«حرب الفراولة» قصة البحث عن السعادة في سينما خيري بشارة

عادة ما يذهب المخرج خيري بشارة في ما يطرحه من أفكار سينمائية وإبداعية إلى عمق البيئة المصرية بتفاعلاتها الحقيقية، وفي أغلب الحالات ينتصر إلى الفئات البسيطة التي يطبع الفقر بصماته على ملامحها فيكسوها بالهم ويُكسبها صلابة وقوة، ذلك أنها ترفض الاستسلام للواقع المرير وتأبى إلا أن تعيش عزيزة كريمة لا تراهن إلا على المضمون وما يُحقق لها الاستقرار الفعلي في حدود تقديراتها الشخصية، وهي قناعة اكتسبها أولئك البسطاء الراضين بالقليل من الرزق الحلال.
في فيلم «حرب الفراولة» الذي أنتج عام 1994، ركّز خيري بشارة مؤلفاً ومخرجاً على هذه المُعادلة، وقد عهد بكتابة السيناريو والحوار إلى مدحت العدل، الذي ترجم بدورة المعنى الدلالي للفكرة في عدة صور درامية شديدة التأثير، موضحاً البعد الفلسفي في الأحداث، وحيرة البطل الثري الباحث بلا جدوى عن السعادة، كونه يفتقدها بشده رغم امتلاكه للكثير من الأموال وقدرته الفائقة على إمتاع نفسه بمُترفات الحياة، فالبطل (ثابت وجدي) الذي جسد دورة الراحل سامي العدل رجل أعمال لديه ثروة طائلة لكنه يشعر بالوحدة والفراغ جراء وفاة ابنه الوحيد الذي مات غرقاً.
تلك المأساة نسج منها السيناريست مدحت العدل خيوط الشخصية المحورية الدالة على مضمون الفيلم، وفي المُقابل وضع شخصيتين رئيسيتين لاستبيان المفهوم الأعمق للقناعة والوقوف على أسباب السعادة الحقيقية، التي ربما ينعم بها الفقراء، رغم ضيق الرزق وضعف المستوى الثقافي والمعرفي، وهنا تأكيد على سلامة الفطرة الإنسانية التي يعيش الإنسان بُمقتضاها راضياً مرضياً، ولو توقف رزقه عند حد الكفاف.
الشخصيتان الأخريان تتمثلان في (حمامة) محمود حميدة المواطن البسيط الذي لا يملك من حُطام الدنيا غير قوت يومه ورضا أمه المرأة المُسنة أمينة رزق، أما الشخصية الثانية فهي (فراولة) أو يسرا بائعة الورد بجمالها وأنوثتها وثروتها المُتمثلة في ابنها الوحيد (حسين أو سحس) حسب كنيته واللقب الذي يُنادى به، ومن اسم فراولة يتبين المضمون الجوهري للشخصية، فهي كما تم تفسيرها في سياق الفيلم فاكهة طازجة حلوة الطعم ناعمة الملمس سريعة الذبول، إذا ما تعرضت لحرارة الجو ونالت منها عوامل الطبيعة. هكذا جاءت فلسفة الكاتب والمخرج خيري بشارة في تحديد مواصفات الفراولة، إسقاطاً على شخصية البطلة، كذلك أيضاً تمت الإشارة إلى شخصية (حمامة) بوصفه إنساناً مُسالماً يحلق ويطير في فضاء الأحلام الرحب مُتمنياً تحقيق الحد الأدنى من أحلامه كالزواج من فراولة التي تشبهه في التكوين النفسي والإنساني، فضلاً عن أمنيته العزيزة الأخرى في أن يجد ما يسد رمقه ورمق أمه، فيعفيها من الشقاء والجوع والبؤس والركض خلف لُقمة العيش هنا وهناك.

رغبات بسيطة ومُمكنة يرى (حمامة) أنها في الإمكان إذا ما استجاب لرغبة رجل الأعمال (ثابت وجدي) في عقد صفقة بينهما لتبادل المنفعة، المال من جانبه مُقابل السعادة من (حمامة) و(فراولة) وبناء على الاتفاق المُبرم بين الأطراف الثلاثة ومعهم الطفل الصغير تتداعى المواقف وتتبدى الحقائق جلية، إذ لا سعادة في ما يجلبه المال، حيث السعادة منحة إلهية لا تُباع ولا تُشترى ولا يُمكن إخضاعها إلى مراهنات كبيرة أو صغيرة، ولا تُجدي معها التجارب المُثيرة والمُغامرات العنيفة، كسرقة بنك أو ارتداء ملابس نسائية والتحول المؤقت عن الطبيعة، ومحاولة الإيهام بتغيير النوع البشري والدخول في أطوار غريبة ومُدهشة!
كل هذه المحاولات تفشل أمام افتقاد الأسباب الحقيقية والواقعية للسعادة، وهو الخيط الذي أخذ مدحت العدل في مده وتطويره لإثبات أنه لا بديل عن الرضا بالمقسوم من العيش والتكيف مع الظروف الملائمة، كل حسب طبيعته وملابسات حياته وتفكيره وثقافته وواقعة.
لقد فشلت كل نظريات التجريب والتحول في الحصول على السعادة بافتعال الحيل والألاعيب، فلا سعادة في ثروة، أو سُلطة، أو زواج إلا بما يتوافر من أسباب الرضا، حيث السعادة سر اختص الله به نفسه عز وجل، وأودعه في من رضا عنه وأرضاه.. هكذا ببساطه يأتي المعنى ويستقر يقين الإنسان المؤمن بقدرته وقدرة الله عليه.
بعد استنفاد كل المحاولات من جانب الأبطال وتأكدهم من فشل جميع تجاربهم وحيلهم، يأتي الموت ليُنهي الصراع ويُجيب على كل الأسئلة التي طرحها (ثابت وجدي) رجل الأعمال على نفسه إبان بحثه عن السعادة في مشوار القلق المُضني، حيث يُعاجله حمامة بطعنة نجلاء في جنبه وهو جالس بجوار عروسه فراولة التي اغتصبها منه عنوة فيُرديه قتيلاً ويُسدل الستار على المأساة، حيث لا ينفع المال ولا يحمي صاحبه المليونير التعيس من الموت. وتمضي الحياة كما هي تيار لا يتوقف من الأحداث والمواقف والأحزان والأفراح والأتراح، فالكل مُسخر لما خُلق له والأمر كله بيد الله لا حيلة للإنسان في جلب الرزق أو السعادة أو تغيير ما كُتب عليه، بهذه المُعالجة يُنبئنا فيلم «حرب الفراولة» عبر مُعطيات ذكية بُمقتضيات الحياة التي يجب التسليم بقوانينها والخضوع لها بغير قيود أو شروط، أو اعتراض.

كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية