يتحدث كثير من المؤرخين والخبراء في شؤون الشرق الأوسط وفي دور الدول الكبرى في هذه المنطقة، عما يسمى العلاقة الخاصة سياسياً وعسكرياً بين بريطانيا والولايات المتحدة. هذه العلاقة التي بدأت منذ زمن ونمت خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، وتمحورت بشكل خاص في منتصف وأواخر القرن العشرين من خلال العلاقة القوية بين رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت ثاتشر مع الرئيس الأمريكي رونالد ريغان، ثم في تلازم المواقف بين رئيس الوزراء البريطاني توني بلير والرئيس الأمريكي جورج بوش الابن، والتي يسعى إلى احيائها حالياً زعيم حزب المحافظين ورئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون مع خليفة ريغان وبوش الابن في قمة السلطة الأمريكية الرئيس دونالد ترامب.
وهنا تكمن أهمية كتاب صَدَرَ مؤخرا في بريطانيا بعنوان “لوردات الصحراء، الصراع البريطاني ـ الأمريكي للسيطرة على الشرق الأوسط” لمؤلفه الباحث المتخصص في هذا الشأن جيمس بار، الذي استقى معلوماته من خبرة شخصية ومصادر أولية في مراكز الأبحاث البريطانية والأمريكية العريقة.
يوضح بار في المقدمة أن صراعاً سياسياً شديداً نشأ بين قيادة بريطانيا في منتصف القرن الماضي، أي تحت قيادة رئيس الوزراء البريطاني آنذاك ونستون تشرشل ووزير خارجيته انتوني ايدن، من جهة، مع الرئيس الأمريكي دوايث ايزنهاور ووزير خارجيته جون فوستر دالاس، من جهة أخرى، حول التعامل بشكل خاص مع القيادة الإيرانية والقيادة المصرية في خمسينيات القرن الماضي بحيث حدث تعاون بينهما بشأن إزاحة رئيس الوزراء الإيراني القومي النزعة محمد مصدق، وإعادة السلطة إلى شاه ايران، فيما اختلفت القيادتان الأمريكية والبريطانية إزاء الرئيس المصري جمال عبد الناصر بحيث أرادت بريطانيا القضاء على سلطته والتخلص منه كلياً فيما رغبت أمريكا في التعامل معه خشية من انحيازه إلى المعسكر السوفييتي ـ الشيوعي (آنذاك) في روسيا وأوروبا الشرقية.
ويوضح بار أن مرحلة خمسينيات القرن الماضي شكلت انتقال الهيمنة الأجنبية الامبريالية على الشرق الأوسط من الإمبراطورية البريطانية إلى الرأسمالية السياسية الأمريكية. وقد بدأ الدور الأمريكي السياسي يتصاعد تدريجياً بعد أن كان في أواخر الأربعينيات، وقبل بدء ولاية ايزنهاور، دوراً اقتصادياً نفطياً بشكل أساسي.
وتمثلَ الدخول الأمريكي إلى المنطقة أولاً في إنشاء شركة “أرامكو” النفطية في السعودية التي أصبحت لاحقاً منافسة رئيسية لشركة النفط البريطاني-الإيراني. ومما فعلته “أرامكو” كان تقاسم أرباح النفط في السعودية بالمناصفة مع حكام المملكة، فيما رفضت شركة النفط البريطانية في إيران القيام بهذه الخطوة ما دفع رئيس الوزراء الإيراني آنذاك محمد مصدق إلى تحديها واعتماد مبدأ التأميم ضد مصالحها. هذا الأمر أثار حفيظة قيادة بريطانيا، وقررت التآمر للإطاحة بمصدق واستبداله برئيس وزراء آخر وتعزيز سلطة شاه إيران التي كان مصدق يعتبرها فخرية رمزية.
وسعى وزير الخارجية البريطاني ايدن إلى إطالة الدور البريطاني الامبريالي في المنطقة عموماً إلى الأقصى معتبراً أن خصوم بريطانيا العظمى كانوا بشكل خاص ثلاثة وهم القوميون الإيرانيون بقيادة مصدق في إيران والقوميون العرب بقيادة جمال عبد الناصر في مصر والصهاينة في إسرائيل. أما القيادة الأمريكية، فكان خصمها الأساسي، حسب منطق ايزنهاور وفوستر دالاس، النظام الشيوعي السوفييتي وتغلغله في المنطقة. وظن ايدن (حسب المؤلف) انه سيستقطب القيادة الأمريكية في كل معاركه، ولكن مشروعه هذا فشل ما دفعه إلى اعتماد سياسات مواجهة مكلفة ضد المصالح الأمريكية كانت قمتها فشله في حملة السويس العسكرية التي نظمها مع الفرنسيين والإسرائيليين ضد مصر وأفشلها الرئيس عبد الناصر بدعم من الأمريكيين ومن شعبه.
وفي الفصل (13) من الكتاب، يقول بار إن علاقة أمريكا الجيدة بمصر بدأت مع قائد الانقلاب المصري في عام 1952 اللواء محمد نجيب، وتطورت مع قائد الثورة المصرية الفعلي جمال عبد الناصر في عام 1954 بعد تسلمه مقاليد السلطة في مصر. إحدى مشاكل الوزير ايدن والأمنيين الأمريكيين الذين تعاونوا معه للإطاحة بمحمد مصدق في إيران انهم استبدلوا مصدق بقائد عسكري آخر هو الجنرال زاهدي بعد أن نجحوا في إثارة وتحريض الشارع الإيراني ضد مصدق بحجة أنه كان يسعى إلى إزالة سلطة الشاه ويتعاون مع الشيوعيين، ولكن مثل هذه الحجة، حسب المؤلف، لم تكن لتنجح عندما حدث خلاف بريطاني مع عبد الناصر، أولاً لأن الجمهور المصري لم يكن من السهل إثارته للمطالبة بعودة الملك فاروق، وثانياً لأن القيادة الأمريكية اعتبرت عبد الناصر (في بداية ولايته) مستعداً للحوار والتعامل معها، ولكنها بدلت رأيها بعدما اتجه الرئيس المصري إلى استيراد السلاح من الاتحاد السوفييتي وإلى مواجهة ما سُمي “حلف بغداد” الذي ضم دولاً عربية مؤيدة لبريطانيا وأمريكا على حساب مصر والقومية العربية، وفي طليعة تلك الدول العراق الذي أدار سياسته آنذاك رئيس الوزراء نوري السعيد، الخصم الرئيسي لعبد الناصر.
ومن المفيد في هذا الكتاب ورود بعض المعلومات الخاصة الداعمة للتحليلات فيه، ففي الصفحة (157) يشير بار إلى ان الرئيس ايزنهاور اعتمد بشكل رئيسي على وزير خارجيته جون فوستر دالاس، الذي كان قوياً جدا في السياسة الخارجية والسياسة الأمنية العالمية والذي لم يشعر بالود إزاء سياسة بريطانيا الخارجية وقادتها تشرشل وايدن، بل رأى أن أمريكا يجب أن تقود المنطقة.
كما اعتبر دالاس أن سياسة بريطانيا في إيران وتحجّرها في التعامل مع القيادة الإيرانية في الشأن النفطي كان قد يؤدي إلى تسلم حزب “تودة” الشيوعي الإيراني السلطة هناك، فيما كانت أمريكا تنشر خبراء أمنيين محترفين للتعامل مع مصر والسعودية ودول المنطقة وبينهم شقيقه آلان دالاس الذي عينه مديراً لوكالة الاستخبارات المركزية، والعميل البارز كيم روزفلت الذي نجح في إثارة الشارع الإيراني ضد مصدق ومايلز كوبلند، الذي أصبح مقرباً جداً من الرئيس عبد الناصر. وبنظر فوستر دالاس فإن القيادة البريطانية تعاملت بفوقية وبمنطق استعماري مع قيادات المنطقة كان سيؤدي حتما إلى المواجهة. وشعر (هو وايزنهاور) أن الوقت حان لقضم أجنحتها فكانا يتعاونان معها في إنشاء “حلف بغداد” وفي نزع السلطة من محمد مصدق، ولكن ليس لتثبيت دور بريطانيا الامبراطوري بل ربما للحلول مكانها. والنتيجة في إيران كانت أن شركات أمريكية أصبحت تملك الحصة الأكبر في مؤسسة النفط الإيراني آنذاك وان ايزنهاور ودالاس أوقفا الحملة العسكرية البريطانية ـ الفرنسية ـ الإسرائيلية ضد عبد الناصر عام 1956 كما دعما تغيير الأنظمة العربية التي كان لبريطانيا الدور الرئيسي فيها وصعدا أنظمة بقيادة عسكريين على شاكلة عبد الناصر لقيادتها.
ويقول بار إن ونستون تشرشل سافر إلى أمريكا، بعد فوز الجمهوريين بالرئاسة للقاء ايزنهاور ودالاس وظن انه سيتوصل إلى تمتين العلاقة البريطانية ـ الأمريكية بفعل هذه الزيارة، ولكن المسؤولين الأمريكيين الأثنين وصفا تعامله معهما بنوع من “سذاجة الأطفال” التي تعتبر أن كل الحلول ممكنة عبر العلاقات العامة في التعاون والتحالف الأمريكي ـ البريطاني فقط خصوصاً وأن تشرشل كان يدعو إلى عدم إحداث تغييرات رئيسية في أوضاع المنطقة فيما كانت القيادة الأمريكية تسعى إلى ذلك لتعزيز دورها هناك. وعندما تعاملت القيادة الأمريكية مع تشرشل بحذر لم يكن يتوقعه شن رئيس الوزراء البريطاني حملة إعلامية قوية ضدهما، وخصوصا ضد دالاس. كما اتهم ايزنهاور بالسذاجة (ص 159).
ومما ساهم في دخول أمريكا في الحملة لإسقاط مصدق (حسب المؤلف) كانت العداوة الشخصية بين آلان دالاس ورئيس الوزراء الإيراني، بالإضافة إلى أن شركة “أرامكو” الأمريكية ـ السعودية كانت تستفيد ماديا من مواجهة مصدق مع شركة النفط الإيرانية ـ البريطانية. ولكن عندما هدد المسؤول الإيراني بتخفيض سعر البرميل النفطي بنسبة خمسين في المئة، خشي الأمريكيون من هبوط السعر العالمي والضرر بأرامكو. وأشار آلان دالاس إلى أن مثل هذا التعامل من جانب مصدق مع أسعار النفط سيؤدي إلى أزمة سياسية واقتصادية في المنطقة سيستفيد منها الشيوعيون. وبعد ان كان ايزنهاور يسعى إلى التفاوض والتوصل إلى حل مع محمد مصدق تبدلت مواقفه بسبب ما أحدثه مصدق من اهتزازات اقتصادية في هذا المجال وتم التوافق مع البريطانيين على ضرورة إسقاطه، ولكن ليس تعاطفاً مع الموقف البريطاني. وآنذاك أُرسل كيم روزفلت لإشعال ثورة ضد مصدق، فشلت في مراحلها الأولى، ولكنها نجحت لاحقا.
غير ان كيم روزفلت نفسه كُلف بمهمة التقارب مع عبد الناصر في مصر عام 1954 ونجح في فعل ذلك وفي التنسيق مع القائد المصري في عملية خروج القوات البريطانية من محيط قناة السويس. ورفض وزير الخارجية الأمريكي دالاس التعاون بفوقية مع عبد الناصر وأبلغ نظيره البريطاني ايدن أنه لن يهدد عبد الناصر بوجود تحالف أمريكي ـ بريطاني ضده.
وهنا من المفيد المقارنة بين مواقف دالاس وايزنهاور مع مواقف جورج بوش الابن وتوني بلير في تعاملهما مع العراق وفي شن حملة عسكرية ضده. فقد نجح الرئيس ايزنهاور والوزير دالاس في التعامل الفاعل مع عبد الناصر ولكن في ضبطه في الوقت عينه، بينما حدث العكس في العراق عام 2003 بعد الغزو الأمريكي البريطاني للبلد.
والأمر الذي أفشل التعاون الأمريكي ـ المصري الذي حصل في مطلع عهد عبد الناصر كان مرتبطاً بمحاولات إسرائيل فرض مفاوضات على عبد الناصر وبقرارات الكونغرس الأمريكي بوقف تمويل سد أسوان والتردد الأمريكي في تسليح الجيش المصري وتقديم المساعدات الاقتصادية لمصر بقيادة عبد الناصر.
وقد أدرك دالاس وايزنهاور وكيم روزفلت ان التقاعس في دعم عبد الناصر عسكرياً واقتصادياً سيؤدي إلى انتقاله للتعاون مع المعسكر السوفييتي، ولكنهم لم يدركوا أن هذا التعاون سيكون بهذا الزخم وسينجح في استمالته باتجاههم. كما أن ضغوط أمريكا على عبد الناصر للتفاوض مع إسرائيل في عملية سميت “آلفا” أساءت تقدير دوافع هذا القائد المصري الشاب الملتزم القومية العربية والدفاع عن فلسطين.
James Barr: “Lords of The Desert”
Simon and Schuster, London/New York, 2018
401 Pages.