حروب البشرية تنتقل الى عالم كرة القدم!

عالمنا اليوم مليء بالخلافات والأزمات والمتاعب، رغم التقارب البشري بفضل التكنولوجيا الحديثة ووسائل الاتصالات المتطورة ووسائل التواصل الاجتماعي المتنوعة، الا أن السياسة والصراعات الاقتصادية لم تعد هي الوحيدة التي تؤجج خلافاتنا اليوم، بل أصبحت كرة القدم وسيلة فاضحة للشحن والتأجيج والتعبئة نحو الكراهية والعنصرية.
قبل بزوغ عالم التواصل الاجتماعي ووسائل التخاطب المتطورة، وقبل وجود فضائيات تنقل أحداث مباريات كرة القدم بصورة حية ومباشرة، كانت وسائل المناكفات والاستفزازات بين جماهير كرة القدم تقتصر على بضع كلمات وابتسامة ساخرة واستهزاء عابر، وكل ناد له جماهيره المحاصرة بحدود وجغرافيا، فلا وجود لروابط جماهير ولا صوت لأنصار من خارج البلاد، فالتواصل محدود، لكن مع مرور الوقت وتحديداً مع مطلع الألفية الجديدة اختلف الحال تماماً، فالمباريات الاوروبية صارت تنقل عبر الفضائيات الى كل العالم. وفي العقد الثاني من هذه الألفية، صار المحبون لأندية بعينها يتواصلون على مواقع التواصل، بل باتوا يتسلحون بآخر الاخبار والاشاعات عن النجوم والمدربين المحتملين لفريقهم، بفضل المواقع الرياضية على الانترنت، وفجأة اوقدت النار، فلم تعد السياسة وحدها تفرق الشعوب، بل باتت كرة القدم كفيلة بتفرقة أفراد العائلة الواحدة، بسبب حدة المنافسات وشراسة المواجهات.
فجأة أصبح الطفل في عالمنا العربي، يسير على خطى أقرانه بعشق رياضة كرة القدم، وبات مطالب بأن يختار فريقاً يشجعه من القارة الأوروبية، كونها تحظى بأقوى الدوريات، فأصبح يضيق خياراته، بالبحث عن الأفضل والأنجح، ليس فقط في الوقت الحالي، بل عبر تاريخ هذا النادي، لأنه يريد ان يكون في مركز قوي عندما يناكف أقرانه بفريقه المفضل. هنا شاهد العالم ينقسم على تشجيع فريقين كبيرين من اسبانيا، ريال مدريد، ويقال له الملكي، وآخر برشلونة يكنى بالكتالوني، وكلاهما يملك ترسانة من النجوم. هذا لديه رونالدو وذاك لديه ميسي، فيصبح خياره منصباً بين الاثنين، فيدرس التاريخ وعدد الألقاب ومن يثيره أكثر في أسلوب لعبه، أهذا بقيادة النجم البرتغالي أم ذاك بقيادة النجم الأرجنتيني؟ فيختار بينهما.
هنا ينتقل الفتى الذي يكبر بمرور السنوات ليصبح شاباً يافعاً مقدماً على الحياة بكل أوجاعها ومعاناتها، بحثاً عن وظيفة ومنزل أسري، في ظل أحوال اقتصادية مزرية وصعبة، وربما اجراءات سياسية واقتصادية تعسفية من حكومة بلاده، مع الكثير من الخيبات والتطلعات التشاؤمية للمستقبل على المدى القصير، لينظر حوله ليجد ان ناديه الذي اختاره بعناية هو ملاذه وراحة باله وسبب رئيسي في سعادته في هذه الحياة، بل أيضاً في بعض الأحيان تكون خسارة هذا الفريق موجعة الى حد الألم، لكن تبقى له لذة خاصة.
يأتي الشاب المحطم نفسياً بسبب أحوال بلاده الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ومتسلحاً بكل معلوماته وخبرته في متابعة ناديه، ليلقي بدلوه في مواقع التواصل الاجتماعي للدفاع عن ناديه بأشرس ما أوتي من قوة، بل في بعض الأحيان، بأقذر الشتائم الممكنة، على كل من يعادي ناديه او مدربه أو نجوم فريقه، بل على كل من يبدي وجهة نظر ناقدة او تعكس تحليلاً واقعياً لحال ناديه لكنه لا يتماشى مع آماله وطموحاته والرغبات الجامحة في داخله، والتي بناها بعناية للتغلب على أحواله الحياتية المزرية. فيصبح الدفاع عن ناديه باستماتة هو فقط ما يُسمح له للتعبير عن غضبه الكامن ورفضه لأوضاع مزرية، فيستفيض ويستشرس ويبالغ في رؤية محاسن ناديه، ويغض البصر عن السلبيات، بل يوهم نفسه بأنها من فعل الأشرار من الاندية المنافسة، فقط كي لا تهدم الصورة البراقة التي بناها لنفسه، وكي لا يختفي الضوء الساطع الوحيد في حياته، الى درجة انه قد لا يغضب اذا شُتم شخصياً او شُتم أحد أفراد عائلته أو بلاده او حتى دينه، بقدر غضبه اذا سمع أحدهم ينتقد ناديه او مدربه او نجوم فريقه.
للاسف هذا واقع موجود اليوم في عالمنا، والاخطر ان هناك جيوشاً من الأنصار والمشجعين جاهزين دائماً للتعبير عن غضبهم الكامن في كل مكان، فمثلما كشف مدرب بايرن ميونيخ يوليان ناغلسمان يوم الجمعة الماضي عن تلقيه 450 تهديداً بالقتل عبر «انستغرام» عقب اقصاء فريقه من ربع نهائي دوري أبطال اوروبا أمام فياريال، ومثلما تعرض نجوم المنتخب الانكليزي لأفظع الشتائم العنصرية بعد خسارة منتخبهم نهائي كأس أمم أوروبا الصيف الماضي، وغيرها الملايين من الحوادث المؤسفة المتعلقة بكرة القدم، لنكتشف ان فعلاً حروب البشرية انتقلت الى عالم كرة القدم.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية