بيروت-“القدس العربي”:
حجب موقف لبنان بالامتناع عن التصويت في الهيئة العامة للأمم المتحدة على إنشاء آلية جديدة للتقصي عن مصير المفقودين في سوريا موضوع الاستحقاق الرئاسي، ولم يمر هذا الامتناع مرور الكرام إذ سُجّلت ردود فعل مستنكرة هذا الموقف للحكومة اللبنانية في وقت لم يُقفل ملف المفقودين والمخفيين قسراً في السجون السورية في فترة الحرب الاهلية حيث هناك نحو 622 معتقلاً في هذه السجون وهم “أحياء” بحسب رئيس جمعية المعتقلين علي أبو دهن “إلى أن تثبت الدولة السورية وفاتهم وتسلّمنا إياهم أحياء أم رُفاتا”.
وقد حمّلت جمعية المعتقلين والمخفيين قسراً في السجون السورية “رئيس مجلس الوزراء والمجلس مجتمعاً بمن فيهم هذا اللاوطني وزير الخارجية كامل المسؤولية جراء اعلانه امتناع لبنان الرسمي عن التصويت لصالح المعتقلين والمخفيين قسراً من اللبنانيين والسوريين في السجون السورية”، وسألت الجمعية في بيان: “ألا يخجل مما سيقوله التاريخ عنه وعن هذه الحكومة اللاوطنية التي تعمل لصالح قاتل ومجرم حرب وسفاح لعنه الله لعنة أبدية”. واضافت “نحن جمعية المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية ندين هذا الموقف الشنيع بحق رفاقنا الـ622 المعتقلين قسراً في سجون الأسد وسنبقى مع من يساعدنا ويساندنا الدرع المنيع في وجه هذه الحكومة الفاسدة حتى تحرير رفاقنا الأحياء واستلام رفات من توفوا منهم، وإننا في المناسبة وتبعاً للموقف الأرعن واللامسؤول لوزير تبرّأ من مسؤولياته ودوره وصلاحياته وحسه الوطني، فإننا ندعوه للاستقالة فوراً من منصبه والاعتذار أولاً من ذوي المعتقلين والمخفيين قسراً في سجون الأسد وثانياً من كافة اللبنانيين لما يعانون من تنصيب أزلام بعض السياسيين الذين تبوأوا مناصبهم على غفلة من هذا الزمن الرديء”.
كذلك، فإن جورج كساب شقيق المصوّر الصحافي سمير كساب استغرب الامتناع عن التصويت، وأوضح “أن لدينا جرحاً مفتوحاً منذ سنوات وقضية محقة تعني المصوّر سمير كساب، ومنذ 2011 لغاية اليوم نرى تقاعساً من الدولة اللبنانية، وقد فوجئنا بهكذا موقف في وقت تضع الامم المتحدة جهدها لكشف مصير المفقودين”، وسأل وزير الخارجية “أنت ماذا فعلت لكشف مصير أخي؟”. واضاف “لم أسمع وزير الخارجية يوماً يتحدث عن قضية سمير كساب وأطالب وزير الاعلام بإثارة هذه القضية”.
مندوبة لبنان
وكانت المندوبة الدائمة بالوكالة في بعثة لبنان الدائمة في الامم المتحدة المستشارة جاين مراد، ألقت كلمة لبنان خلال جلسة التصويت على “مشروع القرار الخاص بإنشاء آلية جديدة للمفقودين في الجمهورية العربية السورية” والذي تمنّع لبنان عن التصويت عليه، وأقر بموافقة 83 دولة، ورفض 11 دولة ومقاطعة 62 دولة.
وجاء في كلمة مراد: “اسمحوا لي وباسم وفد بلادي بداية وقبل الخوض في حيثيات القرار بمآثره او شوائبه أن أوجّه تحية من القلب لكافة عوائل المفقودين في لبنان، هذا الملف الذي لا يزال جرحاً نازفاً في ذاكرة الوطن الجماعية. فلبنان صاحب التجربة الأمرّ في ملف مفقودي الحروب والنزاعات التي مزّقت أوصاله وشتت أبناءه، لا تغيب عن جدار عاصمته بيروت ومعارضها صور كافة المفقودين توثيقاً لمسار أربعة عقود تخللها البحث المضني عن أحبة بلا اضرحة من عام 1982 من هذا المنبر رسالة إلى الأمهات والزوجات والعوائل أن لبنان لم يمتنع عن هذه القضية الحق ولم ينأ بنفسه عن معاناة الأهالي، لا بل يؤكد لبنان التزامه وتمسكه بكشف مصير المفقودين اللبنانيين في الحرب الأهلية ومعالجة هذا الجرح النازف منذ أربعين عاماً، والذي يشكل استمراره ألماً مستداماً في ضمير الوطن، وحرقة في قلوب الأهالي. وفقط للتذكير، لبنان الحريص على كافة ابنائه لم يأل جهداً ضمن صفقة تبادل على استعادة كافة المحتجزين اللبنانيين الأحياء في السجون الاسرائيلية او تسلم رُفات من توفي منهم”.
واضافت: “صوت لبنان اليوم بالامتناع على هذه الآلية التي لم يتضح من خلال مشروع القرار هذا ماهيتها والإطار المرجعي لها. لبنان امتنع عن استخدام هذا الملف الجلل مطية لتصفية حسابات سياسية يضيع معها البند الاساس ويتبدد معها الجوهر أو الدافع الانساني الرئيسي البحت الذي نتمنى أن يسير هذه المبادرة”. ورأت انه “ما من آلية أممية للبحث عن المفقودين ممكن أن تثبت نجاعتها من دون أن تتحول إلى هيئة وطنية بالتعاون والحوار والتشاور والتنسيق الوثيق مع الحكومة السورية، اذا كانت هذه الالية المطلوب إنشاؤها اليوم تهدف ان تكون الرافعة في تقديم العون والمساعدة والحفاظ على الزخم اللازم من اجل ابقاء هذا الملف حياً لإيصاله إلى خواتيمه المنشودة ومعه تهدئة نفوس الأمهات الثكلى فان ذلك لا يمكن ان يتحقق من دون تحويل هذه الالية إلى وطنية وبالحوار والشراكة مع الحكومة السورية وتحت مظلة ومراقبة الامم المتحدة”.
وقالت: “من جهة أخرى سيدي الرئيس، لا يمكن مقاربة ملف المفقودين في سوريا لا سيما المفقودين جراء النزاعات التي انطلقت شرارتها عام 2011 بمعزل عن ملف اللاجئين السوريين وبصورة منفصلة عن حتمية عودتهم، فمن يعود مفقوداً قد يكون لاجئاً في دولة جوار أو دولة ثالثة، ان الملفات الإنسانية لا يمكن تناولها بالقطعة او بالتجزئة، والا فقد المجتمع الدولي مصداقيته في طرحه للملفات الإنسانية. ان لبنان البلد العربي الوحيد الذي يحمل طابتي النار، ملف المفقودين اللبنانيين من جهة وملف النازحين السوريين من جهة أخرى، وهو ليس بوارد التساهل بواحد منهما على حساب الآخر، إنما يتمسك بايجاد حل لهما من خلال الشراكة والحوار والتفاهم بين كافة الأطراف المعنية عربية كانت او دولية”. وتابعت: “سيدي الرئيس، نناشد واضعي القرار والمجتمع الدولي تطوير هذه الآلية بالتعاون مع الجانب السوري كي لا تبقى حبراً على ورق ولكي لا يتحول معها ملف انساني بهذا الحجم والاهمية إلى بازار سياسي يضرب معه آخر بريق امل لكافة العوائل والأهالي”.
وختمت مراد: “كوقفة إجلال امام هذه الأمهات والزوجات، استشهد بكلمة كتبتها أم فقدت ابنها منذ عام 1984 وهي نائلة نجار حمادي، قبل ان تفارق الحياة، قالت: “لم أزل يا ولدي أنتظر هديتك لي بعيد الام، سأنتظر قوافل الآتين للنهاية. وفي كل المحطات سأجول وأتمنى ان التقيك، لم يزل بصيص امل ضئيل أحيا به وبعدها تستحق الحياة اما ان تحيا او لا”.
تفاهم مع سوريا
وتعليقاً على الحملة التي طالت موقف لبنان بالامتناع عن التصويت، صدر بيان عن وزارة الخارجية أوضحت فيه أنها “أوعزت لمندوبة لبنان الدائمة لدى الأمم المتحدة في نيويورك، بعد التشاور مع رئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي، بالامتناع عن التصويت على مشروع القرار عن المفقودين في سوريا والذي طرح على الجمعية العامة للامم المتحدة، تماشياً مع شبه الاجماع العربي بالامتناع عن التصويت، ورغبة منه بعدم تسييس هذا الملف الإنساني بامتياز، وانسجاماً مع سياسة عدم الانجرار وراء تصويت خلافي يزيد المشاكل ولا يحل قضية المفقودين اللبنانيين التي تشكل جرحاً نازفاً وألماً مستداماً لأهاليهم”.
وأكدت “تمسك لبنان بحل هذه القضية وقضية النازحين السوريين، من خلال الحوار والتفاهم بين لبنان وسوريا، والأطراف العربية والدولية المعنية، علماً بأن تصويت لبنان مع القرار، في حال كان قد حصل، سيقوّض عمل اللجنة الوزارية العربية المشارك فيها لبنان والساعية لحل المشاكل مع سوريا”. وجددت “احترام لبنان وتمسكه بتطبيق كافة القرارات الشرعية الدولية المطبق منها والقرارات العديدة التي لم تطبق أيضاً، لأنها جميعها تشكل مظلة حماية للسلم والأمن الاقليميين والدوليين”.
نكء الجراح
وضمن المواقف المنددة بالقرار، غرّد النائب إبراهيم منيمنة على “تويتر” كاتباً: “هالنا إعلان وزير الخارجية عبدالله بو حبيب امتناع لبنان عن التصويت. ان هذا القرار دليل اضافي على امعان هذه الحكومة في ضرب تموضع لبنان على الساحة الدولية، وتاريخه الديبلوماسي والحقوقي، وهو المساهم البارز في صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان”. واعتبر “ان قرار بوحبيب لا يمكن وضعه في اطار السياسة الخارجية الفاعلة المبنية على المصلحة الوطنية لانه يشكل خرقاً لمقدمة الدستور والتزامات لبنان الدولية ومن بينها اتفاقية مناهضة التعذيب، وتالياً يُعد ذلك تنكراً لدور لبنان التاريخي وينقلنا إلى مصاف الدول المشجعة على التفلت من العقاب. كما ان هذا القرار لا يراعي مصالح لبنان وتحديداً قضية المصور اللبناني المخفي في سوريا سمير كساب، وكذلك المخفيين اللبنانيين في السجون السورية، واحتمال ان تسهم هذه اللجنة في كشف مصيرهم”.
واضاف “لقد شكّل قرار بوحبيب نكأ لجراح لبنان الذي خبر معنى الاخفاء القسري والفقدان وكذلك طعنة لأهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان الذين ناضلوا لعقود لكشف مصير احبائهم فيما الحكومات المتعاقبة عمدت ولا تزال إلى عرقلة مساعيهم”. وختم منيمنة: “تحية للمخفيين والمفقودين، سوريين ولبنانيين، ضحايا العنف والسجون والاقبية والانظمة والمليشيات. لا قضية أسمى وأرقى، والعار للممتنعين”.
وقال عضو “تكتل الجمهورية القوية” النائب جورج عقيص “لا يعادل شعورنا بالعار من موقف الحكومة اللبنانية الممتنع عن التصويت عن هكذا قرار سوى سعادتنا العارمة بصدور القرار الأممي عن غالبية الدول الاعضاء”، وأشار إلى “أن العالم أجمع سيكتشف حجم المآسي التي تسبّب بها النظام السوري عبر عقود من الزمن لشعبه وللشعب اللبناني على السواء. هذا سيكون على الارجح اوّل الغيث في مسلسل اظهار هذا النظام على حقيقته. لا يهمني على الاطلاق موقف الحكومة اللبنانية ولم أكن أتوقع منها حقيقةً غير ذلك”.
وأكد “أن ما يهمني ويهم اكثرية اللبنانيين هو ان تبادر الهيئة الوطنية للمفقودين والمخفيين قسراً اللبنانية إلى الاتصال باللجنة الدولية فور تعيين اعضائها والطلب منها اخضاع المخفيين اللبنانيين في السجون السورية إلى نطاق اختصاصها، كشفاً لمصيرهم ولو بعد حين”.
عائد من جهنم
وكانت العديد من الامهات في لبنان التي حملن قضية ابنائهن المفقودين باغتهن الموت قبل معرفة مصير أولادهن. أما علي أبو دهن الذي تمّ الافراج عنه قبل سنوات من السجون السورية فأكد في حديث إلى “القدس العربي” أن “سجن تدمر صُنّف في الماضي من أهم السجون الشهيرة بالتعذيب المميت. ومن يخرج من تدمر تكتب له ولادة جديدة وانا والبعض المحظوظ حتماً وبصدق نستحق لقب الشهيد الحي أو العائد من جهنم”.
وقال “اصدرت كتاباً عام 2011 عنوانه “عائد من جهنم” ثم مجموعة كتب عن الخارجين من القبور السورية ومسرحية بعنوان “الكرسي الالماني”، وأخيراً ليس آخراً فيلما بعنوان “تدمر” من تمثيل المعتقلين أنفسهم واخراج مونيكا بورغمان ولقمان سليم الذي قتل قبل سنتين ونصف”.