوائي للناس وإخفاء مصائر المخطوفين مما شكلَ ممارسة أكثر إرهاباً وقسوة من عمليات القصف والقتل الجماعي. وقد شاركت في عمليات الخطف أو لم تضبطها «قوات الردع العربية» العاملة في لبنان، وبلغ عدد المختطفين المئات أو أكثر، وكانوا في كثير من الأحيان يُنقلون إلى بلدان مجاورة خارج لبنان للتحقيق معهم، ومنهم الذين ما زال لا يُعرف مصيرهم حتى الساعة (ص 137).


وتجدر الإشارة إلى ان واكيم يعتبرُ أن كثيرين من هؤلاء كانوا من معارضي مشروع هيمنة الميليشيات الطائفية وزعمائها على لبنان، أي أن الطائفيين فرضوا أنفسهم على الشعب بقوة السلاح وببطش الميليشيات الطائفية.
ويذكر المؤلف أسماء وتواريخ اختفاء عدد من هؤلاء رغبة منه في التذكير بانهم ما زالوا أحياء في قلوب محبيهم وأبناء بلدهم برغم غيابهم جسدياً.
ويرى واكيم بأن مجزرة صبرا وشاتيلا، لم تكن ردة فعل على اغتيال بشير الجميل، كما جرى الادعاء، بل كانت نتيجة «تخطيط مسبق بين الإسرائيليين وأطراف في القوات اللبنانية سبق المجزرة بعدة أسابيع» (ص 141). ويضيف قائلاً إن «قسماً كبيراً من ضحايا مجزرة صبرا وشاتيلا كان من اللبنانيين، وقد يوازي عدد الضحايا الفلسطينيين» (ص 143). وهنا يذكر عدداً من أسمائهم وتواريخ ولاداتهم.
أما بالنسبة إلى مقارنة الكاتب بين وليد جنبلاط ووالده كمال جنبلاط محاولاً تحليل خلفيات ما ارتكبته ميليشيات وليد ضد خصومها في الجبل اللبناني وضد أفراد بداخلها اختلفت مواقفها عن مواقف زعيمها، فيقول إن «وليد جنبلاط كان على خلاف مع والده قبل مقتله، ولم يكن يميل إلى تبني أفكار والده اليسارية والاشتراكية» (ص 145) أي أن وليد جنبلاط (برأي الكاتب) أعادَ رسم حدود الطائفة الدرزية سياسياً وميدانياً، كما فعل بشير الجميل و»القوات اللبنانية» لدى الطائفة المسيحية (خصوصاً الموارنة فيها) ووضعها في قالب طائفي وفئوي مختلف في توجهه عما سعى إليه والده كمال جنبلاط في قيادته «الحركة الوطنية اللبنانية».
وحسب مقاربة واكيم، فإنه مع حلول أيلول (سبتمبر) 1983 كان وليد جنبلاط ونبيه بري يقودان تحالفاً عريضاً في الجبل وبيروت بالاشتراك مع أحزاب أخرى مدعومة من دمشق، ضد «القوات اللبنانية» (بعد اغتيال بشير) وحُسمت المعارك لمصلحة القوات المشتركة المدعومة سورياً.
ويضيف: «وقد ترافق ذلك مع مجازر نفذتها مجموعات درزية ضد المدنيين المسيحيين في القرى والبلدات التي وقعت بأيديهم من دون تمييز، أكان هؤلاء مؤيدين للقوات اللبنانية أو للقوات العلمانية الحليفة لوليد جنبلاط في معركة الجبل. وقد قُدر عدد المدنيين الذين قتلوا على أيدي المجموعات الدرزية بنحو ألفي مدني، كان بعضهم أعضاء في الحزب التقدمي الاشتراكي منذ الخمسينيات» (ص 148). كما ارتكبت القوى المسيحية مجازر في قرى درزية بعشوائية ووحشية وانتقامية (في رأي الكاتب).
وقد تبعت ذلك مبادرات سعودية عربية لعقد محادثات سلام في جنيف، لكن، في 23 تشرين الأول (أكتوبر) 1983 شنت قوات «الجهاد الإسلامي» في لبنان هجوماً مزدوجاً على مقري القوات الأمريكية والقوات الفرنسية في بيروت، ما أسفرَ عن مقتل 250 جندياً أمريكياً و60 جندياً فرنسياً وسقوط عدد كبير من الجرحى مما ساهم في تصعيد المواجهات وتوتير الأوضاع. كما بدأ وليد جنبلاط وحليفه نبيه بري بالتحضير لعملية ضد نظام الرئيس أمين الجميل بدعم من القيادة السورية نُفذت ميدانياً في 6 شباط (فبراير) عام 1984 وساهمت في إقالة حكومة شفيق الوزان المؤيدة للجمّيل والرضوخ للإرادة السورية بإلغاء اتفاق 17 أيار (مايو) 1983 مع إسرائيل (ص 150).
وفي الصفحتين (154 و155) يتناول ويعرض الكاتب اتهامات أشارت إلى أن الميليشيات الطائفية اعتقلت (وفي بعض المناسبات قتلت) عدداً من المقاومين اللبنانيين من الأحزاب الوطنية الأخرى.
كما يتحدث واكيم عن نشوء (في سنوات الحرب الأهلية) طبقة من أغنياء الحرب الذين أباحوا لأنفسهم ممارسة الفساد والتعدي على أموال الغير (ص 154) ويتهم المؤلف بعض القيادات الطائفية بمشاركة تلك الطبقة ودعمها في فسادها وتجاوزاتها.
وترِدُ في الكتاب اتهامات لبعض الجهات المقاتلة إلى جانب القوات المشتركة بأنها وخلال مواجهاتها الميدانية مع القوات اللبنانية في حرب الجبل، استهدفت واغتالت بعض المقاومين الذين قاموا بعمليات ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي، أو عارضوا سياسات التعاون الأمني مع إسرائيل، وذلك على أثر خلافات معهم (ص 155 و156).
وفي الفصل السادس، يقول نه بحلول عام 1984 كانت طائفتا (الموارنة) المسيحيين والدروز قد رسمتا حدودهما الجغرافية السياسية بفضل زعمائهما، ولكن من العام 1984 إلى 1988 شهدت الطائفة الشيعية اللبنانية رسم حدودها بواسطة «حركة أمل» بقيادة المحامي نبيه بري الذي أصبح لاحقاً رئيساً لمجلس النواب اللبناني، وما زال في هذا المنصب حتى الساعة.
ويتحدث الكاتب في هذا الفصل عن «حرب المخيمات» التي نشبت في أيار (مايو) 1985 ودامت بشكل منقطع نحو ثلاثة أعوام بين «حركة أمل» ومنظمة التحرير الفلسطينية بقيادة الرئيس ياسر عرفات عندما حاول عرفات إحداث خرقٍ ضد النفوذ السوري لنظام الرئيس حافظ الأسد في لبنان الذي طلبَ من حلفائه في الأحزاب والمنظمات ترجيح كفتهم على حساب كفة أنصار عرفات في المخيمات.
(علماً أن نظام الرئيس حافظ الأسد أيد قيادات أخرى في المقاومة الفلسطينية مقربة من نظامه غير قوات عرفات). وأدت حرب المخيمات إلى وقوع خسائر جسيمة بين طرفي النزاع ونتج عنها تسلم «حركة أمل» قيادة الطائفة الشيعية اللبنانية بمفردها حتى مشاركة حزب الله لها في القيادة في أواخر ثمانينيات القرن الماضي (ص 167). علماً ان قياديين في الأحزاب العلمانية الوطنية اللبنانية اغتيلوا، (حسب المؤلف) لمعارضتهم الدور السوري في لبنان ولقربهم من عرفات و»منظمة التحرير الفلسطينية». ونشأت صراعات في داخل بعض هذه الأحزاب وفي داخل المقاومة الفلسطينية، خلال وبعد الحرب الأهلية اللبنانية. كما عاد النزاع الطائفي إلى الساحة اللبنانية في أبهى حلاته، ولم تُعاقَبْ أي مجموعة على جرائمها!
د. جمال واكيم» «جريمة ولا عقاب، الحرب الأهلية اللبنانية وترميم النظام الطائفي»
شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت 2018
257 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية