الحملات السياسية والإعلامية التي تستهدف بعض الأسماء ليست بعيدة عن تشويه صورة بعض المنافسين الجديين لدى الرأي العام، طالما ليس بالامكان تحسين صورة البعض التي فقدت بريقها بعد ثورة تشرين.
بيروت-»القدس العربي»: أكثر ما حَفِل به الأسبوع المنصرم هو مشهد الاحتجاجات التي عادت إلى معظم المناطق اللبنانية وشملت قطع الطرقات الرئيسية من دون الاصطدام بالجيش اللبناني، خلافاً لما كان عليه الحال في محطات زمنية سابقة بعد اندلاع ثورة 17 تشرين الأول/أكتوبر حيث كان الجيش يتدخّل بقرار من السلطة السياسية لفتح الطرقات التي شكّلت في نظر الثوّار أفضل وسيلة للضغط على الطبقة الحاكمة التي تجلس على الكراسي مرتاحة في القصور، غير مكترثة لآلام الشعب اللبناني بقدر اكتراثها لمصالحها ولحصّتها السياسية في الحكم وعدم توقّف مزراب الهدر.
وإذا كان قائد الجيش العماد جوزف عون أطلق صرخة خلال اجتماع لأركان القيادة وكبار الضباط، محذّراً الطبقة السياسية من خطورة الوضع، وسائلاً المسؤولين «إلى أين ذاهبون؟» فإن البعض قرأ في موقف قائد الجيش تنسيقاً ضمنياً مع بعض الجهات للسكوت على محاولة انقلاب على رئيس الجمهورية ميشال عون وإسقاطه في الشارع، فيما جهات أخرى قرأت في ما حصل فتحاً للمعركة الرئاسية حيث يبقى من ولاية عون أقل من سنتين، في وقت يزدحم السباق الرئاسي بأسماء المرشحين لخلافة عون.
وإذا كان حزب الله الذي عطّل الاستحقاق الرئاسي سنتين ونصف إلى حين التوافق على انتخاب عون رئيساً، فلا يبدو لغاية الآن أن أوراق صهر الجنرال رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل متقدّمة لدى حليفه حزب الله على الرغم من فرض عقوبات أمريكية على باسيل بسبب تحالفه مع محور الممانعة، بل إن الحزب يفضّل هذه المرة اختيار رئيس «تيار المردة» النائب السابق سليمان فرنجية الذي كان إسمه متقدّماً لرئاسة الجمهورية قبل أن يقطع عليه الطريق رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع من خلال اتفاق معراب الذي تبنّى بموجبه ترشيح عون إلى الرئاسة الأولى، معتقداً أن الجنرال الذي يحلم بكرسي الرئاسة قد يبدّل أداءه وخطّه السياسي بعد أن يصبح رئيساً ويتموضع في الوسط ولاسيما أنه ليس 8 آذار أصلي كفرنجية، إلا أن ظنّ جعجع خاب وغلب طبع عون على تطبّعه. وتمّ الانقلاب على اتفاق معراب وحصل التباعد بين الحزبين المسيحيين الأوسع تمثيلاً، واستأثر باسيل بالسلطة وبالتعيينات من ضمن تسوية مع رئيس الحكومة سعد الحريري قبل أن تفرط هذه التسوية في وقت لاحق أيضاً.
غير أن اتفاق معراب وإن كان تمّ الطعن به، إلا أنه كرّس نظرية انتخاب الممثل الأقوى في طائفته، على غرار ما هو معمول به في رئاسة مجلس النواب ورئاسة مجلس الوزراء، وخلافاً لما كان معمولاً به بعد اتفاق الطائف حيث كان رئيس الجمهورية لا يتمتّع بأي تمثيل شعبي وازن.
وانطلاقاً من هذا المعطى يكون جعجع الأوفر حظاً ليكون في سدة الرئاسة خصوصاً إذا حملت صناديق الاقتراع في الانتخابات النيابية المبكرة التي تنادي بها القوات تقدّماً على التيار الوطني الحر، وهو ما تشير إليه الإحصاءات والاستطلاعات ونتائج الانتخابات الطلابية في الجامعات الخاصة في المناطق المسيحية.
وفي اعتقاد القوات أن الكتلة النيابية التي حظي بها التيار البرتقالي وقيل إنها الأكبر جاءت نتيجة تحالفات في معظم الدوائر مع «تيار المستقبل» ومع حزب الله وشخصيات مستقلة عادت وانفصلت عن التكتّل كرئيس حركة الاستقلال ميشال معوض في زغرتا والنائب نعمت افرام في كسروان، فيما القوات خاضت انتخاباتها منفردة في كل الدوائر ما عدا في الشوف وعاليه وبعبدا حيث تحالفت مع الحزب التقدمي الاشتراكي وحظيت بكتلة نيابية من 15 عضواً.
وفي خضم هذا السباق إلى الرئاسة، لوحظ أن الحملات السياسية والإعلامية التي تستهدف بعض الأسماء ليست ببعيدة عن تشويه صورة بعض المنافسين الجديين لدى الرأي العام، طالما ليس بالامكان تحسين صورة البعض التي فقدت الكثير من بريقها بعد ثورة تشرين وبعد ممارستها في السلطة.
وفي هذا السياق، تركّزت الحملة أخيراً على عدد من الأسماء في محاولة لحرق حظوظها وشملت هذه الحملة أولاً حاكم مصرف لبنان رياض سلامة الذي يُتهم بسوء الإدارة حيناً وبتهريب أموال إلى الخارج وحجز ودائع اللبنانيين حيناً آخر إضافة إلى الهندسات المالية والذي يُستهدف من قبل فريق العهد من خلال المطالبة بالتدقيق الجنائي. وثانياً قائد الجيش جوزف عون من خلال طرح تساؤلات عن دور الجيش في تغطية وجود نيترات الأمونيوم في مرفأ بيروت منذ عهد قائد الجيش السابق العماد جان قهوجي وصولاً إلى عهد قائد الجيش الحالي الذي يُتهم في إعلام 8 آذار بأنه يراسل دولاً ومنظمات من دون علم الدولة للحصول على مساعدات عينية ومالية للمؤسسة العسكرية، إضافة إلى طرح تساؤلات حول دوره في «عصيان» أوامر السلطة السياسية لجهة فتح الطرقات المقطوعة من قبل المحتجين.
ولم توفّر الحملة رئيس «تيار المردة» سليمان فرنجية من خلال تحريك القضاء لملاحقة مقرّبين منه في قضية «الفيول المغشوش» وقد خرج فرنجية يومها وردّ على رئيس التيار العوني، معتبراً أن «حرب الرئاسة بدأت عند باسيل» ورأى أن «وصولهم إلى السلطة كشَفَهم والتاريخ لن يرحم وسيحاكم». وقال «كذبتم على الناس عام 1989 ودمّرتم لبنان والمناطق المسيحية وكذبتم على الناس عام 2005 والآن تكذبون على الناس» مضيفاً «لأنهم لم يتمكنوا من تبييض صفحتهم عمدوا إلى تشويه صورة غيرهم».
أما أعنف الحملات فتبقى ضد القوات اللبنانية ورئيسها سمير جعجع سواء من الخصوم أو من بعض الحلفاء، ولاسيما أن جعجع الذي تربطه علاقة متينة ببكركي يراهن على «تسونامي» في أي انتخابات نيابية في الشارع المسيحي إذا بقي قانون الانتخابات الحالي ليفرض نفسه المرشح المسيحي الأقوى. وفي إطار هذه الحملة يتمّ نبش الماضي وملفات الحرب الأهلية، كما يتمّ الحديث مراراً عن دور جعجع في تأمين انتخاب ميشال عون وعن أن القوات لم تكن بعيدة عن جنّة الحكم وأنها شاركت في حكومتي العهد الأولى والثانية.
وعلى هذه الحملات تردّ القوات بأنها ليست الطرف الوحيد الذي شارك في الحرب، وأنها قدّمت أغلى التضحيات دفاعاً عن سيادة وحرية لبنان ولم تهرب من أي مواجهة حتى لو كلّفها الأمر سجن قائدها لمدة 11 سنة، إضافة إلى أنها ليست حزباً يسعى للسلطة بالمعنى العادي بل هي صاحبة قضية حاربت الفساد في أكثر من قطاع وخصوصاً في الكهرباء، وقدّمت استقالة وزرائها الأربعة بعد ساعات على ثورة 17 تشرين وكانت بصدد تقديم استقلات نيابية جماعية من مجلس النواب بعد انفجار 4 آب/أغسطس لو وافق على هذه الخطوة نواب «تيار المستقبل» ونواب الحزب التقدمي الاشتراكي.
ولكن في انتظار الاستحقاق الرئاسي بعد سنة و7 أشهر هل تتبدّل الظروف والتحالفات؟ وهل تخبئ القوات مفاجأة من خلال ترشيح النائبة ستريدا جعجع؟