حرية الإعلام في تونس: المعركة متواصلة

روعة قاسم
حجم الخط
0

تونس-“القدس العربي”: بعد أكثر من ثماني سنوات على انطلاق الثورة في تونس، لا يزال الإعلام يبحث عن متنفس له في خضم مسيرته الانتقالية إلى آفاق أرحب يتكرس خلالها دوره في المجتمع كمراقب للسلطات وناقل للخبر والمعلومة للرأي العام. فهذه الصورة المشرقة للإعلام تصطدم على أرض الواقع بزيادة الانتهاكات والاعتداءات التي تطال العاملين في المجال، وهذا ما دفع نقابة الصحافيين التونسيين إلى التوجه بعدة توصيات إلى السلطات للتحقيق في كل الاعتداءات التي طالت منتسبيها سواء خلال الفترة الماضية أو حتى الآن.

اعتداءات متواصلة

لقد رصدت نقابة الصحافيين عدة اعتداءات طالت العاملين في المجال الصحافي خلال تغطية الاستحقاقات الانتخابية. ووفق ما سجلته وحدة الرصد في مركز السلامة المهنية في النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين فإن هناك 79 اعتداء طال 76 صحافيا بينهم 35 صحافية خلال الفترة الواقعة بين 22 تموز/يوليو و17 تشرين الأول/أكتوبر 2019. ففي شهر تموز/يوليو تم تسجيل اعتداءات على الصحافيين وقع تصنيفها حسب وحدة الرصد بالخطيرة، ومن بينها 4 اعتداءات جسدية، 3 اعتداءات لفظية، وحالة تحريض واحدة وحالة تهديد واحدة. وبيّنت الوحدة في تقرير لها أن الاعتداءات طالت خلال شهر تموز/يوليو الماضي وحده 36 صحافيا، من بينهم 20 صحافية و16 صحافيا يعملون في 7 إذاعات و7 قنوات تلفزيونية وموقعين إلكترونيين ووكالة أنباء وحيدة وجريدة مكتوبة وحيدة، مضيفة أنها سجّلت خلال الدور الأول من الانتخابات الرئاسية ارتفاعًا كبيرًا في حالات المضايقة والمنع من العمل مقارنة بالفترات الماضية، حيث سجّلت 18 حالة مضايقة و7 حالات منع من العمل لا تصنف كاعتداءات خطيرة، نتجت عن تشنج المناخ العام خلال الحملة أو سوء فهم القانون من قبل القائمين على إنفاذه.

وطالبت نقابة الصحافيين المترشحين للانتخابات التشريعية والرئاسية بالاعتذار الصريح والعلني للصحافيين ضحايا الاعتداءات من قبلهم، وذلك وفقًا لمبادئ الدستور والمواثيق الدولية والنصوص الوطنية التي لها علاقة بحرية الصحافة وحق النفاذ إلى المعلومة. كما دعت النقابة الصحافيين والمؤسسات الإعلامية إلى الابتعاد عن الانحياز للأطراف المتنافسة حتى لا يكون ذلك ذريعة للاعتداء على العاملين في الميدان.

وضع هشّ

ويقول الإعلامي والأكاديمي كمال بن يونس لـ “القدس العربي” أن الصحافيين التونسيين تحت ضغط متعدد المصادر رغم تحسن هامش الحريات العامة بشكل واضح منذ كانون الثاني/يناير 2011. واقترنت السنة الانتخابية بمضايقات وضغوط على الإعلاميين في مختلف مواقعهم. ويؤكد بالقول: “أصحاب المؤسسات الذين تزايدت ديونهم المالية بسبب شح موارد الإعلانات وغياب آلية لتنظيم توزيعها بشفافية، وتسبب ذلك في إحالة كثير من الإعلاميين على البطالة أو الاقتطاع من رواتبهم إلى جانب عدم تسديد مستحقاتهم الاجتماعية وحصتهم في صناديق التأمين على المرض ومؤسسات التقاعد. كما تسبب إفلاس كثير من المؤسسات الإعلامية في طرد المزيد من العاملين في قطاع الإعلام أو تخفيض رواتبهم وفرض حصص دوام غير قانونية عليهم.

أما على مستوى الصحافيين فقد أصبحوا عرضة إلى ضغوط متعددة المصادر: من عموم المواطنين الذين يحملونهم مسؤولية عدم احترام أصحاب المؤسسات لأخلاقيات المهنة الصحافية، ومن ممثلي الحكومات واللوبيات السياسية الذين يريدون أن يفرضوا عليهم مزيدا من الضغوط، ومن قيادات بعض مجموعات الضغط التي تسعى لأن تفرض عليهم مزيدا من الخطوط الحمراء .كما أصبح الكثير من الصحافيين والعاملين في قطاع الإعلام محل شبهات وتتبع إجرائي خاصة عندما يحاولون فتح ملفات الفساد المالي والسياسي أو انتقاد عدد من المسؤولين في الدولة والمعارضة والنقابات”.

غياب الهياكل المهنية

وتقول الصحافية والمحللة السياسية منية العرفاوي لـ “القدس العربي” إن “الإعلام التونسي يعيش منذ الثورة إلى اليوم تحديات كبرى ورهانات أكبر، خاصة في غياب هياكل تعديل ذاتي قوية ومنتخبة من مجلس نواب الشعب، رغم الجهود الكبيرة التي بذلتها هيئة الإعلام السمعي البصري (الهايكا) خاصة في الانتخابات الماضية”. وتضيف: “ولكن تعديل المرسوم 116 الذي ينظمها مهم حتى تكون أقوى وأكثر نجاعة في أداء مهامها في فترة تحول ديمقراطي صعبة على جميع المستويات، وفي مشهد سمعي بصري تعددي، حيث إلى اليوم لم يُنظر البرلمان في التعديلات والتنقيحات المدخلة على المرسومين 115 و116 وأعتقد أن ذلك يعود إلى رغبة مشتركة بين أغلب الأحزاب في ترك الإعلام في وضع هشّ إلى أقصى مدى تريده، بالنظر إلى التعدد والتنوع الكبير الذي بات عليه الإعلام اليوم والذي يجعله عصيا على التطويع أو التوظيف من الطبقة السياسية. ثم أن غياب مجلس صحافة يهتم ويرصد تجاوزات الإعلام المكتوب سواء الورقي أو الإلكتروني غذّى الانفلات في المحامل المكتوبة خاصة في علاقة بالمناخات الانتخابية”. كما تطرقت محدثتنا إلى الوضعيات الاجتماعية والاقتصادية الهشة لأغلب الصحافيين، معتبرة ان ذلك يجعلهم فريسة سهلة للوبيات المال والأعمال ولمراكز النفوذ التي تضع يدها اليوم على جزء هام من الإعلام الخاص، وتطوعه وفق أجندات سياسية واضحة. وما عمق المأساة هنا هو غياب هياكل مهنية قوية قادرة على حماية الصحافي من كل هذه التأثيرات والمؤثرات التي تجعل منه لقمة سائغة لهذه اللوبيات”.

وتدعو العرفاوي إلى طرح ملف الإعلام كأولوية وطنية لإرساء هياكل تعديل ذاتي قوية، مسنودة بقوانين ذات فعالية وذلك من أجل الوصول إلى إعلام مقرون بالجودة وحقيقي يكون دعامة ثابتة للديمقراطية وضمانة أساسية لحرية الرأي والتعبير التي ما تزال تواجه مخاطر حقيقية من السياسيين ومن أنصارهم حسب قولها.

التضييقات على الإعلام

وتقول د. أروى الكعلي الصحافية والمدربة والباحثة في مركز الإعلام والاتصال “فرات” لـ “القدس العربي” إن “معركة حرية الصحافة والتعبير هي معركة متواصلة وليست أمرا قد نجحنا في اكتسابه كما نردد دائما”. وتضيف: “في حقيقة الأمر ما شهدناه من اعتداءات على الصحافيين لانتمائهم إلى مؤسسات إعلامية تحمل أجندات وخطوط تحرير معروفة يستوجب الإشارة إلى أن المعركة لا تتعلق فقط بمقاومة تضييقات السلطة وإنما أيضا بتكريس ثقافة حرية التعبير من أسفل إلى أعلى”.

وتضيف: “تستوجب حرية الصحافة والتعبير تعددية إعلامية وتقتضي اختلاف أجندات المؤسسات الإعلامية وخطوط تحريرها. وهنا نبرز أنه لا توجد مؤسسة إعلامية حول العالم بلا أجندة أو خط تحريري واضح وتوجهات وقيم تحاول الدفاع عنها، حتى المؤسسات الأكثر عراقة والتي نعتقد أنها الأكثر حيادا تخفي عنا الكثير من القصص وتروي القصص الباقية من وجهة نظرها. وتعدد الأجندات هو أمر ضروري لحماية حرية الصحافة والتعبير”. وتوضح: “ولكن المسألة في تونس مرتبطة بعدد من العناصر، فأولا لم ننجح بعد ثماني سنوات من الثورة في تحقيق الانتقال الإعلامي في سياق هوسنا بالانتقال الديمقراطي بالرغم من أن تطوير المناخ الإعلامي هو أحد أعمدة نجاح الانتقال الديمقراطي”.

وتؤكد الكعلي أن عددا من المؤسسات الإعلامية في تونس ما تزال تعمل في سياق نصوص قانونية تعود إلى ما قبل الثورة مثل مؤسسة التلفزيون على سبيل المثال. وتوضح: “وما زلنا نعتمد مرسومين ينظمان القطاع السمعي البصري وهو المرسوم 116 والطباعة والنشر وهو المرسوم 115 من دون أن ننجح في المصادقة على قوانين أساسية، بل اعتبرت المنظمات الحقوقية مشروع القانون الأساسي المتعلق بحرية الاتصال السمعي البصري الذي اقترحته الحكومة متعارضا مع الدستور في علاقة بضمانات حرية التعبير”.

ولكن بالرغم من هذا التأخر على مستوى النصوص هناك محاولة من العاملين في القطاع لحماية حرية التعبير من خلال ممارسة عملهم اليومي والتصدي لأي تضييقات ممكنة. هذا على الرغم من التحديات التي يعيشها الصحافيون في تونس على مستويات مختلفة ترتبط أساسا بالتشغيل الهشّ والتأخر التكنولوجي وعدم توفر البنية التحتية الضرورية للعمل الصحافي المعاصر وهو أمر من شأنه أن يؤثر في جودة المنتج الصحافي حسب الكعلي.

وتضيف بالقول: “ومن المهم بالنسبة إلينا أن نؤكد أن هذين المسارين القانوني من جهة والممارساتي من جهة أخرى هما أمران متلازمان. فمن الضروري أن تكون هناك نصوص تنظم العمل الإعلامي والاتصالي بمختلف أشكاله وتضمن حرية التعبير طبقا لأحكام الدستور وتنظم الممارسة الاتصالية على الإنترنت خاصة في عصر الأخبار الزائفة.

ولكن أيضا لابد من الإشارة إلى أن وجود النصوص من دون تطبيق وتفعيل حقيقي هو أمر لا يمكن له وحده أن يحمي حرية التعبير في البلاد، بل لا بد من العمل على تكريس ثقافة حرية التعبير التي تقتضي تقبل حق الآخرين في التعبير عن آراء لا نتفق معها أو لا تعجبنا لسبب أو لآخر، لأن رفضنا لذلك يعني ضمنيا تخلينا عن حقنا في التعبير عن آراء لا تعجب الآخرين”.

وهذه الممارسات تفرزها حتى المجتمعات التي تمتلك ثقافة وإرثا لمئات السنين من حرية التعبير وأبسط مثال على ذلك هو خطاب الكراهية المنتشر على الإنترنت والذي يعد ظاهرة عالمية لا ترتبط بسياق ثقافي محدد. وهنا تخلص الكعلي إلى أن المسألة تتطلب في الأساس التصدي المستمر لأي ممارسات من شأنها أن تعود بنا إلى الوراء أو أن تهدد حرية التعبير بأي شكل من الأشكال وهذا التصدي يجب أن يكون على مستويات عدة، المستوى القانوني من جهة، والمستوى الممارساتي والتوعوي من جهة أخرى”.

الحاجة إلى التأهيل

يشار إلى أن وزارة الداخلية قد نظمت في وقت سابق دورات تدريبية كثيرة في كيفية التعامل بين الأمنيين والصحافيين في أوقات الأزمات، خاصة وأن تونس تعيش احتجاجات واضطرابات بشكل كثيف في السنوات الأخيرة، أي منذ 17 كانون الأول/ديسمبر 2010 تاريخ انطلاق شرارة الثورة. ورغم هذه الدورات الهامة فإن انتهاكات ما زالت تسجل بالجملة في أكثر من مكان، وما زال الطرفان وخصوصا الطرف الأمني في حاجة إلى مزيد التأهيل لأنه لا مفر من علاقة سليمة بين طرفين قدرهما أن يلتقيا في ساحات الاحتجاج حيث النفوس مضطربة والتوتر يبلغ مداه من جميع الأطراف المتواجدة على الميدان.

وبالتالي فإن الانتهاكات التي تطال الصحافيين وتعيقهم عن أداء مهامهم هي معضلة حقيقية تسبب تأخر التحول الديمقراطي وتحد من حرية الإعلام. فمن دون إعلام حر لا يمكن الحديث عن تحول ديمقراطي ولا عن عملية سياسية ناجحة هدفها تكريس التداول السلمي على السلطة والحريات والرفاه للمواطن.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية