معذرة أم كلثوم، أعارضك بالقول طول عمري أخاف الحرب وسيرة الحرب وتدميرها لكل شيء. الحب وكم نحن بحاجة للحب وسيرة الحب. حرب تلازمنا كظلنا، كأنّها مكتوبة على بلداننا المرور على بواباتها الجهنميّة. أوطاننا. ومدننا. تحت ظلم وظلمات الحرب ومن يركبها طمعا. ويترك المسالمين في هلع دائم.
كل هذه المدن، حسب ما تعرضه القنوات الأرضية والفضائية، أو لنقل أحياء منها لجأت إلى المدارس جراء الحرب والاشتباكات المسلحة والصراعات القبلية التاريخية التي عادت لتطفو على السطح لتغرق الساحة انتقاما ورعبا. عائلات تتخذ من المدارس مقرا لها غير دائم لما تعرضت له الدور من تهديم وحرق وفقد للأهل.
هكذا تتكاتف جهود المنظمات الأهلية كالهلال الأحمر وغيره لاخلاء عائلات لا ناقة لها ولا جمل في حرب لم يتخيلوها وأطماع كارثية لا يمكن أن تكون ليبيّة. أو هكذا يعتقدون. لم تكن ليبيا بهذه البشاعة. هل الحرية ثمنها فقدان الأهل والعزوة والاقتصاد وتدمير البنى التحتية والفوقية. هل نتصور حرية على حساب استنزاف ثرواتنا من طرف الأطماع الكبرى. ألا يمكن أن تحدث الديمقراطية دون العبث بالانسان وكرامته وثرواته.
تنتقل كاميرات قناة 218 بين الأحياء والمدن الليبية، مهما كانت ثقافتها وتوجهاتها. لترصد ماهم فيه من كدر وهم وغيظ. وأيضا ما يمكنهم أن يصنعوه من فرح وغبطة.
قد تمنع كاميراتهم من تصوير الأسر، بل لنقل النساء في المدن الكبيرة الشمالية. لكنها تستقبل من طرف نساء الجنوب الليبي وسبها تحديدا ليشتكين لوعة الفراق عن الديار والأحبة وحالة هشاشة المجتمع بعدما انتقلن للعيش في المدارس في ظل نقص كبير للتكفل بهم، من مياه وغذاء وصحة، بعدما نجين من نيران الاقتتال القبلي بين التبو والطوارق. يعود الغزو التاريخي في شكله المرعب في هذا القرن 21 الرهيب.
بلاد الأرامل والأطفال والعجائز
مناطق تعيش تحت وقع الغزو الجديد الفتاك، تجعل النساء والأطفال والأرامل يعيشون ظروف مزرية. لم يجدوا سوى المدارس ليحتموا فيها… تختلط معالم الحياة وتختفي ملامح الفروسية وجلسات تندي الحميمة ومهرجانات الفرح… تغيرت قيم المجتمع المبنية على احترام المكان والمكانة وتحولت نعمة التنوع البشري إلى نقمة صادرت كل جميل ونزعت البشر من ثقافتهم ونمط اقتصادهم وتصوراتهم للذات وللآخر… وتركتهم فريسة سهلة لظروف اقحموا فيها اقحاما ينتظرون مؤونة شحيحة لسدّ الرّمق.
هكذا تنقل لنا وسائل الاعلام الألم بالجملة، افراط في تصوير البشر في عزلة وتشرد وبكاء وعويل والفرسان وانفتاح البلد على الجيران ومساندتهم في أفراحهم… هذا حال مهرجان الفروسية وغيره من تظاهرات تحاول كبح جماح الألم والحرب واللا معنى.
مهرجانات ومهرجانات من العجيلات للفروسية. ليبيا بالجميع وللجميع إلى مهرجان سبها «حبة قليلة وليلة هنيّة».
بلاد حية… بلاد الفرسان
يعود مهرجان العجيلات (100 كم غرب طرابلس) للفروسية والشعر الشعبي ليعرض تراث جميع المناطق الليبية رغبة في لمّ الشمل. إنها نظرة الحنين إلى تركات الأجداد ومختلف منتوجاتهم في كل مجال، علها تعيد الانسجام الذي كان بين الليبيين، لأنّ الحاضر اصبح مجرد اسلحة ودمار وتشنج داخل القبيلة وهوية تنتزع خيوطها من لحمة المجتمع الكلي وتنسلخ مخلفة فراغا وكآبة… تنقل «ليبيا الأحرار» و»ليبيا الحدث» أخبار عن مهرجان العجيلات الذي كان منذ فترة وجيزة يعول على المحلية واجتماع الاخوة وكان شعاره « لمّة خوت»…إلا أنّ هذه الطبعة الأخيرة جاءت بفرسان من تونس والجزائر الشقيقتين، لتبرز أخلاق الفرسان في التنافس والشرف والنبل، وأن يعود المجتمع الليبي إلى تلك القيم التي تفتقد يوما بعد يوم تحت وقع البؤس الذي تخلفه الحرب.
ينطلق أيضا في اليوم نفسه، الأربعاء المنصرم، مهرجان سبها للتراث والفنون في طبعته السادسة في المدينة القديمة، والذي يهدف إلى ابراز الموروث الثقافي لسبها وما جاورها… وخلال أيام ستعرض المقتنيات الشعبية وسوق للاسر المنتجة وسهرات فنية وأمسيات شعرية وعروض للفروسية. هل هناك أجمل من هذا. تعبير على الأمن المستتب في كل الربوع الليبيّة. هل هي شيزوفرينيا أصحاب القرارات، في وقت تعيش فيه منطقة فزان على حراك وتذمر كبيرين، ومطالب للعيش الكريم، في زمن تستغيث الناس من انعدام الأمان والماء والزاد. والمهرجانات تفتح على مزاد لا تكافؤ لفرص العرض والدخول اليه. أم هي نظرة بعيدة لرفض التقتيل والتنكيل بالبشر وبمحيطهم وثقافتهم. وحتى لايترك المجال لزرع مزيدا من الخراب والتدمير .
مهرجانات عديدة وفي كل المناطق. في رؤية ضبابية للوضع الأمني، وللخروج من كآبة المنظر السياسي الذي قد يطول أمده، مادام باطن الأرض ولادا ومنتجا للخيرات. دائما تتحول النعمة لنقمة على أهلها، وتفريجا على الأغراب. خذوا ماعليها وماتحتها واتركوا لنا الوطن. والمهرجانات. وقولوا عنا سنقاومكم وسنهزمكم، وستتحول لعبتكم إلى سلاح حقيقي يعود عليكم. عملت هيئة تنشيط السياحة في حكومة الوفاق على احياء مهرجانات ماسمي بالمكونات الثقافية ضمن خطة للتنشيط السياحي، وإطلاق مهرجانات جديدة في نسخها الأولى مثل مهرجان الصحراء الكبرى الذي سيعرض تراث الطوارق الليبين أولا ثم يتوسع ليشمل هذا التراث في البلدان المجاورة وتراث الأمازيغ عامة. وللثقافة التباوية نصيب من هذا الاهتمام . الرغبة في الحياة والمناورة عليها، واعتبارها خطوة في فراغ وسواد، لكنها محاولات جادة لزرع الحياة وجني الخيرات مهما طالت الأزمة. لذلك اتسعت دائرة المهرجانات واهتماماتها، غير التقليدية، كما هو الحال في افتتاح مهرجان بنغازي للتذوّق.
شاعر ليبيا: انتصار الكلمة الجامعة
ثلاثة مواسم والشعراء الشعبيين يصولون ويجولون بالقوافي وهمة الابداع، من أجل توحيد العواطف حول ليبيا الموحدة، وان تكون الكلمة حجرة أساس لبناء المجتمع الليبي. يحاول البرنامج أن يبين أن الليبي ليست لديه نزعة للحرب ولا علاقة له بثقافة الدمار، بل ثقافته الشعر والموسيقى والجمال. هكذا حاول مقدم برنامج شاعر ليبيا يوسف تقديم الموسم النهائي الذي سيتوج فيه شاعر ليبيا. برنامج في موسمه الثالث، والذي كان عبارة عن مغامرة غير محمودة النتائج في زمن الخوف والجوع والمرض والتنكيل بالجثث فمن يستجيب ويسمع لشعراء الشعر الشعبي . غامرت قناة 218 وكانت المغامرة في محلها إذ توافد المئات للمشاركة والتصفيات الأولى قبل العروض المباشرة. يرحل البرنامج من العطش والخوف إلى مدن أكثر أمان لتصوير حلقات النصف النهائي، والتتويج . ليستقر في عمان الأردنية…كل شيء في قمة الأناقة والذوق الرفيع، من ديكورات وتقنيات و وأزياء الختام التقليدية بتطريزات على المخمل والجوخ زاد جمالا للشعراء . ناهيك عن اللغة الجميلة فصحى كانت أو عامّية. ودور اللجنة ليس تقييم الشعراء بل لاقتراح المواضيع التي ينظم على منوالها الشّعراء الشباب ويقومون بإبداء ملاحظات للأداء. بعد موضوع الصبر الذي كان محور قصائد النصف النهائي، جاء موضوع الأمل. الأمل لولاه علينا لذهبنا ضحية مانحن فيه. تبارى الشعراء الأربعة على الصبر ثم الأمل. ليأتي دور الجمهور ليصوت على الأفضل. الجمهور المنتشر داخل ليبيا وخارجها تفاعل تفاعلا كبيرا مع الكلمة، وراهن على وقع الكلمة وجماليتها والتابل الذي يعطي نكهة في هذه الأجواء والظروف القاسية.
يعود الشعر الشعبي في أبهى صورة ليعبّر عن أوجاع الجميع، عن وجدان المجتمع وعن أفكاره الحميمة بكل انسيابية ليتفاعل معها الجميع. الكل نظم من أجل ليبيا الجريحة ومن أجل أن تعود آمنة. شرحت القصائد الشعبية محنة ليبيا وأنها مطمع لقوى الشر في هذا العالم. حاسة الشاعر لا تخيب في تشخيص الواقع الأليم الذي تتخبط فيه ليبيا. وإن شاء الله تنجح الكلمة في مالم ينجح فيها الساسة، وأن توقظ الكلمة الضمائر الميتة التي تعيث في البلد فسادا. شاعر ليبيا لهذا الموسم علي ارحيّم من زليتن. مهما تكن المنطقة فالكل جاء من أجل ليبيا. من أجل الصلح والمحبة بإحساس الشعراء المرهف.
كاتبة من الجزائر