هجوم حفتر على طرابلس: شرخ اجتماعي وقبلي يتعمق وفاتورة باهظة

روعة قاسم
حجم الخط
1

تونس-“القدس العربي”: لا صوت يعلو اليوم في طرابلس وأحيائها غير صوت الرصاص والقذائف في تلك الحرب العبثية التي أدخلت العاصمة الليبية، التي كانت حتى الأمس القريب الأكثر أمنا في البلاد، في أتون أزمة جديدة لا أحد يدرك إلى أين ستصل. فقد كان للعملية العسكرية التي أطلقها خليفة حفتر في نيسان/ابريل الماضي، وعرفت تصعيدا جديدا منذ قرابة أسبوع إثر توقيع الاتفاق المشترك بين حكومة الوفاق وتركيا، أثرا سلبيا على الوضع الداخلي في بلد عمر المختار.

فقد عرقلت جهود التسوية السلمية للأزمة الليبية، وزادت في تعميق الفجوة بين الفرقاء السياسيين وفتحت الباب واسعا امام التدخلات الخارجية بكل ما تحمله من أجندات ومخاطر على الليبيين وثرواتهم النفطية وأمن بلادهم. وبعد أن كان الليبيون مع موعد جديد للتقريب بينهم في اجتماع برلين الذي كان مزمعا عقده نهاية شهر كانون الثاني/ يناير المقبل، وجدوا أنفسهم أمام أزمة إنسانية ومعاناة تتصاعد بسبب المعارك وتأجيل التسوية.

شرخ اجتماعي وقبلي

داخليا، لقد كان لافتا الشرخ الاجتماعي الكبير الذي أحدثته عملية حفتر بين القبائل في المنطقة الغربية ونظيرتها في المنطقة الشرقية. فقبائل برقة وجدت نفسها في حرب لم تقررها وكلفتها المئات من الضحايا بين قتلى وجرحى. أما قبائل غرب ليبيا فقد انقسمت بين مدافع عن الحكومة الشرعية المعترف بها دوليا وبين مترددة في دخول هذه الحرب التي كان ضحيتها الأولى المواطن الليبي والمدنيين العزل من ضواحي طرابلس خاصة في مناطق عين زارة ووادي الربيع، وورشفانة وكل مناطقها مثل العزيزية والهضبة وتاجوراء، هذه الضواحي الواقعة على خط النار أغلقت مدارسها وحتى مؤسساتها الصحية مثلما شهدت نزوح حوالي 150 ألف نسمة. فوجد أبناء طرابلس أنفسهم أمام أزمة نزوح جديدة فيما اضطرت أحد أكبر أحياء طرابلس إلى تعليق الدراسة جراء الهجوم حسب ما أعلنت بلدية أبوسليم، قبل أيام وبيّن مجلسها البلدي، في بيان له، إن الخطوة تأتي نتيجة “ما تشهده العاصمة من هجوم ألحق الضرر بالممتلكات العامة والخاصة وما يصاحبه من خطر على سلامة الطلاب وأعضاء هيئة التدريس الآمنين في مدارسهم لاستهدافهم بالقذائف والصواريخ”.

فاتورة باهظة

والمفارقة أن تصعيد الهجوم العسكري على طرابلس جاء مع بدء شروع حكومة الوفاق الليبية في تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي أعلنت عنه في آب/اغسطس الماضي ويهدف إلى تخفيض الأسعار في السوق الليبي رغم الحرب التي تشهدها العاصمة طرابلس. وذلك من خلال تعديل قيمة الرسم المفروض على مبيعات النقد الأجنبي مما يخفض سعر صرف الدولار في المصارف التجارية. وكان من المأمول أن يكون لحزمة الإصلاحات الاقتصادية الجديدة نتائج إيجابية تنعكس بشكل مباشر على السوق الليبي على المدى القصير نتيجة زيادة عرض الدولار، وتجعل السوق الليبية تشهد انفراجة اقتصادية بعد الصعوبات الكبيرة التي أدت إلى غلاء الأسعار بشكل ملحوظ وغياب السلع الرئيسية. فالليبيون اليوم يحتاجون إلى دعم المنظومة الاجتماعية وحمايتها خاصة أصحاب الدخل المحدود، وليس إلى المزيد من الرصاص والصواريخ والدمار والقتلى. ولئن تواصل ضخ النفط كما كان عليه قبل الحرب أي بمعدل مليون و300 ألف برميل يوميا، إلا أن الإيرادات عوض أن تذهب للتنمية تذهب إلى المجهود الحربي. فقد كلفت حرب حفتر المليارات سواء بالنسبة لحكومة الوفاق أو الحكومة المؤقتة.

المعادلة الأمنية

ويعتبر عديد المحللين والمتابعين أن حفتر يدرك أنه لا يمكنه السيطرة على طرابلس ولكن هجومه العسكري ليس سوى محاولة للضغط من أجل خلط الأوراق والحصول على أكبر قدر من الامتيازات في أي عملية أو تسوية مقبلة. فاليوم رغم كل ما يتلقاه الرجل من دعم عسكري خارجي إلا أن المستجدات الأمنية على الأرض تبدو لصالح حكومة الوفاق خاصة بعد أن اعلنت مدينة نالوت غربي ليبيا، الاستمرار في دحر هجوم حفتر على طرابلس، لتصبح عاشر مدينة تتخذ الخطوة ضد الهجوم. وأكد البيان “وقوف مدينة نالوت الأمازيغية مع الوطن والدفاع عنه ومع الحكومة المعترف بها دوليا حكومة الوفاق”. وأشار بانه “لن ترهبنا أية قوة للدفاع عن عاصمتنا الحبيبة (طرابلس) ومنع العبث بها من قبل المرتزقة والمأجورين”.

وحمّل البيان الأمم المتحدة مسؤولياتها تجاه الشعب الليبي بجميع مكوناته للعيش في دولة مدنية ديمقراطية معلنين رفضهم لحكم الفرد والعسكر.

وكانت مدينة زوارة أيضا قد أعلنت، التأهب والاستعداد لصد أي تحرك أو عدوان ضد أي مدينة في المنطقة الغربية. وسبق ان أعلنت ثماني مدن ليبية من المنطقة الغربية، خلال اليومين الماضيين حالة النفير العام، ووضع كافة إمكانياتها تحت تصرف الحكومة الليبية لصد الهجوم وهي: الزنتان، مصراتة، كاباو، جادو، زليتن، الخُمس، ومسلاتة والزاوية.

عقبات أمام حفتر

  ويعتبر البعض أن أحد أهم العقبات أمام حفتر هو اعتماده على قوات سودانية وتشادية فضلا عن الدعم العسكري اللوجيستي الخارجي، مما أفقده الحاضنة الشعبية في منطقة الغرب الليبي. كما أن أغلبية أبناء الغرب الليبي أعلنوا مرارا رفضهم لأي شكل من أشكال الحكم العسكري وما انتفاض ثماني مدن ضد حفتر وإعلانها استعدادها لصد هجومه إلا الدليل على ذلك. كما أن سكان طرابلس ومصراتة وزوارة خرجوا أكثر من مرة في مظاهرات منددة بالهجوم على مدنهم الآمنة، بكل ما حمله من تهديد للسلم الاجتماعي والأمني في المنطقة. خاصة أن هذا الهجوم خلط الأوراق وبعثر كل محاولات الحل السياسي والتسويات والمصالحات التي أنجزت خلال الأشهر الماضية بين القبائل المتصارعة بعد أن تيقنت بان اللجوء إلى السلاح لا يمكن أن يكون وسيلة لإعادة بناء ما تهدم في وطنهم، وأن الرصاص لن يعيد لهم أمنهم الضائع وأبناءهم الذين زهقت أرواحهم في حرب عبثية لا رابح منها سوى القوى الكبرى المؤثرة في الملف الليبي والتي من مصلحتها إطالة أمد الحرب للحصول على أكبر قدر ممكن من الامتيازات في أي تسوية مقبلة.

ويقول المحلل السياسي المختص في الشأن الليبي مصطفى الجريء لـ “القدس العربي” إن هذه الحرب مثلت فرصة للجماعات الإرهابية لتجميع عناصرها في ظل انشغال حكومة الوفاق في صد هجوم حفتر إضافة إلى أن الحرب الراهنة عرقلت إنجاز مؤتمر برلين  ويتابع بالقول “ما من شك أن المستجدات العسكرية وتصميم حفتر على مواصلة الحرب على طرابلس أجبرت حكومة الوفاق على تسخير كافة الإمكانيات البشرية والمادية لصد هجوم حفتر” ويتابع بالقول: “لكن رغم طول أمد الحرب وتحشيد حفتر العسكري بدعم خارجي واضح، أمكن لحكومة الوفاق الصمود وتحقيق اختراقات والقيام بعمليات في خمسة محاور قتال وحفاظها على مدينة غريان الاستراتيجية الجبلية المرتفعة وإعلان حالة النفير في مدن الغرب مثل الزنتان نالوت كباو وزليتن وارسال تعزيزات لمحاور القتال ضد حفتر”. كما أشار محدثنا إلى أن مصادر تسليح حكومة الوفاق معلومة تجري بصورة علنية وليس كما هو الحال مع حفتر. وقال إن حكومة الوفاق اضطرت إلى توقيع مذكرة تفاهم مع تركيا ليكون الدعم الضي تتلقاه علنيا ومشرعنا.

وفي الحقيقة لا يمكن الحديث عن الوضع الأمني والعسكري من غير ذكر خسارة حفتر لكبار ضباطه جراء انسحابهم من المعارك وهما عبد السلام الحاسي رئيس غرفة عملية طوفان الكرامة الذي خرج من المشهد العسكري بعد أن سقطت غريان في يد حكومة السراج. إضافة إلى الضابط السابق علي كنة ويعتبر من قيادات الطوارق وكان من الأسماء التي راهن عليها في الجنوب الليبي، وكان مسؤولا بشكل مباشر على عملية السيطرة على حقل الفيل في اوباري لمدة شهر وهو اليوم أيضا خارج المعادلة ولم يعد محسوبا على حفتر.

ولعل السؤال الذي يطرح اليوم هو أي حل ممكن بين طرفي الصراع بعد إراقة هذا الكم الكبير من الدماء في معركة طرابلس؟ وهل ما زال بالإمكان جمع هؤلاء المتصارعين على طاولة مفاوضات واحدة لمناقشة مستقبل ليبيا بعد هذا الكم الكبير من الأحقاد الذي تسببت فيه الهجمة على طرابلس والتي تم التسويق في البداية على أنها ستكون خاطفة ومحدودة في الزمن؟ وكم من الوقت سيحتاج رعاة الحوار لإعادة بناء الثقة بين الجانبين المتحاربين؟ وهل يتحمل الوضع في ليبيا أصلا المزيد من الأحقاد والثأر الذي قد لا يعرف نهاية في مجتمع قبلي بامتياز؟

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية