حديث الطائرة… وحركة تنقلات الإعلاميين… وإيمان البحر درويش!

حجم الخط
2

وكما قال الشاعر: «هذا الزحام لا أحد»، فالترسانة الإعلامية المصرية، صارت خارج الخدمة، في موضوع طائرة التهريب، التي لا تزال ومن عليها رهن الاحتجاز في دولة زامبيا الشقيقة، لسبب بسيط هو أن النظام المصري نفسه خارج الخدمة، ولم يتمكن من تقديم رواية متماسكة أو غير متماسكة عن الموضوع، وكأنه لا طائرة آتية من مصر محتجزة. وخبر احتجازها نشر في بعض المواقع المصرية، وتم حذفه، فيكاد المريب أن يقول خذوني!
لنكون أمام أكبر عملية إنكار في القرن الجديد، وهذا اجماع في التجاهل، لا يوازيه في القيمة سوى الاجماع، الذي حدث ذات صباح، عندما صدرت الصحف المصرية بمانشيت واحد هو «مصر تستيقظ»، وكان واضحاً أن من يدير الإعلام يفتقد للخبرة، فكانت هذه المسخرة التي أضحكت الثكالى، ومثلت رمية بغير رام لإعلام الأعداء في تركيا. ويلعب «جو شو» في برنامجه في التلفزيون العربي كثيراً على هذا التناغم الإعلامي، عندما يكون هناك «تعليق موحد»، يوزع على مقدمي برامج الـ «توك شو» في وقت واحد، وهي نوعية من الإدارة لم تعرفها مصر، حتى عندما أمم جمال عبد الناصر الصحافة، وصارت الصحف مملوكاً رسمياً للدولة ويديرها رأس السلطة بنفسه!

الأزمة في السلطة

عبد الناصر كان محظوظاً بإعلامه، هذا ما قاله الجنرال، مع أنه تملك الإعلام مثله، لكن الفرق لم تصنعه الملكية، لكن صنعه وعي عبد الناصر، القارئ قبل أن يكون حاكماً، وكان هذا الباب الذي دخل به إلى عواطف المثقفين فحدثت الهيمنة، عندما يزور طه حسين في بيته ويقول له إنه كان يحرص على شراء الجريدة ليقرأ عموده الأسبوعي مدخراً ثمنها من «مصروفه الشخصي»، وعندما يقول عن خالد محمد خالد هذا صاحب كتاب «مواطنون لا رعايا»، ويقول عن عبد الرحمن بدوي لولاه ما عرفنا «نتيشه»!
لقد أدار عبد الناصر المشهد الإعلامي بمن فيه من كفاءات لم يكتمل نموها في «حضانات» الشؤون المعنوية، وإن قام بعملية تدوير لها فينتقل احسان عبد القدوس من «روزا اليوسف» إلى «الأهرام»، وهكذا، فإنه في أي مرحلة لا تستطيع أن تشير إلى أي اختيار وتصفه بأنه «دون المستوى» المهني، وبالنظر إلى اختيارات عبد الناصر واختيارات مرحلة السيسي، سيكتشف المرء الفرق. أتحدث عن اللياقة المهنية! وإذا كان التلفزيون ولد في حضن السلطة، فان الفرق واضح بين المستوى في العهدين، ويمكن تلمسه بأن تشاهد قناة «ماسبيرو زمان»، والبرامج التلفزيونية التي كانت تعبر عن هذه الحقبة، فتدير مذيعة حواراً مع طه حسين مثلاً، وبجانبه عدد من القمم المصرية، ولم أشعر أن المذيعة خارقة للعادة، لكن يقف خلفها معد متمكن هو أنيس منصور، وهكذا فالمنظومة كلها مكتملة!
عندما تشاهد اختيارات المرحلة، يمكنك الإجابة على سؤال أين المشكلة؟ وعندما تشاهد أن الكفاءة السياسية في إدارة أزمة الطائرة في غاية التواضع حد التجاهل والإنكار، ستعرف أن الأزمة في السلطة، فهل يعقل أن يتم احتجاز طائرة آتية من مصر لتكتشف السلطات في زامبيا أنها مغارة علي بابا، فلا كلمة من مسؤول، ولا معالجة في الإعلام، وكأن الواقعة لم تحدث؟!
هل الصمت مرده أن السلطة المصرية متورطة في شيء ما؟ وهل يليق بسلطة أن تتورط في هذا الشيء الـ (ما) حد أنها لا تملك دفاعاً تقدمه، ويتبناه إعلامها؟ وإذا حدث وتورطت لماذا لم تتم التسوية قبل الإعلان، لا سيما وأن افصاح المسؤولين في هذا البلد الإفريقي الشقيق كان بعد يومين من احتجاز الطائرة، المعنى أن خيار التفاوض كان متاحاً، فماذا جرى يا هل ترى؟ هل تم التعامل بطريقة مبارك مع المليشيات الصومالية، وقد كتبت عنها بتصرف هنا في هذه الزاوية لمن يتابعوننا في مرحلة ما قبل الثورة، عما دار داخل مركز القرار في المليشيات!

عندما تابت المليشيات

اختطفت الميليشيات مجموعة من الصيادين المصريين، واعتبرتهم رهائن ودخلت مع نظام مبارك في مفاوضات، في البداية عرضوا مبلغاً كبيراً عن كل مختطف، ونزلوا بالمبلغ عدة مرات، لكن لم نسمع من الجانب المصري سوى عبارة واحدة: «لن يلوي أحد ذراعنا»، وهبطوا إلى ما تصورت أنه ثمن وجبات الطعام، التي قدمت لهم في فترة الاختطاف، لكن الرد جاء «لن يلوي أحد ذراعنا»، ويبدو أن المليشيات استشعرت الكلفة الضخمة لأسوأ عملية اختطاف في التاريخ إن معنى استمرار المختطفين المصريين، أن كل ايراد عمليات القرصنة سيتبدد على إطعام هؤلاء! وذات صباح أطلقت المليشيات المختطفين دون أن يدفعوا فدية لهم أو حتى دون دفع نفقات الطعام من الجانب المصري، ويبدو أن أداء النظام المصري حينذاك كان مؤثراً، فلم نسمع عن أي عملية اختطاف بعدها وتقريباً أن المليشيات تابت وأنابت من بعدها، وبنوا مسجداً.
مصر كان مجنياً عليها في عملية الاختطاف هذه، ومبارك كان يمكن أن يضحي بالمختطفين ولا يدفع جنيها واحداً، ولم يكن يحتكم لضميرهم المهني، فقد كان سيقيم سرادق عزاء عبر وسائل الإعلام عن بربرية المليشيات، وعدم إنسانيتها، وبعدها عن طريق الحق، مع صدور فتوى من دار الإفتاء بضرورة تطبيق حد الحرابة عليهم، وسيتلقى العزاء من أصحاب الفخامة، والجلالة، والسمو، باعتباره ولي أمر الشهداء! لا يساورني شك في أن موضوع الطائرة ستتم تسويته، ولن يتم الإعلان عن المتهم السادس، أو مالك الطائرة، لكن ما هي الرواية التي ستعلنها السلطة المصرية ويتبناها إعلام القوم ليغلق الملف على مستوى الرأي العام، وعند إخفاء الحقائق فإن البديل سيكون الشائعات، وقد صاحبت الأمر منذ البداية فنشر إنها طائرة صاحب قناة «صدى البلد» محمد أبو العنيين، وقال آخرون: بل طائرة إماراتية، ولاحظ أنني من قدمت الدليل على أن هذه الروايات غير صحيحة، من خلال مطالعة مواقع طيران متخصصة! إعلاميو السلطة مجني عليهم، وهم مسيرون لا مخيرون، وليست لهم سلطة المعالجة بدون «التوجيه»، ثم إنهم «دون المستوى» مهنياً فليس لهم أن يجتهدوا، ولهذا تم اختيارهم!
ومؤخراً صدرت تغييرات على مستوى قيادات الترسانة الإعلامية هذه، ولا يكاد يمر عام دون ذلك، مما دفعني لإطلاق «حركة التنقلات» عليها، لأنها أقرب الى حركة تنقلات الشرطة التي تصدر كل عام، وذلك لأنها تشهد إعادة تدوير لمجموعة بعينها. فالسلطة الحالية تختلف مع سلطة عبد الناصر في العداء للكفاءات ولو كانوا من أهل الموالاة، وهناك شخصيات حاولت كثيرا إبراز مواهبها في الدفاع عن سلطة الانقلاب العسكري، حتى في أخطائها الواضحة للعيان، وقلت إن عليهم أن ينسوا، فلن يقع عليهم الاختيار أبداً؛ عُلمنا منطق القوم!

الوصفة الطبية اسمها ألبرت شفيق

وحركة هذا العام صدر لها ملحق بتعيين أحد الأشخاص رئيساً لقناة «أون العامة»؛ «ياما جاب الغراب لأمه»، وإن كان الملحق شمل تعيين بشير حسن، رئيساً لقناة «سي بي سي» العامة، وبشير صحافي متميز له حضور في برامج الـ «توك شو» منذ فترة طويلة، كرئيس لفريق الإعداد لأكثر من برنامج، إلا أن المنظومة نفسها لن تسمح له بالنجاح، ألم يفشل ألبرت شفيق؟!
تعيين «دون المستوى» رئيساً لقناة «أون « العامة، ذكرني بألبرت شفيق، الذي عينوه منذ عامين رئيسا لقنوات «تن»، وتساءلت هنا هل ينجح؟ ثم تساءلت في فبراير/شباط الماضي هل نجح؟ وفي الأولى أكدت أنه لن ينجح، أما المقال الثاني فكان كاشفاً عن صحة توقعاتي!
أولو الأمر منهم تعاملوا مع «ألبرت شفيق» على أنه «وصفة طبية»، وألا وقد نجح في عهد ملكية نجيب ساويرس للقناة، فسوف ينجح الآن، تماماً كما تعاملوا مع أسامة الشيخ، وفشلت الوصفة، لأنها أزمة المالك الذي لا يعطي الخبز لخبازه، وعقلية نجيب ساويرس تختلف عن عقلية الملاك الجدد!
في البحث عن «ألبرت شفيق» وجدته وقد عُين رئيسا في قطاع التلفزيون بالشركة المتحدة، حماها الله، منذ عدة شهور، وهذا طبيعي، فأي شخصية تلفزيونية على مستوى الكوكب لو عملت مع القوم سوف تفشل حتماً.
«الحركة»، و»الملحق»، و»ألبرت شفيق» كل هذا كان سبباً في دخولي المتكرر على صفحة «الشركة المتحدة» على «فيسبوك»، وهي المالكة للترسانة الإعلامية، فوجدت خبر تطوعها بعلاج الفنان إيمان البحر درويش على نفقتها، لم يحدث له أي تحديث منذ 11 يوليو/تموز الماضي، فلا سيارة إسعاف أرسلت، ولا فريق طبي زاره في منزله، ولا تم نقله للمستشفى للعلاج، ولا خبر عن تطور حالته الصحية.
كنت على يقين إنه إعلان لذر الرماد في العيون!

 صحافي من مصر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية