جون بولتون في «الغرفة التي شهدت الأحداث»: يحاول التملص من تهمة خيانته لترامب ويُتَّهم بالتحريض على الحروب في الشرق الأوسط

سمير ناصيف
حجم الخط
0

قضية الخلاف بين الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته دونالد ترامب ومستشاره السابق لشؤون الأمن القومي جون بولتون تكتسب أهمية لكونها تشير إلى نشوء شرخ في قيادة الحزب الجمهوري الأمريكي ستتضح معالمه في الحملة الانتخابية المقبلة للانتخابات الرئاسية لعام 2024 وانتخابات الكونغرس قبل ذلك.
هذا الشرخ ما زال خلف الستار بانتظار انتخابات عضوي الكونغرس في ولاية جورجيا بعد بضعة أسابيع.
جون بولتون الذي تردد ترامب قبل تعيينه مستشاراً للأمن القومي، ينتمي إلى مجموعة “المحافظين الجدد” في الحزب الجمهوري الذي قاده نائب الرئيس الأمريكي الأسبق ديك تشيني ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد في ولايتي الرئيس جورج بوش الابن من عام الألفين وحتى عام 2008. أما ترامب فقد أنتج خلال ولايته الرئاسية (2016 إلى 2020) مجموعة يمينية متطرفة شأنها شأن “المحافظين الجدد” في الحزب الجمهوري ولكنها أكثر شعبوية وأقل خبرة وحذراً سياسيين يسميها البعض “الترامبية” وهناك طبعاً الجمهوريون التقليديون في مجلس الشيوخ حالياً بقيادة رئيس الأكثرية الجمهورية في المجلس ميتش ماكونيل وأعوانه.
صدَر مؤخراً كتاب لجون بولتون بعنوان: “الغرفة التي شهدت الأحداث، مذكرات من البيت الأبيض” (تُرجم إلى العربية) يدافع فيه بولتون عن مواقفه ويركّز على أخطاء أرتكبها ترامب بحقه، مع أن علاقتهما في بداية عمله كمستشار للأمن القومي، وحتى قبل ذلك، كانت جيدة إلى أن اقتنع ترامب بأن بولتون يسرب إلى الصحف الأمريكية البارزة معلومات سرية حول اتصالات ملتوية أجراها الرئيس الأمريكي للضغط على حكومة أوكرانيا والتي كان هدفها فضح تعاملات نجل الرئيس الأمريكي المُنتخب جو بايدن (هانتر) وتسهيل بايدن الأب مثل هذه العمليات المربحة لابنه عندما كان نائبا للرئيس.
يؤكد بولتون في خاتمة الكتاب انه لم ينفذ شخصياً أي تسريبات في هذا الشأن وان جهات ثالثة استخدمت مسوّدات كتابه من دون معرفته.
على انه لا يُخفى على الكثيرين من المطلعين على السياسة الأمريكية وأدوار بولتون السابقة والحالية كونه من مخضرمي هذا النوع من الممارسات بالإضافة إلى طموحاته الكبيرة للحلول في مناصب أعلى في القيادة الأمريكية بسبب التزاماته الكبيرة للشخصيات والمجموعات الصهيونية المتطرفة جداً في أمريكا وإسرائيل التي تشجع وتدعم سياسات معادية للفلسطينيين والعرب وإيران.
يؤكد بولتون في الفصل الأول معارضته الشديدة للاتفاق النووي مع إيران لعام 2015 ويشجب ما سماه “التكتل الثلاثي” لوزير الدفاع السابق جيمس ماتيس ووزير الخارجية السابق ريكس تيليرسون ومستشار الأمن القومي السابق هيربرت ماكماستر الذي أحبط (في البداية) جهود ترامب للتحرر من هذا الاتفاق. (ص 29)
كما يشير إلى انه حذّر ترامب من “هدر الرأسمال السياسي الأمريكي في محاولته البحث عن حل سياسي بالتوافق للصراع العربي ـ الإسرائيلي، وشدد على أهمية نقل سفارة الولايات المتحدة من تل أبيب إلى القدس والاعتراف بها كعاصمة لإسرائيل واللجوء إلى القوة في مواجهة البرنامج النووي الإيراني”. ويضيف: “قال لي ترامب ان أبلغ نتنياهو أن الرئيس الأمريكي سيدعمه إذا قرر اللجوء إلى القوة في مواجهة إيران وانه أبلغه ذلك سابقاً، والآن يكرره”. (ص 31)
ولا يتحفظ بولتون عن فضح وقوع مواجهة حدثت في البيت الأبيض بين ترامب، وماتيس وتيليرسون وماكماستر، حول مسألة التصديق على إمتثال إيران للاتفاق النووي، وذلك في 16 تموز (يوليو) 2017 حينما رضخ ترامب لمعاونيه الثلاثة على مضض. وبعد ذلك اتصل ببولتون وأبلغه “عدم رضاه على الطريقة التي تمت فيها المصادقة على إمتثال إيران للاتفاق النووي وطلب منه الحضور الأسبوع التالي لمتابعة القضية وإمكان وضع خطة للانسحاب من الاتفاق النووي. (ص 33 و34)
وفي الوقت ذاته، كان جاريد كوشنر يتصل ببولتون (أيضاً قبل تعيينه مستشاراً للأمن القومي) ويطلب لقاءه للمشورة حول سياسات أمريكا تجاه إيران وفي الشرق الأوسط عموماً، وتم ذلك في آب (أغسطس) 2017. أي انه حتى تلك المرحلة، كان بولتون يقدم المشورة لترامب وكوشنر، خلف الستارة، وقبل تعيينه مستشاراً. وشعر آنذاك بولتون بثقة كبيرة وبدأ ينشر مقالاته في الصحف الأمريكية بان القرار بشأن إيران يخضع للمراجعة اليومية وانه نصح الرئيس ترامب بتصنيف “الحرس الثوري الإيراني” كمنظمة إرهابية رغم أن ماتيس كان يعارض هذا الموقف لإمكان انعكاسه السلبي الخطير على القوات الأمريكية العسكرية في العراق وسوريا والخليج (ص 36). كما يفخر بولتون بانه حث الرئيس ترامب على الانسحاب من “مجلس حقوق الإنسان” التابع للأمم المتحدة عبر دفع كوشنر لاقناع ترامب بهذا الموقف وبقطع تمويل “منظمة غوث اللاجئين الفلسطينيين” (الأونروا) التي تؤمّن الحياة والعلم للفلسطينيين، مما دفع كوشنر إلى ابلاغ بولتون بانه “من أفضل المؤهلين لتسلم وزارة الخارجية أو أي منصب قريب من ذلك”. (ص 37) وتم ذلك عبر تعيين بولتون مستشاراً للأمن القومي. (ربما لأن كوشنر كان يطمح أن يصبح هو وزيراً للخارجية).
ونصح بولتون بتوجيه ضربة وقائية لكوريا الشمالية لتعاونها تسليحياً مع إيران وسوريا، وخصوصاً في مجال التسلح الصاروخي. وكان ترامب يستجيب بشكل غير رسمي لنصائح بولتون ويبلغه حذره من سياسات تيليرسون وماتيس واستئثارهما بالقرارات الحاسمة في سياسة أمريكا الخارجية والدفاعية. وفي 21 آذار (مارس) 2018 اتصل ترامب ببولتون وأبلغه تعيينه مستشاراً للأمن القومي مكان ماكماستر. وهذا القرار أصبح في حيز التنفيذ في 9 نيسان (ابريل) 2018. وظل بولتون في هذا المنصب حتى استقالته (أو دفعه للاستقالة) في 10 أيلول (سبتمبر) 2019 بعد ما تخلى ترامب عن نصائحه التصعيدية المندفعة نحو الحروب التي مارسها مع حلفائه “المحافظين الجدد” عندما غزوا العراق ودمروه عام 2003 وما زالت أمريكا تدفع ثمن هذه السياسات الخطيرة.
ولكن مَنْ كان أول المرحبين بتعيين بولتون مستشاراً للأمن القومي الأمريكي؟
بالطبع إنه عراب الصهيونية والتنكيل بالحقوق العربية والفلسطينية الأول هنري كيسنجر! يقول بولتون: “أول من اتصل بي لتهنئتي على منصبي الجديد كان كيسنجر الذي قال لي انه يثق بي تمام الثقة وانني قادر على تولي الأمور بنجاح”. (ص 47)
أما ترامب فاستمر في اتصالاته ببولتون معبراً عن غضبه من تيليرسون واعتباره “فظيعاً” وخصوصاً لتخصيصه مئتي مليون دولار لإعادة تعمير سوريا. وقال ترامب لبولتون آنذاك (في اليوم السابق لعيد الفصح عام 2018): “أريد تعمير بلادي وليس تعمير بلاد الآخرين. أعلم انك قادر على معالجة هذه المسألة” وبعد يومين، قال ترامب لبولتون: “أريد الخروج من هذه الحروب المشينة فيما يريد قسم من مستشاريّ البقاء لمحاربة داعش. أننا نحارب داعش من أجل دول معادية لنا (روسيا وإيران وسوريا). ماذا يجب ان نفعل؟”. (ص 49 وص 50)
يظهر في ما ورد في الكتاب، ان ترامب اعتمد على جون بولتون أكثر من اعتماده على معاونيه الأكفّاء في الشؤون العسكرية والسياسة الخارجية، ولكنه (كالعادة) اكتشف ان لدى بولتون أجندته الخاصة، هو وأمثاله من “المحافظين الجدد” الذين استمروا في العمل في إدارته ولكنهم لم يحققوا إنجازات واضحة في أمريكا اللاتينية وأفريقيا والشرق الأوسط ولا في العلاقة بتركيا لكون أجنداتهم اعتمدت بشكل رئيسي على الحملات العسكرية الخطيرة لحل المشاكل السياسية وفضلتها على الدبلوماسية.
بولتون يقول في الكتاب إنه استقال كمستشار للأمن القومي في 10 أيلول (سبتمبر) 2019 ولكن خبراء آخرين يقولون أنه دُفع للاستقالة عندما فقد ترامب ثقته به بسبب تسريباته حول شؤون سرية متعلقة بأوكرانيا إلى الصحافة. يقول بولتون في الخاتمة: “كنت أعرف أكثر مما أود معرفته عن قضية ترامب وأوكرانيا، ولكنني لم أكشف معلومات سرية عن الموضوع وخصوصاً عن محاولات ترامب الضغط على المسؤولين الأوكرانيين للإفصاح على معلومات تدين جو بايدن وابنه هانتر في صفقات مالية ملتوية هناك”. ترامب، حسب رأيه “خشي استخدام المعلومات عن تدخله في أوكرانيا لعزله من منصبه ولم أكن متأكداً من ان هذه القضية ستؤدي إلى عزله. كانت آرائي في هذه القضية متضاربة. ولكن ترامب ساوره القلق من استخدامها ضده في الانتخابات الرئاسية فتوجه نحو الاستعجال في حسمها. وكان من الأفضل معالجتها بشكل محترف ومتأنٍ ومتقن، فلا يحق للرئيس التلاعب بهذا الموضوع لاسباب شخصية. (ص 478). ويضيف: “لا يحق للرئيس أن يسيء استخدام السلطات الممنوحة له لأهدافه الشخصية ولا الضغط على وزارة العدل وتحويل القضية إلى قضية حزبية انتخابية”. (ص 479)
ثم يستطرد قائلاً: “كنت مستعداً للادلاء بشهادتي أمام مجلس الشيوخ لو أصدَر المجلس مذكرة إستدعاء لي. ولكن مجلس الشيوخ رفض الاستماع إلى أي شاهد ومضى في تبرئة ترامب. وأنا لم أسرّب أي معلومات إلى صحيفة “نيويورك تايمز” حول الموضوع. وربما جهة ثالثة فعلت ذلك من ناشري كتابي”. (ص 481 ـ 483)
هذه الوقائع تثبت أن بولتون، شأنه شأن عدد من “المحافظين الجدد” الذين خدعوا الرئيس الأمريكي المتسرع السابق جورج بوش الابن كانت لديهم أجندتهم الخاصة بهم وحدهم وهم “لا يؤيدون اليد التي تطعمهم” كما يقول المثل الأمريكي الشائع.
لقد عمل ديك تشيني ورامسفيلد وولفويتز وبول بريمر وبولتون حسب مشروعهم دافعين جورج بوش الابن إلى مغامرته الفاشلة في العراق عام 2003. واستمر بولتون في ممارسة هذا النهج، هو ومن تبقى من “المحافظين الجدد” في إدارة ترامب، كايليوت ابراهامز وجون هانا وغيرهم. وحبذا لو تدرك إدارة الرئيس المنتخب جو بايدن الجديدة ضرورة إقصاء مثل هؤلاء عن القرارات السياسية الخطيرة وخصوصاً بالنسبة لقضايا الشرق الأوسط وبالتحديد القضية الفلسطينية. فهم أسوأ من الصهاينة في بعض المجالات، لأن أجندتهم ليست أيديولوجية دينية بل استعمارية عنصرية. وجون بولتون من أبرزهم في هذا المجال.
وعندما يتحفظ بولتون على كون ترامب راقبَ ولاحقَ عملية نشر كتابه من الصعب جداً التفاعل معه ومع تفسيره بان ترامب كان يخشى ان يُستخدم الكتاب ضده في الانتخابات الرئاسية، ولذلك اتهمه بالخيانة، بل نتحفظ إزاء الشخصيتين ومثلهما الأخلاقية.
جون بولتون ربما لم يرغب بخيانة ترامب، ولكن مواقفه السياسية عموماً إزاء فلسطين وغزو العراق وتشجيعه على قصف الدول العربية والمقاومة عسكرياً والانسحاب من “الأونروا” ومن “مجلس حقوق الإنسان” “خائنة” للقيم الإنسانية. وقليلون سيتعاطفون معه، فهو ليس ضحية، بل هو “مرتكب” وقليلون سيذرفون الدموع على خروجه من الإدارة الامريكية من دون عودة.

جون بولتون: “الغرفة التي شهدت الاحداث. مذكرات من البيت الأبيض”.
المترجم والناشر: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر
بيروت، لبنان 2020
486 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية