القاهرة ـ «القدس العربي»: لا يزال إعلان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، نيته بتحريك سعر الخبز المدعم يلقي بظلاله على الأوضاع في مصر، حيث توالت ردود الفعل على القرار، المنتظر تطبيقه في وقت قريب.
وقالت مصادر لـ«القدس العربي» إن وزارة التموين والتجارة الداخلية المصرية تدرس اقتراحات لتنفيذ تحريك سعر الخبز المدعم.
وأوضحت أن الوزارة بين خيارين، الأول رفع سعر الخبز بنسبة 100 ٪، من 5 قروش إلى 10 قروش، أو رفعه بنسبة 300 ٪، ليصل سعره إلى 20 قرشا، مع إعادة وزنه إلى 110 غرامات، بدلا من 90 غراما، وهو الخفض الذي شهده وزن رغيف الخبز خلال السنوات الماضية.
«تضليل وتلاعب»
حزب «التحالف الشعبي الاشتراكي» المصري، قال الأحد إن «العودة للحديث عن دعم السلع التموينية ورفع الدعم عن رغيف الخبز دون النظر إلى مجمل مخصصات الدعم وأهميتها إلى إجمالي مصروفات الموازنة وإلى الناتج المحلي الإجمالي، هو تضليل وتلاعب بالأرقام».
وفي تقرير حمل عنوان «عيش بلدي» قال المكتب الاقتصادي للحزب إن «الدراسات المتنوعة أشارت إلى أهمية دعم الخبز في تقليل حدة الفقر، في وقت لا تنظر الحكومة بعين الاعتبار لارتفاع حدة الفقر وتوطنه وتوارثه وعجز الفقراء عن الخروج من دائرة الفقر، وفشل سياسات الحماية الاجتماعية تجاه المستحقين لتخفيف حدة الفقر» مشيرا إلى أنه «إذا كان الهدف من رفع سعر الرغيف تقليل عجز الموازنة كما يدعي البعض، فإن فرض ضرائب تصاعدية تصل إلى 40 ٪على الدخول، وفرض ضرائب على الثروات التي تزيد على 50 مليون جنيه، سيوفر مليارات الجنيهات للخزانة العامة دون الإضرار بأكل عيش الفقراء في ظل انتشار الفقر وأمراض سوء التغذية».
«لم يكن مفاجئا»
وأوضح المكتب أن حديث «السيسي يوم 3 أغسطس/ آب الجاري، خلال افتتاح مجمع الصناعات الغذائية في محافظة المنوفية عن مشكلة دعم رغيف الخبز لم يكن مفاجئا».
وتابع الحزب: «منذ نوفمبر/ تشرين الثاني 2016 ونحن نعاني الكثير من السياسات التي التزمت بها مصر عند حصولها على قرض صندوق النقد الدولي والمنشور بالتزامات مصر وخطاب النوايا الذي قدمته للصندوق والصادر بالقرار الجمهوري رقم 108 لسنة 2017 والمنشور في الجريدة الرسمية العدد (7) في 15فبراير/ شباط 2018».
وأضاف أن «قرض الصندوق البالغ 12 مليار دولار (خلال 3 سنوات) دفع مصر للالتزام بالعديد من السياسات الاقتصادية والنقدية والمالية، منها تعويم سعر صرف الجنيه أمام الدولار من 8 جنيهات إلى 18 جنيهاً، وارتفاع التضخم لأكثر من 35٪ عن الأسعار السائدة قبل الاتفاق، كما تم تخفيض متوال لمخصصات الدعم في الموازنة، وصدرت قوانين الخدمة المدنية والتأمينات الاجتماعية استجابة لتعهد الحكومة بتقليص مخصصات الأجور، وتم التحول من ضريبة المبيعات إلى ضريبة القيمة المضافة، وهو ما أدى لموجات متتالية من الغلاء، إضافة إلى التقليص المستمر في مخصصات الدعم».
وزاد الحزب في تقريره: «إذا كان الدعم قد فرض لتخفيف الأعباء عن الفقراء ومحدودي الدخل، فإن كل السياسات التي تم تنفيذها استجابة لتوجيهات الصندوق كان الهدف منها تخفيض عجز الموازنة وتخفيض الديون وأعباء خدمة الدين».
وأكد أن «العودة للحديث عن دعم السلع التموينية ودعم رغيف الخبز دون النظر إلى مجمل مخصصات الدعم وأهميتها إلى إجمالي مصروفات الموازنة وإلى الناتج المحلي الإجمالي هو تضليل».
وحسب التقرير: «ارتفع عجز الموازنة العامة للدولة من 239,9 مليار جنيه في موازنة 2014/2015 إلى 475.5 مليار في موازنة 2012/2022 والديون المحلية ارتفعت من 1.9 تريليون جنيه إلى 4 تريليون جنيه، والديون الأجنبية ارتفعت من 46 مليار دولار إلى 123,5مليار دولار في يونيو/ حزيران 2020 مع الفارق أنه في عام 2014 كان الدولار يساوي 8 جنيهات وفي 2021 أصبح يساوي أكثر من 15 جنيهاً. كما ارتفعت فوائد خدمة الديون من 199 مليار جنيه إلى 579.6 مليار جنيه، وبذلك لم تؤد روشتة الصندوق لعلاج مشاكل المالية العامة بل فاقمت منها مع زيادة المعاناة على الغالبية من المصريين».
وزارة التموين والتجارة الداخلية تدرس اقتراحات رفع سعر الخبز المدعّم
ولفت التقرير إلى أنع «في عام 2015 كان معدل الفقر في مصر 27.8٪ ارتفع إلى 32.5 عام 2018 أي بعد تنفيذ برنامج الصندوق، ثم عاد إلى الانخفاض إلى 29.5٪عام 2020، كذلك ارتفعت نسبة الفقر المدقع إلى 6.2 ٪ من السكان أي أكثر من 6.5 مليون مصري غير قادرين على توفير الاحتياجات الغذائية الضرورية».
وأوضح التقرير أنه «في عام 2020 احتسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء خط الفقر الوطني بـ 857 جنيهاً للفرد شهرياً أي 3428 جنيهاً شهرياً للأسرة المكونة من 4 أفراد، وخط الفقر المدقع 560 جنيهاً/ شهريا للفرد بما يعادل 2033 جنيهاً للأسرة المكونة من 4 أفراد شهرياً، ووصل خط الفقر المدقع في 2020 إلى حوالى 560 جنيهاً للفرد، بينما بلغ معاش الضمان الاجتماعي 420 جنيهاً للأسرة المكونة من 4 أفراد أي أقل من خط الفقر المدقع للفرد بتقرير التعبئة والإحصاء، وكذلك معاشا تكافل وكرامة، اللذان طرحتهما الحكومة لتعويض الفئات المتضررة من تنفيذ برنامج صندوق النقد الدولي وإطلاق الأسعار وحرية القطاع الخاص وتقليص مخصصات الدعم».
ونقل الحزب عن تيدروس أدهانوم جيبريسوس، مدير منظمة الصحة العالمية، تصريحه بشأن وجود عدد كبير من الأطفال لا يحصلون على الحد الأدنى من الأنظمة الغذائية المتنوعة مما يؤثر على نموهم بشكل طبيعي، داعياً الحكومات إلى توسيع نطاق نهج نظام الغذاء الفعال الذي يضع الأطفال والشباب في قلب الاهتمامات.
وأضاف: «1 من كل 3 أطفال لا ينمو بشكل جيد بسبب سوء التغذية، و2 من كل 3 لا يستطيعون الوصول إلى الحد الأدنى من الأنظمة الغذائية المتنوعة التي يحتاجونها للنمو والتطور والتعلم، أدعو الحكومات إلى توسيع نطاق نهج نظام الغذاء الفعال الذي يضع الأطفال والشباب في القلب».
ودعا التقرير إلى «البحث عن برامج لتنفيذ توصيات منظمة الصحة العالمية بدلا من الحديث عن زيادة أسعار رغيف الخبز الحصن الأخير للفقراء في مصر، ومعدلات أمراض سوء التغذية لدى الفقراء المصريين 29.5 ٪ وخاصة لدى الأطفال، على الرغم من إعلان الرئيس وجود 4 ملايين طفل يعانون السمنة المفرطة، وهي أحد أمراض سوء التغذية، بالإضافة إلى 8 ملايين طفل يعانون الأنيميا وفقر الدم، 1.3 مليون يعانون من التقزم وقصر القامة، أي أن 12.7 مليون طفل مصري يعانون من أمراض سوء التغذية وفقأ لهذه الأرقام».
وواصل: «إذا كان الهدف تقليل عجز الموازنة كما يدعي البعض، فإن فرض ضرائب تصاعدية تصل إلى 40 ٪ على الدخول وفرض ضرائب على الثروات التي تزيد على 50 مليون جنيه، سيوفر مليارات الجنيهات للخزانة العامة».
آخر الحصون
وزاد: «لكن الانحيازيات الاجتماعية تأتي دائماً على الكادحين مع المزيد من المزايا والإعفاءات للمستثمرين. ويتحمل الشعب المصري الكثير من الأعباء التي تتزايد وتتضاعف سنوياً، ولكن رغيف الخبز يشكل آخر حصون حماية الفقراء وتخفيضها يدفع الملايين لحد الفقر ولا تخشى العواقب الاجتماعية لهذه القرارات وتأثيرها على السلم والأمن الاجتماعيين».
ويبلغ سعر الخبز المدعم خمسة قروش، ونجا الخبز المدعم من عمليات رفع الدعم، التي طالت كافة المنتجات خاصة الوقود خلال السنوات الماضية، طبقا للاتفاق بين الحكومة المصرية وصندوق النقد الدولي، فيما عرف بتطبيق خطة الإصلاح الاقتصادي، في مقابل حصول مصر على قرض قيمته 12 مليار دولار. ولم يتحرك سعر الخبز في مصر منذ عام 1988، وهو العام الذي شهد ارتفاع سعر الرغيف من قرشين إلى 5 قروش.
وحافظت الدولة على استقرار سعر الخبز البلدي المدعم حتى يونيو/ حزيران 1980 عند سعر نصف قرش للرغيف، ليرتفع بعد ذلك إلى قرش، واستقر عند هذا السعر حتى سبتمبر/أيلول 1984، ليرتفع مرة أخرى إلى قرشين واستقر سعره حتى عام 1988، إلى أن ارتفع إلى 5 قروش وظل سعره ثابتا حتى الآن. وظل سعر الرغيف خطا أحمر لم تجرؤ أي من الحكومات المتعاقبة طوال هذه الفترة على تحريكه، سوى مرة واحدة في عهد السيسي من خلال تخفيض وزن الرغيف وليس رفع السعر.