مع نهاية الحرب العالمية الأولى وبداية الاستعمار الغربي بتمزيق البلاد العربية، بدأت أعراض خبيثة بالظهور في الفكر الثقافي العربي، ترمي إلى تصوير القرون الخمسة من الحكم العثماني حاجزاً بين العرب وبين ماضيهم الحضاري والثقافي، بشكليه المشرقي والأندلسي. وبدأ الاستعمار الغربي في التغلغل ثقافيا إلى الفكر العربي، بتصوير المدنية الأوروبية، ولا أقول الحضارة، مطلباً للعالم العربي الجديد، بعد ركود وتخلّف في العهود العثمانية. بدأ ذلك في مجال الطب والعلاج والأدوية الأوروبية الجديدة على المنطقة، كما بدأ على المستوى الثقافي، باستئناف محاولة لم تنجح في إقامة جامعة في الموصل العراقية على أيدي المبشرين اليسوعيّين، وقبلها تحول النشاط إلى لبنان بإقامة الجامعة ببيروت. وبدأت حملات التبشير المسيحية بإدخال مفهومات جديدة على المسيحية بشكل كنائس لم تعرفها فلسطين مولد الدين المسيحي، ولا الكنيسة المشرقية. كان رجال الخدمات الصحية الأوروبيون من المبشرين المسيحيين في الغالب، وكانت مساعيهم في مجال التعليم والثقافة مما لم يُثِر معارضة الغالبية المسلمة من العرب في البلاد. لكن هذه الصوَر الجديدة للمسيحية هي ما كان السائد في أوروبا، وقد تطوّرت بشكل أكثر تطرفاً في أمريكا، وخُيِّل لمسيحيي أوروبا، وأمريكا أن من واجبهم تعليم المسيحية للناس الذين تعلموها من مسيح فلسطين نفسه. ولم يسلم من ذلك أبسط صور الميلاد في بيت لحم الفلسطينية. ففي مدينة كمبرج الأمريكية يقام في عيد الميلاد، في حديقة كبرى، مشهد من تماثيل للعذراء والطفل وما يحيط بهما في المِذوَد من حِملان تشير إلى البراءة والسلام في قول السيد المسيح “أنا حَمَلُ الإله”. لكنني وجدتُ تلك الحِملان ذات ذيول ورؤوس مدببة تجعلها أشبه بالذئاب، مما يقتل المعنى. فلما اعترضتُ على ذلك وعلى صورة العذراء بشعرها الأشقر المنسَدِل على الكتفين وعينيها الزرقاوين قيل لي “نحن هكذا نفهم المسيحية”. ألا يُشيرنا هذا إلى أن مسيح الغرب هو غير مسيح الشرق؟
والجذور المشرقية في الثقافة الأوروبية الاستعمارية قد وقعت تحت ظروف شتى من التغييب والإهمال، حتى صارت الأجيال اللاحقة تفهم الحضارة والثقافة كما يفهمها الأوروبيون، والأمريكيون بعد ذلك. لقد نسي الأوروبيون أو تناسوا أن كلمة “الكتاب” نفسها Bible قد أخذوها من “ببلوس” الفينيقية على الساحل السوري اللبناني، فتعلموا الكتابة، وقد بقي حتى بعض البابوات في أزمنة لاحقة لا يعرفون القراءة والكتابة، فكانوا يوقِّعون على الوثائق الكنسية برسم علامة الصليب وحدها.
وقد نسيَ الأوروبيون أو تناسوا أن “العجلة” هي اختراع مشرقي من سومر وبابل، وأنهم طوروها لأغراض شتى، ثم جاء الأوروبيون فزادوا في تطويرها، ولم يقولوا إنهم قد اخترعوها. وفي الكتابة تعلموا من المشارقة رسم الأرقام العربية، وما زالوا يستعملونها باسم “الأرقام العربية”. أما في علوم الحساب والهندسة فأمثلة الجذور المشرقية ما تزال ماثلة ولو بشكل محرَّف. وفي علوم الهندسة وعلوم الميكانِك (الميكانيك) ما يزال الأوروبيون عاجزين عن فهم كيف يصعد الماء من مستوى الأرض الواطئة ليرتفع في نوافير تسقي حدائق غرناطة، ولم يكن عند الأندلسيين وسائل هندسية، كما يوجد اليوم، لدفع المياه إلى مستويات عليا.
وفي المجال الثقافي، لا يمكن في هذه العجالة سوى إشارة سريعة إلى أن الغرب الأوروبي قد “اكتشف” تراث الإغريق وفلسفتهم من ترجمات عربية أندلسية. وفي مجال الشعر و”المدارس الأدبية” قد يكون الحديث أكثر تشويقاً. فمن المعروف أن أوروبا القروسطية، قبل عهد الاستعمار والانتداب لم تعرف من الشعر سوى ما كان باللاتينية حول موضوعات كنسية مسيحية، تخلو من أية موضوعات دنيوية، إنسانية بالمعنى الواسع. كما لم يكن ذلك الشعر باللاتينية يعرف القافية، ويستنكر شعر أوفيد (ت17م). لكن موضوعات الشعر الدنيوي والقافية المنضبطة ظهرت على أول قصائد بلغة أوروبية، غير لاتينية صرف، في بواكير القرن الثاني عشر بلغة أوروبية عامية “بروفنسال” بتأثير مباشر من الشعر الأندلسي العربي.
وقد تطور ذلك التأثير عن طريق الشعر الإيطالي (عامية اللاتينية) حتى وصل إلى شكسبير وشعراء عصر النهضة في القرن السادس عشر. ولكن هل يعترف الأوروبيون بما تعلّموه من الشعر العربي الأندلسي، بجذوره المشرقية؟ بل إن ملتن أكبر شعراء الإنكَليزية بعد شكسبير، تنكّر للقافية في مقدمة “الفردوس المفقود”. وجاء بعد ذلك أمريكي في شخص والت وتمن عام 1890 فرفض القافية نهائيا في شعر أطلق عليه إسم “الشعر الحر” وتبعه في ذلك كثير من شعراء أوروبا وأمريكا، وبعض الشعراء العرب في القرن العشرين وما بعده.
وفي مجال “المدارس الأدبية” ثمة جذور مشرقية لما صار يعرف لاحقاً في الآداب الأوروبية باسم: الرمزية، السوريالية، وذلك في شعر لم يخضع للتصنيفات، بل جاء من وحي موهبة شعرية لا أحسب عاقلاً يريد تحديدها بزمان أو مكان، وهي حتماً ليست وقفاً على الأوروبيين أو أي شعب أو جنسٍ من البشر. نجد ذلك في أعمال شاعر لا عربي ولا أوروبي، بل عربي إسلامي ثقافة وتصوّفاً، هو جلال الدين الرومي المولود في بلخ من أعمال أفغانستان عام 1207م، والمتوفّى في قونية من أعمال الأناضول عام 1273م. كانت ثقافة جلال الدين عربية إسلامية مشرقية، وقد أقام في دمشق أيام كان المتصوف الأندلسي الأكبر الشيخ محي الدين ابن العربي يقيم فيها، حتى وفاته ودفنه في منطقة الصالحية بدمشق، عام 1240م. نجد في أعمال جلال الدين، وبخاصة في “مثنوي معنوي” كما في “شمس تبريزي” شعر غزل جميل في قالب من التصوّف، نلمس فيه إشراقات من الرمزية والسوريالية، لم تَفُت على الشعراء الفرنسيين في القرن التاسع عشر الإشارة إليها. ففي بيان المدرسة الرمزية المنشور في جريدة “لوفيغارو” في 12/9/1886 نقرأ “في سبيل العثور على منابع المدرسة الجديدة يجب الرجوع إلى… دُفيني، شكسبير… والمتصوفين…”. ونجد التوكيد على الموسيقى في الشعر في كتابات أرتور، رامبو، بودلير، فيرلين والرمزيين الآخرين، لأن الموسيقى في الشعر تعمل على تجاوز العالم الحسي، وهو ما نجده في شعر جلال الدين “الذي يتحرك على إيقاع ثريّ تحيط به موسيقى من نوع الشعر، رمزية تُحَس ّولا تُفهم” يقول جلال الدين: “جرسُ قلبي في كل نَفَسٍ/لونُ طيفك أنتَ” وهذا يذكّرنا بقول بودلير زعيم الرمزيين، بعد جلال الدين بستة قرون، بما صار يُعرف “تَجاوب الحواس” مما نجده في مجموعة “أزهار الشر”. والأمثلة على تَجاوب الحواس كثيرة في شعر المتصوّفة، إلى جانب شعر جلال الدين: “لأني سمعتُ نَفحَك/هَبَبتُ من الثرى”. وهذا التجاوب بين الحواس قد وصل إلى نزار قباني، عن طريق بودلير غالباً، مما وصل إليه عن طريق المتصوِّفة، يقول نزار: “تخيّلتُ حتى جَعلتُ العطور/تُرى، ويُشمّ اهتزاز الصدى” لأن المحبوبة، مثل “هُريرة” الأعشى، تمشي “مشيَ السحابة لا رَيثٌ ولا عَجَلُ”. والحبيبة عند نزار “كمَيسِ الهوادِج شرقيةٌ/تسوقُ إلى الشمس حلوَ الحِدا”. تجاوب الحواس: العطور تُرى واهتزاز الصدى يُشمّ، ومشيُ هُريرة المنظور يمتزج بمنظور آخر، بعيد المنال، في السماء. هذا ما يجعل الشعر الرمزي يُحسّ ولا يُفهم، وهو بعض ما قاله إليوت.
يرى بودلير أن القافية في الشعر قيدٌ دون الإبداع: “تُرى من سيكشِف عن مساوئ القوافي؟” وقبل ذلك بسبعة قرون قال جلال الدين: “ليجرِف السيلُ القافية/فهي قشور.. هي قشور/في أخوار أدمغة الشعراء”. وهذا الرأي على اختلاف منابعه، دفع إلى ظهور شعر يخلو من القافية، إذا كان من نوع الشعر الذي توحي به الموسيقى، ويكون ذكرى وعاطفة أو حكمة، إرضاء لجميع الشعراء الذين يرتفعون عن التقطيع والأوزان.