القاهرة ـ «القدس العربي»: انطلقت أمس الثلاثاء جولة جديدة من مفاوضات سد النهضة الإثيوبي، بين وزراء الموارد المائية والري، في كل من مصر والسودان وإثيوبيا، بعد الدعوة التي وجهها ياسر عباس وزير الري والموارد المائية السوداني.
وعقد الاجتماع عبر تقنية «الفيديو كونفرنس» بحضور ثلاثة مراقبين من الولايات المتحدة وجنوب افريقيا ومفوضية الاتحاد الأوروبي.
ومن المقرر أن يناقش هذا الاجتماع الذي سيتواصل حتى الخميس، المسائل الإجرائية المتصلة بدور المراقبين وقضايا التفاوض العالقة.
ويأتى هذا الاجتماع تتويجا للجهود التي بذلها رئيس مجلس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك، وأفضت لموافقة مصر وإثيوبيا على استئناف المفاوضات الثلاثية وصولاً لاتفاق شامل ومرض يستجيب لمصالح الدول الثلاث ويحقق تطلعات شعوبها.
استعداد مصري للتفاوض
بالتزامن، اجتمع مجلس الأمن القومي أمس برئاسة الرئيس عبد الفتاح السيسين لبحث تطورات الوضع في ليبيا وملف سد النهضة.
وقال المجلس في بيان أصدره عقب انتهاء الاجتماع: «تلقت جمهورية مصر العربية الدعوة الصادرة من وزير الري السوداني باستئناف مفاوضات سد النهضة، وإذ تؤكد مصر على موقفها المبدئي بالاستعداد الدائم للتفاوض من أجل التوصل إلى اتفاق عادل ومتوازن يحقق مصالح مصر وإثيوبيا والسودان، فإنها ترى أن هذه الدعوة قد جاءت متأخرة بعد 3 أسابيع منذ إطلاقها، وهو الأمر الذي يحتم تحديد إطار زمني محكم لإجراء المفاوضات والانتهاء منها، وذلك منعاً لأن تصبح أداة جديدة للمماطلة والتنصل من الالتزامات الواردة في إعلان المبادئ الذي وقعته الدول الثلاث سنة 2015».
وتابع: «من جهةٍ أخرى؛ فمن الأهمية التنويه إلى أن هذه الدعوة قد صدرت في ذات اليوم الذي أعادت فيه السلطات الإثيوبية التأكيد على اعتزامها السير قدماً في ملء خزان سد النهضة دون التوصل إلى اتفاق، وهو الأمر الذي يتنافى مع التزامات إثيوبيا القانونية الواردة في إعلان المبادئ، ويلقي بالضرورة بظلاله على المسار التفاوضي وكذلك النتائج التي قد يتم التوصل إليها، ورغم ما تقدم؛ فإن مصر سوف تشارك في هذا الاجتماع من أجل استكشاف مدى توفر الإرادة السياسية للتوصل إلى اتفاق، وتأكيداً لحسن النوايا المصرية المستمرة في هذا الصدد، وطبقاً لما ورد بالدعوة الواردة من وزير الري السوداني».
وحسب الدكتور حسام مغازي، وزير الموارد المائية المصري الأسبق، فإن «مصر لن تمانع عملية الملء الأولى خلال موسم الأمطار المقبل، شرط أن تكون ضمن اتفاق شامل يحدد قواعد ملء وتشغيل السد طوال الوقت».
أما رئيس وحدة السودان في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، هاني رسلان، فقال إن العودة للتفاوض حول سد النهضة انتصار لمؤسسات الدولة المصرية، مضيفًا: أن إثيوبيا تراجعت بشكل كامل عن الصيغة التي كانت تطرحها بأن (النهر نهرنا والماء ماؤنا ونفعل ما نشاء)، وذلك لأنها تدرك أن ساعة الحقيقة قد حانت.
وأضاف في تصريحات متلفزة، إن حضور ثلاثة مراقبين من الولايات المتحدة وجنوب أفريقيا والمفوضية الأوروبية في مصلحة مصر وليس ضدها، وهو توسيع للصيغة التي كانت قائمة في مفاوضات واشنطن، كما أن الموقف المصري متطابق بشكل كامل مع القانون والعرف الدوليين، ومع كل السوابق في أحواض الأنهار «وليس هناك ما نخشى منه».
انطلقت بحضور ثلاثة مراقبين من الولايات المتحدة وجنوب افريقيا ومفوضية الاتحاد الأوروبي
وتابع: الموقف السوداني هذه المرة سيكون ضاغطا على إثيوبيا، والتصريحات الرسمية السودانية واضحة وتؤكد بأن الملء بدون وجود اتفاق سيشكل خطرا مباشرا على السدود السودانية التي تقع أسفل السد الإثيوبي مباشرة، وخاصة سد الروصيرص. وهذا يعني أن السودان قد تحقق من أن نار المرواغات الإثيوبية قد بدأت تمتد إلى داخل البيت السوداني.
يشار إلى أن الدول الثلاث تمكنت خلال الجولات السابقة التي امتدت منذ عام 2013 حتى عام 2020 من التوصل الى توافق حول معظم القضايا المطروحة على طاولة المفاوضات، فيما تبقى عدد قليل من القضايا العالقة التي تأمل الأطراف الثلاثة الاتفاق بشأنها ومنها سنوات ملء خزان السد.
ورعت واشنطن في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، محاولات لتقريب وجهات النظر بين القاهرة وأديس أبابا والخرطوم، تكللت في فبراير/ شباط الماضي، بتوقيع مصر بالأحرف الأولى على اتفاق للملء وتشغيل السد.
هذا الاتفاق الذي رعاه البنك الدولي أيضا، اعتبرته القاهرة «عادلا»، وسط رفض إثيوبي، وتحفظ سوداني، وإعلان مصري في منتصف مارس/آذار الماضي عن توقف المباحثات مع إثيوبيا.
وتتخوف القاهرة من تأثير سلبي محتمل للسد على تدفق حصتها السنوية من مياه نهر النيل البالغة 55.5 مليار متر مكعب، في حين يحصل السودان على 18.5 مليار.
وتبدأ إثيوبيا ملء السد، الذي أنجزت منه إلى الآن 73 في المئة من عمليات بنائه، في يوليو/ تموز المقبل، فيما اعتُبر تحديا صارخا للمواثيق الدولية.
وبدأت إثيوبيا أعمال إنشاء السد عام 2011 على النيل الأزرق (الرافد الرئيسي لنهر النيل) بهدف توليد الكهرباء. فيما تخشى مصر من تأثيره على حصتها من المياه البالغة 55.5 مليار متر مكعب.
«لن يعود بالضرر»
وأكد رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، الإثنين، اعتزام بلاده استكمال سد «النهضة»، رغم تعثر المفاوضات بشأنه.
وقال خلال الجلسة الافتتاحية للدورة البرلمانية لمجلس النواب الإثيوبي، إن مشروع سد النهضة لن يعود بالضرر على أي طرف، وإن بلاده لا تسعى لإلحاق الأذى بالآخرين.
والأربعاء، أعلنت مصر إبلاغ روسيا وألمانيا وإيطاليا، قبولها استئناف مفاوضات سد «النهضة»، مشددة على رفضها أي إجراءات أحادية من جانب أديس أبابا دون اتفاق.
وفي 6 مايو/ أيار الماضي، تقدمت مصر رسميا بخطاب لمجلس الأمن، لبحث «تطورات» سد النهضة الإثيوبي، المتوقفة مفاوضاته منذ أشهر.
وقال وزير الخارجية المصري سامح شكري، في بيان آنذاك، إن الخطاب تطرق إلى أهمية تسوية هذا الملف بشكل عادل ومتوازن للأطراف المعنية الثلاثة (القاهرة والخرطوم وأديس أبابا) بما يضمن الأمن والاستقرار في المنطقة. وأمس أجرى شكري اتصالاً مع نظيره البريطاني دومينيك راب، وفق بيان لسفارة لندن لدى العاصمة القاهرة.
وقال البيان إن الجانبين «اتفقا على أهمية تعزيز التنسيق حول القضايا الإقليمية، بما في ذلك قضية سد النهضة (الإثيوبي)».
كما ناقش الوزيران تطورات الأوضاع في ليبيا، وسبل تعزيز التضامن الدولي لمواجهة فيروس كورونا، وفق البيان ذاته.