تونس – «القدس العربي»: عندما تهدر جنبات «ملعب البيت « في الدوحة مؤذنة بافتتاح مونديال قطر 2022، مَنْ سيتذكر جول ريميه؟
من لم يقرأ حكاية كأس العالم المثيرة لن يتذكر، ومن يعيش ترف المونديال ويتابع من مقاعد وثيرة لن يتذكر، لكن دعونا نقول إنه الأب الروحي لكأس العالم وصاحب فكرة إقامتها، وبفضل جهوده الحثيثة أبصرت هذه البطولة النور وظلت الكأس باسمه منذ النسخة الأولى الى أن احتفظ بها منتخب البرازيل عام 1970 بعد تتويجه الثالث بها في المكسيك.
الفرنسي «جول ريميه «كان من رواد تنظيم مأسسة الكرة الفرنسية فأصبح رئيساً للاتحاد الفرنسي لكرة القدم عام 1919، واستمر في هذا المنصب لثلاثين عاماً، وبموازاة عمله في الكرة الفرنسية كان ينشط في الاتحاد الدولي لكرة القدم فانتخب في 1 مارس/آذار 1921 رئيساً له واستمر في منصبه أكثر من ثلاثة عقود (33 سنة و3 شهور و20 يوما) حيث أطلق فكرة تنظيم مسابقة تسمّى كأس العالم وتحقق حلمه عام 1930 في الاوروغواي، لكن ما بين الاوروغواي 1930 وقطر 2022 جرت مياه كثيرة في سواقي الفيفا وتضخمت المؤسسة الكروية لتصبح قوة اقتصادية عالمية، ما أدخلها في نفق مظلم من الفساد المالي والاقتصادي، متخلية عن رومانسية كرة القدم خطوة بعد خطوة!
ومع خروج الإنكليزي ستانلي روس من رئاسة الفيفا وتولي البرازيلي جواو هافيلانغ الرئاسة عام 1974، تحولت كرة القدم كما وعد الرئيس الجديد في تصريحه الاول إلى سلعة! الفوز بالمنصب كان مجرد بداية لهافيلانغ لان مهمته الأساسية لم تكن قد بدأت بعد فكان هورست دازلر سليل امبراطورية أديداس خطوته الاولى لعقود الرعاية والحقوق، حتى تمكن من ان يكون في الظل المحرك الاساسي لشركة ISL التي هيمنت على مسابقات الفيفا تجارياً فكانت كرة القدم منجماً من الذهب لها ولهافيلانغ، وتحول الاتحاد الدولي لكرة القدم من مؤسسة تضم 11 موظفاً عندما أتى هافيلانغ الى واحدة من أقوى المؤسسات الاقتصادية في العالم، ومع السيطرة كان هافيلانغ يصرح بجرأة دائماً: «أقبض على الفيفا بقبضة من حديد في قفاز من حرير» (وهي المقولة الشهيرة لنابليون بونابرت) لذا لم يفت في عضده الكتاب الفضائحي «كيف سرقوا اللعبة»، وبقيت كلمة السر لديه لمن حوله «الولاء» ولا شيء غير الولاء، لذا غادر الفيفا عام 1998 بدون ان يهتز أمام الانتقادات، وأطاح بالاحلام الأوروبية بخلافته فسلم منصبه لتلميذه بلاتر الذي دفع ثمن عبثه وعبث معلمه هافيلانغ بمقدرات كرة القدم بطرده من منصبه بشكل مذل.
هافيلانغ رحل، وبلاتر غادر، والاثنان غير مأسوف عليهما، وكرة القدم ما زالت تنتظر من ينقذها ويعيد لها بريقها المَنْسي؟ صراحة، لا يلوح في الأفق ما من شأنه أن يوحي بنية «ربان» الفيفا الحالي جاني انفانتينو في تغيير المسار الذي اتبعته القيادات السابقة، بل هو انتهج سياسة تثير الكثير من الجدل والانتقادات فقد خلا له الجو أكثر ممن سبقوه ليقود جمهورية كرة القدم بطريقة «الوان مان شو»! الرجل تخلص من جلباب مقدم الحفل السنوي للفيفا ومراسم القرعة أو ما شابه من مناسبات ليزيح من طريقه من هم «شاهدون على العصر» محدثا انقلابا ناعما في المبنى الشهير بمدينة زيوريخ السويسرية. سنذكر «انجازا» للرجل، يعكس بصدق نواياه في ادارة الفيفا على هواه: لقد حشر أنفه في انتخابات الاتحادات القارية حتى يضمن «الولاء» ويحصّن بقاءه في كرسي الرئاسة، ما يجعله قادرا على تمرير اختياراته وتجلى ذلك في رفع عدد المشاركين في كأس العالم 2026 الى 48 منتخبا في نسخة لا تشبه سابقاتها حيث ستكون الاستضافة «ثلاثية الأبعاد» أمريكية-كندية-مكسيكية.
كان واضحا سبب تدخله السافر في انتخابات الاتحادات القارية، فهو لا يريد لها أن تفرز من يعلو بصوت معارض لمشاريعه «التجارية» التي لا تسبب غير الارهاق وخنق أنفاس اللاعبين بمزيد من المباريات.
انفانتينو حشر أنفه بشكل واضح في انتخابات الاتحاد الافريقي حين «أوصى» باختيار الجنوب افريقي موتسيبي للرئاسة بل لم يتردد في دعمه علنا من خلال جولة افريقية مرّر فيها «كلمة السر». وكانت النتيجة انسحاب المتنافسين لتكون التزكية هي الفيصل وبذلك ضمن انفانتينو 55 صوتا من القارة السوداء! ألم يكن الاتحاد الافريقي أول اتحاد قاري صوّت بالاجماع على مشروع تنظيم كأس العالم كل سنتين الذي اقترحه رئيس جمهورية كرة القدم؟