جهاد عقل: الفنان الصادق في عطائه سيظهر مهما حاولوا حجبه

زهرة مرعي
حجم الخط
0

بيروت-“القدس العربي”: جميل أن يتشابه المرء مع اسمه. مع عازف الكمان جهاد عقل، يكتسب هذا الجمال نكهة مختلفة لأنه يتمثل بالإجتهاد لتحقيق حضور في عالم الموسيقى. ويتضاعف لدى تحليقه في الارتجال الذي يؤكد الموهبة. فالارتجال هو تعبيره الأساسي خلال حفلاته. بان إجتهاد هذا الفنان سريعاً، ولهذا استحق لقب خليفة عازف الكمان الأشهر في الوطن العربي عبود عبد العال.

جهاد عقل عاشق لآلته بامتياز، محلق منذ سنوات بعيدة في حفلات يجود فيها بما لديه من مشاعر وانفعالات. ويعترف بجمال ورهافة العزف لعاشقين وحيدين.

  معه هذا الحوار:

*بكلمات كيف تصف مشاعرك حيال آلة الكمان التي ارتبط اسمك بها؟

** يتمثل التعبير عن المشاعر بصعوبة دون شك. عندما يجد المرء في حياته شريكاً هو الأنقى والأصفى والأجمل والأرقى، فالوصف دون شك سيعجز حيال هذه الآلة الصادقة العميقة والكبيرة، والتي توازي الكون برمته.

*بعد التعمق في دراسة الكمان أين تراه أكثر بلاغة في التعبير وفق المقام الشرقي أم وفق أصول العزف الغربي؟

**التعبير الغربي من خلال الكمان دقيق ومتوازن بكل معنى الكلمة. وتعبير تلك الآلة وفق مقامات الشرق ومشاعره فهو عاطفي. إن جمعنا مشاعر الشرق وعواطفه التي تأخذ طابع الارتجال أكثر من كونها أكاديمية، مع عالم الغرب فسنكون مع حصيلة متميزة جداً. فالإحساس الغربي منضبط، في حين أن الشرقي مفرط. لهذا أجمع بينهما لأتمكن من إيصال الجملة بمعنى خاص بي ومختلف عن الآخرين.

*أين تكون أنغام الكمان شبيهة بأنغام الحب؟

**دائماً. وهي الآلة الموسيقية الأكثر تعبيراً عن المشاعر بكافة أشكالها سواء منها الحب، البؤس، اليأس، الحزن، الغضب أو الفرح.

*نعرف أنك كتبت مقطوعات تعبر عن كافة تلك المشاعر. فما هي الحوافز؟

**التعبير عن المشاعر والعواطف له وجوه متعددة، ويعود ذلك لأسباب وعوامل تلك العواطف والمشاعر. ليست كافة العواطف صادقة، بل بعضها مزيف أو متلاعب. يمكن للموسيقى أن تحكي حال العواطف جميعها. شخصياً أميل للصدق في التعبير عاطفة وموسيقى.

*هل كتبت موسيقى تصويرية لأفلام؟

**جسدت عبر الموسيقى فيلما وثائقياً دينياً قصيراً، فقط.

*هل عزفت مرة لحبيبين وحيدين؟ وكيف تعيش حالتهما؟

** كثيراً جداً. حينها أعزف مقدماً هدية من حبيب لحبيته. إنها مشاعر في غاية الجمال والرقي. وهي لفتة جميلة ومتميزة من حبيب لحبيبته. ودائما تكون هدية حبيب.

*عزفت لعشاق عرب أم أجانب؟

** بل عرب.

*وقرار البدء والختام يعود لك؟

** صحيح. ودائماً ألعب موسيقاي من تلقاء نفسي، وبوحي من الأجواء التي تحيط بي. وهذا ما يحدث في أغلب الأوقات.

*عندما تكون على المسرح كمثل استضافتك في المعهد الموسيقي الوطني فما هي الظروف التي تأخذك إلى الارتجال؟

** لا يتعلق الأمر بظرف معين، بل الارتجال هو ملعبي القوي الذي أجيد الإبحار فيه. الارتجال بكافة أشكاله هو بحري الواسع وفيه أسبح بحرية، فقد يأتي الارتجال من ضمن مقطوعة موسيقية مدروسة.

*وهل تسجل حفلاتك بهدف حفظ ارتجالاتك الجميلة؟

** في أغلب أوقات الارتجال الجميل لا يكون التسجيل حاضراً. تذهب الارتجالات في لحظتها ونعود للإبتكار من جديد. تحضير التسجيل قد يفسد الارتجال أو يجعله يتراجع. ففي الأمر عامل نفسي. قد “تنقش” مرّة مع التسجيل لكن ليس على الدوام.

*كم اجتهدت حتى صرت نجماً ونلت لقب خليفة عبود عبد العال؟

** عملي كموسيقي تشعب كثيراً في عالم الفن بين الأستديوهات، التسجيلات، التوزيع، الحفلات وقيادة الفرق الموسيقية واستمر حوالي 15 سنة. وفي أواخر التسعينيات لجأت إلى جهاد عقل واختليت به. ومن ثم كان لي طريقي الخاص. الصادق بعطائه سيظهر مهما حاولوا حجبه. هذا هو عنوان رحلتي.

*حالياً هل تدخل الأستوديو بهدف التسجيل مع أي فنان؟

**الجواب أن الفنان لم يعد موجوداً ولا الموسيقى بالطبع. فلكل منهم ملعبه.

*هل حلّ الكمبيوتر مكان الفنان والموسيقى؟

** ليس هذا فقط، بل نحن لم نعد جماعات متكاتفة. سابقاً كان العمل الموسيقي يصدر من خلال مجموعة. الآن نحن أفراد كل منا يقيم حول نفسه سياجاً، وكل منا لديه زاويته أو دكانته. الأعمال الفنية السابقة كانت تصدر عن 20 أو 30 موسيقيا، بينما العدد الآن لا يتخطى أصابع اليد.

*لأي زمن يحنّ جهاد عقل؟

** أحنّ لزمن التسعينيات، وأنظر لتلك السنوات بأنها آخر الأيام الجميلة.

*هل تذكر أحداً من فناني ذاك الزمن بالخير؟

** جميعهم. أذكر كاظم الساهر لدى تسجيله سي دي “سلامتك من الآه” في لبنان، حينها كانت تربطني به علاقة جميلة جداً ومميزة. ما زلت التقيه في مناسبات وأماكن عمل. أحب هذا الرجل، فهو فنان بكل معنى الكلمة، ومثقف. وأتوقف عند تلك الميزة وكم تلعب دورها بين فنان وآخر. كافة الفنانين الذين واكبتهم في حياتي يكنون لي كل المحبة والإحترام. أكثرهم عشت معه سنوات معدودة وجميلة، ومن ثمّ يتغير المسار.

*وهل للشهرة أثرها في التغيير الحاصل؟

** الشهرة سيف ذو حدين. أكثر من يعاني في الحياة هم المشاهير. ليس لهؤلاء قدرة الحياة الطبيعية. وفي الوقت نفسه يخسرون الكثير لأجل الشهرة وأولها العائلة. ضريبة الشهرة كبيرة خاصة عندما يصدقها المرء، فيشعر أنه يعيش بخلاف ما هو الواقع.

*وماذا عن المال الوفير الذي يجمعه الفنانون الحاليون؟

**في الفن نوع تجاري وآخر معنوي. من يعملون بمقاييس النوع الأول هم الغالبون. في تركيبته الإنسان طمّاع، ويحب الأفضل لذاته. عندما يكثر المال تكبر الضريبة. وهذا ما لا يشعر به أصحاب هذا النوع إلاّ إذا؟ وثلاث نقاط.

*هل ترضى الآن بمهمة قائد الفرقة الموسيقية لأي فنان أو فنانة؟

** بالطبع لن أرفض لأني أحن لهذا النوع من العمل. في الفن رابط روحي متكامل.

*ماذا تذكر عن المراحل الصعبة في مسيرة إثبات الذات؟

**تتمثل المراحل الصعبة التي واجهتها بالكراهية، الغيرة والحسد. وكافة السبل التي سعت كي تحجبني عن النظر. جرى ذلك رغم أن الفن رسالة سامية، ورسالة محبة. الحمد لله تغلبت على كافة المعرقلين. وأنا الآن في راحة بعد معركة طويلة. للأسف تراجع مستوى المهنة، ومن يرغب في ان يدخلها وكأنها وكالة “من غير بواب”.

*هل حوربت لأنك من فلسطين المحتلة؟

** قد تكون هويتي أحد أسباب الحرب التي واجهتني. كافة أنواع الحروب لم تعن لي أي شيء، فأنا أقوى منها جميعها. إنها مواجهات ضعيفة، تظهر الآخر ضعيفاً وتافهاً.

*هل كتبت مقطوعة لفلسطين؟

** طبعاً. وعزفتها خلال حوار تلفزيوني.

*ماذا عن تأليفك الموسيقي وعن أعمالك المسجلة؟

**أعيش بهدوء، ولهذا أكتب حين يأتي الوحي. لا أهتم بمواكبة الساحة الفنية بعد أن طغى عليها النشاز. لا صعوبات لدي في التأليف، وأنا بصدد الإعداد لإصدار ألبوم. أعمل في تأليفه بهدوء و”ع الناعم”.

*هل تتصور أنغام الكمان بعيداً عن الأجواء الرومانسية؟

**بل أتصورها في كافة الأجواء من الغضب حتى الرومانسية، وبينهما الصراخ والخبط والضرب. وهذه يمكن نقلها إلى مشاعر مختلفة بحيث يقررون أن العالم الجميل هو الأفضل.

*هل خضت سجالاً عبر الكمان مع عازفة ما؟

** أحب عزف فانيسا ماي، إنها فنانة رائعة وجميلة. وهناك كثر أرغب في لعب ديو معهم، وهم أجانب وليسوا عرباً.

*أين تعزف خلال أسفارك الكثيرة؟

** تتوزع حفلاتي بين الدول العربية والغربية.

*وماذا يقول الغربيون في الكمان الذي يحكي لغة شرقية؟

**يتلقى الغربيون صوت الكمان من خلال ثقافتهم الموسيقية، فيما يتلقاها العرب بالأذن وعبر الإحساس.

*في 2017 كنت الضيف الأول لحفلات الأوركسترا الوطنية اللبنانية للموسيقى الشرق عربية. هل من تعاون جديد مع الكونسرفاتوار اللبناني؟

** نعم هذا التعاون يتكرر أحياناً. تربطني صداقة بالمايسترو أندريه حاج، ودائماً نحضِّر معاً ما يستحق أن نقدمه للجمهور. وقد يكون لي عمل مع المعهد الموسيقي في السنة المقبلة.

*ماذا تعني لك موسيقى “ليلة حب” و”دارت الأيام”؟

**هي موسيقى راقية تحمل كافة المشاعر الصادقة من المحبة، الصفاء والجمال. إنها موسيقى لا تقدر بثمن.

*هل تحمل ذكريات من حفلاتك خاصة في دار الأوبرا المصرية؟

** كانت لي ثلاث حفلات سنوياً مع دار الأوبرا تتوزع بين الإسكندرية والقاهرة. هي من المحطات الجميلة في حياتي حين كانت مديرة الدار الدكتورة رتيبة الحفني رحمها الله. الحفني مميزة كفنانة في تقديرها للفن. لم أعد إلى دار الأوبرا بعد رحيلها. ربما تكون السياسة المتبعة قد تغيرت.

*لمن تدين في نجاحك؟

** لرب العالمين.

*لكل مهنة أضرارها ما هي الأضرار الجانبية لإحتراف عزف الكمان؟

**اضراري ليست جسدية بل حسية ناتجة عن الحال الذي وصله الفن. وناتجة عن الأضرار التي ألحقها بملكة الآلات الكمان. هذه هي الأضرار المزعجة بالنسبة لي فقط.

*وماذا عن اتجاه العنق؟

** أخذ على الكسرة، ومن يسير إلى يساري أدعوه ليبدل إلى جهة اليمين حيث تميل رقبتي. أسعى كي لا يكون الإمساك بالكمان ثابتاً تلافياً للكسرة. أمسكها بطريقة متحركة. وأزور الطبيب متفقداً حالي.

*أين مسقط رأس عائلتك في فلسطين؟

**في الناصرة. نحن من قرية يسوع الناصري.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية