برغم مرور 47 عاماً على حرب أكتوبر 1973 لا تزال السينما المصرية تقف عند تاريخ العام التالي للانتصار العسكري المجيد. فمعظم الأفلام الحربية المحفوظة عن ظهر قلب تم إنتاجها في أعقاب الحرب وهي مجموعة أفلام تُعد على أصابع اليدين، وبعضها يحمل من الأخطاء والسذاجة ما يهبط بمستوى الحدث العظيم ويُقلل من امكانيات السينما المصرية البادئة قبل مئة عام وأكثر.
الغريب في الأمر أن الأفلام التي تتحدث عن نكسة يونيو هي الأجود فنياً وإبداعياً والمُعتنى بتفاصيلها ومفردات تميزها، كأنه الألم قد صنع من المأساة واقعاً حياً صورته السينما كما حدث تماماً، ففيلم «أغنية على الممر» هو الأكثر واقعية واتقاناً ويرجع فيه الفضل إلى المخرج علي عبد الخالق والكاتب علي سالم، اللذان تباريا في العناية والاهتمام حتى جاءت الصورة الميلودرامية المُحزنة لتُحفز على التخلص من كآبة الهزيمة وتحض على القتال لتحقيق الانتصار كعلاج وحيد لمحو عار الانكسار. وكذلك جاء فيلم «أبناء الصمت» للمخرج محمد راضي ملحمة عسكرية إنسانية أبدع المُشاركون فيها ليبدلوا أجواء الظلام واليأس بالنور والنار. فعلى جبهة القتال والمواجهة كانت العملية الحقيقية لتصفية الحسابات، حسب التصوير الواقعي للفيلم الزاخر بالمعاني والمليء بنجوم التمثيل ومحترفي التقمص، محمود مرسي ونور الشريف وميرفت أمين وحمدي أحمد ومحمد صبحي وسيد زيان والسيد راضي وآخرين.
غير أن فيلماً آخر هو «العمر لحظة» كان إشارة صادقة لصمود الجنود المصريين على جبهة القتال ومنصات القصف، وهو الفيلم الذي قامت ببطولته الفنانة الكبيرة ماجدة مع ناهد شريف ونبيلة عبيد وعلية عبد المنعم وشفيق جلال وأحمد مظهر والوجه الجديد أحمد زكي، الذي مثل دوره جذوة الاشتعال بنيران الغضب وحلاوة النصر بوصفة شهيد المعركة الحاسمة ومحور الأحداث الرئيسية للقصة العسكرية المنطوية على بعض التفاصيل الرومانسية.
أما بقية الأفلام التي كان من بينها «بدور» و«الرصاصة لا تزال في جيبي» و«يوم الوفاء العظيم» فهي ليست سوى صور دعائية لمعركة الصمود والصبر ومرآة عكست جوانب من الاشتباكات الميدانية بين أفراد الجيش المصري وجنود العدو من زاوية ضيقة لا تسمح بأكثر من الرؤية المحدودة للمعارك الجانبية وجزء من ملحمة العبور المائي لقناة السويس بعد تحطيم خط بارليف، وهو عرض يليق بفيلم تسجيلي أكثر مما يليق بفيلم روائي حربي كبير، وربما كان هذا الاختصار المُخل للصورة السينمائية بمكوناتها العسكرية هو العامل المُشترك في معظم الأفلام التي لم تتحدد هويتها بالضبط، ولم يتبين مضمونها إذا ما كانت روائية إنسانية تتخذ من واقع الحرب ملمحاً لها، أم أنها محض تسجيل عن بُعد لمعركة تاريخية بالغة الخطورة والأهمية؟
هذه الفروق بين لغة السينما الحربية ولغة السينما الإنسانية المُتماسة مع الحرب لم تتحدد بشكل قاطع، وعليه فقد ظلت هوية الأفلام المُنتجة في حينه لتوثيق حرب أكتوبر مُلتبسة وتحتمل التأويل ما بين المعنيين الحربي والإنساني وإن كانت أقرب إلى الصنف الثاني باعتبارها لم تُحقق الغرض المطلوب منها كوثائق عسكرية حربية مصورة.
والحقيقة أن السينما التسجيلية كانت هي الأوقع بالضرورة في مسألة التوثيق، لكنها كانت الأقل شهرة وحظاً. فالعالق بالذاكرة الجمعية للمُشاهد المهتم هما فيلمان، «جيوش الشمس» للمخرج شادي عبد السلام وعبد العاطي و«صائد الدبابات» للمخرج خيري بشارة، والفيلم الثاني بالتحديد كان معنياً بتسجيل البطولة الفردية للجندي محمد عبد العاطي الذي تمكن من اصطياد 23 دبابة من دبابات العدو وتدميرها بالكامل بكفاءة قتالية نادرة حصل بموجبها على وسام نجمة سيناء من الدرجة الأولى. وبرغم الحالة التسجيلية الخاصة للفيلم إلا أنه كان الأقرب إلى وجدان العامة من الجمهور المصري البسيط، فالبطل يتحدث بعفوية بالغة التأثير عن دوره ووظيفته القتالية في الحرب، ولا يعتبر نفسه بطلاً خارقاً، مع أنه كان حديث العالم كله وقت المعركة، فضلاً عن أن صحيفة أحواله لم تزد في تضمينها لتاريخه وحياته وثقافته عن بعض الإشارات الدالة على صلابته وجسارته وإيمانه المُطلق بواجبه العسكري تجاه وطنه وبلاده.
وما يُميز الفيلمين التسجيلين المذكورين أنهما من جنس واحد لكنهما مُختلفين في التكوين الموضوعي وحالة الانسجام والتأثير، فجيوش الشمس يتحدث عن تكنيك إعداد الجسر الخشبي الذي عبرت عليه الدبابات ويُشير إلى مهارة المُقاتل المصري المُدرب تدريباً فائقاً من الناحية البدنية والقتالية والفنية، ويستعرض في هذا الصدد شهادات الجنود بعد انتهاء الحرب بنحو ستة أشهر فقط، لذلك أعتُبر جيوش الشمس سبقاً سينمائياً فريداً لشادي عبد السلام.
وعلى غرار ما طُرح في الفيلمين السابقين جاءت أعمال أخرى اضطلعت بإنتاجها جهات رسمية أخذت شكل الفيلم التلفزيوني، من بينها «ملحمة كبريت» التي كتبها المراسل العسكري الصحافي عبده مباشر وقام ببطولتها كرم مطاوع وسمية الألفي وسامي العدل وأحمد ماهر وعبد الله محمود، ثم ما لبثت أن انتهت الفترة الحماسية ليأتي التصوير الدرامي متأنياً ومُدققاً في تفاصيل ما بعد الحرب، وهو ما كتبه جمال الغيطاني وأخرجته إنعام محمد علي تحت عنوان «حكايات الغريب» عن بطل من أبطال مدينة السويس ورمز من رموزها وهي حكايات تنطبق على كل مواطن سويسي عاش أيام الحرب وشاهد بطولاتها وملاحمها.