تونس-“القدس العربي”: يرى جل الخبراء والمحللين والمهتمين بالشأن التونسي أن الوضع السياسي في البلد يسوده الغموض بشأن التحالفات السياسية التي قد تنشأ بعد انتخابات عام 2019 خاصة مع الأزمات المتكررة التي تعيشها حركة نداء تونس منذ فوزها في المرتبة الأولى في انتخابات عام 2014. فالنداء انقسم إلى أحزاب متعددة وتشتتت كتلته النيابية و”تفرق دمها بين القبائل” خصوصا خلال الأزمة الأخيرة بين المدير التنفيذي حافظ قائد السبسي ورئيس الحكومة يوسف الشاهد الذي أسس حركة “تحيا تونس”.
في المقابل فإن حركة النهضة التي ترشحها استطلاعات الرأي لاحتلال المركز الأول في الانتخابات التشريعية المقبلة، لا يبدو أنها قادرة على الحكم بمفردها بالنظر إلى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المزرية التي تعيشها تونس. ولا يبدو أن للحركة رغبة في إعادة تجربة الترويكا لسنة 2011 حيث احتلت المركز الأول في انتخابات المجلس التأسيسي وشكل أمينها العام آنذاك، حمادي الجبالي، الحكومة ووقع تحميلها المسؤولية عن جميع الانتكاسات التي عرفتها البلاد في ذلك الوقت.
ويتفق العارفون بخبايا الساحة السياسية التونسية على أن حركة النهضة هي وضع مريح سياسيا، فهي شريك سياسي رئيسي في الحكم لكنها لا تتحمل نتيجة الإخفاقات الحاصلة التي نسبت جميعا إلى حركة نداء تونس وإلى رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي ونجله حافظ قائد السبسي. كما يحمل طيف واسع جزءا من مسؤولية تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية إلى رئيس الحكومة يوسف الشاهد وكذا من سبقه إلى القصبة من رؤساء الحكومات السابقين.
وبالتالي فإن الوضع الذي يلائم الحركة ويبعدها عن دائرة المحاسبة هو أن تتحصل على المركز الثاني في الانتخابات التشريعية وتشارك في الحكم مشاركة فاعلة ورئيسية دون أن يقع تحميلها المسؤولية عما سيحصل من كوارث اقتصادية واجتماعية متوقعة. لكن العقبة الرئيسية التي قد تعترض الحركة الإخوانية هي عدم وجود حزب قوي قادر على احتلال المركز الأول يكون واجهتها “الجميلة” للعالم الخارجي على غرار حركة نداء تونس التي لعبت هذا الدور. فلا حزب يوسف الشاهد الجديد والمسمى “تحيا تونس” ولا حركة مشروع تونس التي يرأسها محسن مرزوق قادرين على لعب هذا الدور واحتلال المركز الأول.
لذلك يؤكد البعض على أن حركة النهضة غير بعيدة عن بعض عمليات الاندماج بين بعض الأحزاب السياسية والهادفة إلى تكوين كتلة وسطية قادرة على تعويض حركة نداء تونس في التحالف الحاكم مع الحركة الإسلامية التونسية. ولعل الحديث عن رغبة كل من حزب المبادرة الدستورية الديمقراطية برئاسة كمال مرجان وحزب تحيا تونس الذي يترأسه يوسف الشاهد وحزب مشروع تونس الذي أسسه الأمين العام الأسبق لحزب نداء تونس محسن مرزوق يؤكد هذا الطرح، خاصة مع العلاقة “الاستثنائية” التي باتت تجمع بين حركة النهضة ورئيس الحكومة يوسف الشاهد، بعد خلاف كليهما مع رئيس الجمهورية، والحضور اللافت لقياديين من حركة النهضة لمؤتمر حزب المبادرة الدستورية الديمقراطية الذي انعقد مؤخرا في العاصمة، وتغير لهجة محسن مرزوق مع النهضة نحو الود عوض الصدام.
كما يرى محللون أن حركة نداء تونس قد تتمكن من لملمة جراحها وإعادة توحيد صفوفها بعد عودة الكثير من قيادييها السابقين في عملية إنقاذ شاملة لهذا الحزب الذي تصدع بفعل كعكة الحكم التي تكالبت الأيادي على قصاعها في عملية تغليب للولاءات على الكفاءة. ويبدو للبعض أن حركة النهضة ليست بعيدة عن عملية الإنقاذ هذه في إطار التحضير لـ”الخطة ب” في حال عجز الآخرون عن التنظيم وتكوين جبهة قوية قادرة على تسيير البلاد في إطار ديمقراطية تشاركية يحكمون فيها مع حركة النهضة ومع غيرها من الأحزاب التي ستحتل مراتب متقدمة عند الإعلان عن نتائج الانتخابات.
ويرى محللون أن الانتخابات المقبلة في تونس قد تشهد مفاجآت وإن كانت متوقعة بالنظر إلى نتائج استطلاعات الرأي، وذلك نحو فوز الراديكاليين من الجانبين “الثوري” و”الحرس القديم”. ففي الجانب الثوري يستقطب التيار الديمقراطي الذي أسسه محمد عبو الكثير من “الثوريين” الغاضبين من سياسات حركة النهضة ومن تفكك حزب المنصف المرزوقي الذي كان مؤتمرا من أجل الجمهورية ثم أصبح “شعب المواطنين” وأخيرا حراك تونس الإرادة.
أما فيما يتعلق بالتيار الدستوري فإلى جانب حزب المبادرة المعتدل، برز تيار راديكالي هو الحزب الدستوري الحر الذي ترأسه عبير موسي والذي لا يؤمن بحصول ثورة في تونس ويعتبرها مؤامرة خارجية هدفها زعزعة أركان الدولة. وتضع استطلاعات الرأي هذا الحزب في مواقع هامة خاصة وأن خطاب رئيسته المعادي لحركة النهضة يجد صدى لدى أنصار النظام السابق خصوصا أولئك الذين تم إقصاؤهم من الحياة السياسية بعد سقوط نظام بن علي.