حرب اليمن: متن الأزمة وهامش الحل

أحمد الأغبري
حجم الخط
0

صنعاء ـ «القدس العربي»: أين صار اليمن بعد تسع سنوات من الحرب؟ سؤال يستدعي قراءة واعية لما آل إليه حال البلد، الذي يشهد صراعًا دمويًا على السلطة، تجلى واضحًا منذ اجتياح جماعة «أنصار الله» (الحوثيين) صنعاء في أيلول/سبتمبر2014؛ وهو الاجتياح الذي استمر بمساعدة من القوات الموالية للراحل علي عبدالله صالح حتى فرضت الجماعة سيطرتها على معظم محافظات شمال وغرب البلاد، مقابل نفوذ الحكومة المعترف بها دوليًا على معظم محافظات جنوب وشرق البلاد، فيما هناك محافظات يتقاسمها الطرفان، ممثلة في تعز والضالع والجوف ومأرب وحجة والحديدة وصعدة، ومحافظات يسيطر عليها المجلس الانتقالي الجنوبي (الانفصالي) ممثلة في عدن وشبوة وسقطرى وأجزاء من أبين؛ في ظل تعقيدات تستحوذ على متن الأزمة وتكرّس بقاء الحل في الهامش، مع اتساع فجوة الاختلاف بين وجهات نظر الطرفين.

على السطح يتركز الخلاف بين طرفي الحكومة والحوثيين في الوقت الراهن حول التوقيع على اتفاق الهدنة قبل أو بعد معالجة الملف الإنساني. ففيما يشترط الحوثيون معالجته كمقدمة لتوقيع اتفاق الهدنة تصر الحكومة على التوقيع أولا ثم النظر في الملف الإنساني ثانيا. كما يختلف الطرفان على المرجعيات التي تُسند التسوية؛ فالحكومة تُصرّ على مخرجات مؤتمر الحوار الوطني (2014-2013)، والمبادرة الخليجية (2011) وقرارات مجلس الأمن، وتحديدا القرار 2216؛ وهو ما يرفضه الحوثيون، ما زاد من تعقيد المسار التفاوضي بين الجانبين بموازاة وساطة عُمانية ما زالت مستمرة بين الحوثيين والسعودية.

المفاوضات

على الصعيد السياسي، مر البلد بمنعطفات هامة دفعت لتعقيد الصراع، فالمبادرة الخليجية حولت ثورة الشباب الشعبية السلمية إلى أزمة سياسية، وبناء عليها تم نقل السلطة من علي عبدالله صالح إلى عبدربه منصور هادي، الذي اُستفتي الشعب بشأنه في شباط/فبراير 2012. لم تكن الحكومة التي تم تشكيلها من الفرقاء السياسيين على قدر من الشعور بالمسؤولية تجاه التعامل مع الوضع الجديد وتجاوز الخلافات التقليدية، وتلافي الوقوع في خطأ قد يدفع بالبلد للهاوية، لاسيما وأن الهاوية قد بدت قريبة، لكن الفرقاء ظلوا يتعامون عن رؤيتها. ونتيجة لذلك بدأت الأوضاع تذهب للتأزم، حتى كانت الكارثة التي رمت البلد في أتون حرب عبثية.
في محاولة لاحتواء الأزمة عينت الأمم المتحدة في نيسان/أبريل 2011 السياسي المغربي جمال بن عمر مستشارا خاصًا للأمين العام لشؤون اليمن، ودعت المنظمة الأممية في تموز/يوليو 2011 لمؤتمر حوار وطني، وفي 24 تشرين الأول/اكتوبر 2012 دعا بن عمر جميع الأطراف للمشاركة في المؤتمر، وفي 18 آذار/مارس 2013 بدأ مؤتمر الحوار الوطني الشامل أعماله. استمر الحوار الوطني 10 أشهر حتى 25 كانون الثاني/يناير 2014.
اجتاحت قوات «أنصارالله» (الحوثيون) صنعاء في 21 أيلول/سبتمبر 2014 واستولوا على السلطة بعد تمكنهم من الاستيلاء على مقرات الدولة بمساعدة من القوات الموالية للرئيس السابق علي عبدالله صالح. أسفرت مفاوضات جمال بن عمر على توقيع الفرقاء السياسيين على اتفاق السلم والشراكة، لكن الاتفاق فشل. في 9 شباط /فبراير 2015 أعلن بن عمر استئناف المفاوضات لحل أزمة فراغ السلطة إثر تقديم الرئيس هادي ورئيس الوزراء خالد بحاح استقالتيهما في 22 كانون الثاني/يناير2015 بعد هجوم الحوثيين على دار الرئاسة في 19 كانون الثاني/يناير. فشلت تلك المفاوضات مع اتساع دائرة سيطرة الحوثيين في الشمال، واتجاههم صوب الجنوب، وبالمقابل غادر الرئيس هادي إلى السعودية.
أطلقت السعودية تحالفًا عربيًا باسم «التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن» بناء على طلب من الرئيس هادي، وبدأت العمليات العسكرية للتحالف في اليمن بتاريخ 26 أذار/مارس 2015 ودخلت معها الحرب مرحلة مختلفة ارتفعت معها مؤشرات الدمار والخراب والقتل الناجم عن الغارات الجوية للتحالف.
عينت الأمم المتحدة في 25 نيسان/ابريل 2015 الموريتاني إسماعيل ولد الشيخ مبعوثا جديدًا لها إلى اليمن، الذي قاد مشاورات بين الحكومة والحوثيين؛ فيما عُرف بمؤتمري جنيف 1 وجنيف 2 وبينهما الوساطة العمانية في آب/أغسطس، وفيها لم يتوصل الطرفان إلى اتفاق. وفي نيسان/أبريل من العام 2016 انطلقت مفاوضات الكويت، وبعد أكثر من أربعة شهور انتهت المفاوضات دون اتفاق؛ فاستؤنف التصعيد العسكري.
عينت الأمم المتحدة في14 شباط /فبراير 2018 البريطاني مارتن غريفيث، مبعوثا أمميًا جديدا إلى اليمن، والذي نجح في الوصول بالطرفين إلى اتفاق ستوكهولم في ذات العام، وهو الاتفاق الذي تضمن وقف إطلاق النار في الحديدة، وإلزام الطرفين بتبادل جميع الأسرى والمحتجزين. ونجح غريفيث في تشرين الأول/أكتوبر 2020 في انجاز أول تبادل للأسرى بين الطرفين من خلال صفقة شملت 1056 أسيرا.
في عام 2021 أعلنت واشنطن تعيين، تيم ليندر كينج، مبعوثا لها بشأن اليمن مع إعلانها إيقاف كافة أشكال الدعم العسكري لحرب اليمن. في ذات العام، وتحديدا في آب/ أغسطس عينت الأمم المتحدة، السويدي هانس غروندبرغ، مبعوثًا خاصًا رابعًا لها. من أبرز ما حققه غروندبرغ هو التوصل مع الطرفين إلى اتفاق هدنة دخلت معها الحرب في اليمن مرحلة جديدة من الهدوء مع سريان توقف إطلاق نار ابتداءً من الثاني من نيسان/أبريل 2022؛ وهي الهدنة التي استمرت شهرين ليتم تجديدها مرتين حتى الثاني من تشرين الأول/أكتوبر؛ وتعثر حينها الحصول على موافقة الحوثيين على تجديدها، لكن بقيت الهدنة مستمرة بشكل غير رسمي استجابة لوساطة عُمانية بين الحوثيين والسعودية؛ مع تجديد معارك محدودة على خطوط التماس هنا أو هناك، بموازاة استمرار التحشيد على تلك الخطوط.
في السابع من نيسان/ابريل 2022 أصدر الرئيس عبدربه منصور هادي مرسومًا قضى بنقل السلطة منه إلى مجلس قيادة رئاسي مكون من ثمانية أعضاء، برئاسة رشاد العليمي، وبعد أكثر من عام على اتفاق نقل السلطة لم يشهد المساران السياسي والحكومي أي تطور ملموس.

الوساطة العُمانية

استطاعت الوساطة العُمانية أن تحرز اختراقا في العلاقة بين السعودية والحوثيين، وصولاً إلى زيارة السفير السعودي محمد آل جابر مع وفد رسمي صنعاء خلال الفترة 8-13 نيسان/ابريل، حيث أجروا مفاوضات مع الحوثيين تغيرت معها معادلة الحرب، لكن تلك المفاوضات لم تسفر عن أي تقدم. ولم تتكرر الزيارة حتى الآن مع استمرار التهديد من الحوثيين باستئناف الحرب، واستهداف العمق السعودي، في حال لم يتم الموافقة على اشتراطات الملف الإنساني، ممثلة في دفع مرتبات الموظفين العموميين في مناطق سيطرتهم ورفع كافة أشكال الحصار على موانئ الحديدة ومطار صنعاء وإطلاق جميع الأسرى كمقدمة لتوقيع اتفاق تجديد الهدنة.
مع انفراط عقد الهدنة في تشرين الأول/اكتوبر الماضي بدأ الحوثيون في استهداف موانئ تصدير النفط في مناطق نفوذ الحكومة بهدف منع التصدير، مشترطين دفع مرتبات الموظفين العموميين في مناطق سيطرتهم من عائدات بيع النفط والغاز؛ وهو الأمر الذي ما زال محل تفاوض بين الحوثيين والسعودية حتى اليوم. واسهم اتفاق الهدنة ومشاورات مسقط في رفع مزيد من القيود عن ميناء الحديدة واستئناف رحلات الطيران من مطار صنعاء إلى مطار عمان بواقع ثلاث رحلات أسبوعيا، والتي ارتفعت مؤخرا إلى ست رحلات.
كما استطاع غروندبرغ بالتعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر في إيصال الطرفين إلى توقيع اتفاق تبادل أسرى، وتم بموجبه في نيسان/ابريل الماضي إطلاق سراح نحو تسعمئة أسير من الطرفين؛ في ثاني أكبر صفقة تبادل أسرى ومحتجزين خلال الحرب.
منذ بدء هدنة الثاني من نيسان/ابريل 2022 توقفت غارات التحالف وهجمات الحوثيين فيما وراء الحدود، وأعقب ذلك ارتفاع مؤشرات حرب اقتصادية بين الطرفين لاسيما مع رفع مزيد من القيود عن ميناء الحديدة واستئناف وصول السفن التجارية إليه مع استمرار توقف تصدير النفط من موانئ الحكومة وتراجع إيرادات ميناء عدن؛ وهو ما وضع الحكومة في أزمة ترتب عليها تدهورًا في قيمة العملة الوطنية بموازاة اتساع دائرة الضائقة المعيشية للناس في كل أنحاء اليمن.
ما زالت المشاورات في مسقط مستمرة بهدف التوصل إلى اتفاق بشأن الملف الإنساني، ووفق تصريحات إعلامية للمبعوث الأممي غرندوبرغ فإن المفاوضات متوقفة عند كيفية تسليم المرتبات، إلا أن الملاحظ أن مشاورات مسقط لن تستطيع تحقيق أي تقدم للأمام مستقبلا مع غياب أطراف أخرى، علاوة على عدم تعاملها مع الأزمة كمكون واحد بحاجة لحل شامل.

المعركة

على الصعيد العسكري تواصلت غارات التحالف منذ 26 آذار/مارس 2015 وشملت معظم مناطق سيطرة الحوثيين، وتسببت بتدمير إمكانات عامة، ونجم عنها أعداد كبيرة من القتلى بما في ذلك من المدنيين وخراب مهول. ومن أشد غارات التحالف ـ مثلا- قصف سجن في مدينة صعدة في 21 كانون الثاني/يناير 2022. ووفقا لتقرير لمركز صنعاء للدراسات فقد «شهد شهر كانون الثاني/يناير 2022 الغارات الجوية الأكثر عنفًا للتحالف منذ أكثر من خمس سنوات.
استطاع التحالف إيقاف تقدم الحوثيين باتجاه الجنوب، لكن الحوثيين في المقابل استطاعوا تطوير امكاناتهم التسليحية من خلال امتلاك قدرات صاروخية وطيران مسير تتهم الحكومة إيران بالوقوف وراء ذلك. واستطاعت الجماعة مقابل غارات التحالف توجيه صواريخها وطائراتها المسيرة صوب العمقين السعودي والإماراتي، وتكررت تلك الهجمات كثيرًا في العمق السعودي مستهدفة مطارات ومراكز حساسة، بما فيها منشآت أرامكو في الرياض وآبها وجيزان؛ وهي الهجمات التي توقفت مع توقيع اتفاق الهدنة في الثاني من نيسان/ابريل 2022.
جنوبًا عملت الإمارات على تمويل إنشاء ميليشيات تابعة لها، بما فيها قوات الحزام الأمني وقوات العمالقة الجنوبية وقوات المقاومة الوطنية وقوات النخبة الحضرمية، وفيما يتعلق بقوات الأحزمة الأمنية فهي تحت تصرف المجلس الانتقالي الجنوبي (الانفصالي) الذي تأسس عام 2017 ويتبنى مشروع انفصال جنوب اليمن عن شماله. ويسعى الانتقالي للسيطرة على حضرموت كبرى محافظات البلاد الغنية بالنفط، وهنا دخلت السعودية في خط المواجهة، باعتبار حضرموت تمتلك خطا حدوديًا طويلًا مع المملكة، وحرصًا على منع الانتقالي من الاستحواذ عليها دعمت الرياض إنشاء مجلس حضرموت الوطني؛ وهو ما شكل تهديدا مباشرا للمجلس الانتقالي في حضرموت، لاسيما مع تمدد التجربة وتشكل مجالس وتحالفات مناطقية أخرى في محافظات الجنوب والشرق؛ بالإضافة إلى مكونات سياسية سبق تشكلها هناك.

المأساة

على الصعيد الإنساني تسببت الحرب في إيصال معظم سكان البلاد بلا استثناء إلى وضع إنساني حرج، حيث صار 21 مليون يمني بحاجة للدعم، و17.6 مليون بحاجة للمساعدات الغذائية، و8.4 مليون صاروا على حافة المجاعة، ليشهد البلد أسوأ مأساة إنسانية من صنع البشر في التاريخ الحديث وفق الأمم المتحدة؛ علاوة على الانتشار الواسع للأمراض والأوبئة في ظل توقف عمل أكثر من 50 في المئة من المرافق الصحية عن الخدمة جراء الحرب، وارتفاع مؤشرات الوفيات جراء أمراض كان يمكن الوقاية منها، بما فيها أوبئة كان البلد قد تخلص منها، بموازاة ارتفاع مؤشرات الفقر والبطالة والتسرب من التعليم، واستمرار معاناة النازحين داخليًا، والذين يتجاوز عددهم أربعة ملايين نازح في ظل تدهور غير مسبوق للأوضاع المعيشية لمعظم السكان هناك.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية