عن عمر يناهز الثمانين غيب الموت الشاعر العراقي حسب الشيخ جعفر، ولد في منطقة هور السلام في مدينة العمارة سنة 1942 ودرس في معهد غوركي للآداب في موسكو وتخرج فيه عام 1970 وعمل في إذاعة بغداد رئيسا للقسم الثقافي من 1970 ـ 1974 وفي جريدة «الثورة». وأسهم في الكثير من الصحف والمجلات. وترجم أشعارا روسية للعربية، ومن أبرز ترجماته «مختارات من شعر يسينين» وكتب رواية واحدة سنة 1969 بعنوان «الريح تمحو والرمال تتذكر». وكتب السيرة الذاتية بعنوان «رماد الدرويش» وفيها يروي وقائع من سيرته عن أيام الدراسة في موسكو. أما الشعر فهو عطاؤه الثر الذي يميزه من حيث هو أديب مبدع. فقد صدر ديوانه الأول «نخلة الله» عام 1969 و«الطائر الخشبي» عام 1972 و«زيارة السيدة السومرية» عام 1974 و«عبر الحائط في المرآة» عام 1977 و«أعمدة سمرقند» عام 1985 و«في مثل حنو الزوبعة» وحظيَ لجودة شعره ومتانته بعدد من الجوائز التي تمنح عن جدارة لا تبعا للعلاقات الشخصية، أو بتوصية من الناشرين، منها جائزة السلام السوفييتية سنة 1983 وجائزة سلطان العويس للشعر العربي في دورتها الثامنة عن سنتي 2002 و2003.
يقول خالد علي مصطفى في كتابه «شعراء خارج البيان الشعري» إن الحديث عن حسب الشيخ جعفر يظل حديثا ناقصا ما لم يراع المتحدث عنه ثلاثة أمور؛ أولها عدم الخضوع لأي بعد أو أفق أيديولوجي، بحيث يكون له أثره المتلامح على قصائده. والثاني منها تركيزه في شعره على ثنائية القرية والمدينة تركيزا يفصح عن تفاعل الذاتي بالموضوعي، وهو شيء شاع في الشعر العربي في ستينيات القرن الماضي. والثالث انصرافه الكلي للقصيدة المدورة. وهي ظاهرة جديدة في الشعر العربي، إذ التفعيلة العروضية لا تنتهي بانتهاء البيت، بل يمكن أن يكون جزء منها في نهاية البيت، وتتمتها في أول البيت الذي يليه، ما يتيح للشاعر أن ينظم قصيدته نظما يسمح بجريان المعنى في عدد من الأبيات بلا توقف، وبلا فواصل وزنية خاضعة لترتيب مسبق، مثلما هي الحال في الشعر العربي القديم، أو ترتيب افتراضي يخضع لتقسيم القصيدة لمقاطع، مثلما هي الحال في الشعر العربي المعاصر (الحر) أو أي نسق شعري آخر، كالذي عرف به الرومانسيون؛ جبران، الشابي، ميخائيل نعيمه وآخرون..
وتعود هذه الظاهرة في شعره لما تراءى له من ابتكار فاتن في قصيدة «هذا هو اسمي» للشاعر أدونيس، التي استمع إليها في بغداد أثناء الزيارة الأولى التي قام بها أدونيس للمشاركة في مؤتمر الأدباء العرب المنعقد في الأيام من 24 إلى 28 من شهر إبريل/نيسان عام 1969.
ومع أن التدوير معروف على ندرة في الشعر القديم، وفي الحديث، إلا أن حسباً سحر به وفتن جراء تلك القصيدة التي تجلى تأثيرها في قصيدته «قارة سابعة» التي نشرها في العام نفسه، ثم عاد ونشرها ثانية في ديوان «الطائر الخشبي» 1972. والتدوير في ذاته ليس شيئا لافتا إلا إذا كان في ما يقوله الشاعر وفي ما ينظمه بعض التفنن على مستوى الصورة واللغة، فضلا عن الرؤيا الشعرية. فقصيدته المبكرة تلك تبدو لنا أقل تمثيلا لعبقرية هذا الشاعر من قصائد أخرى، لاسيما قصيدته (أوراسيا) التي يذكرنا النظم فيها بتعانق الغنائي والسردي. فهي تتخذ قالب المونولوج الدرامي الذي يتحدث فيه المتكلم إلى نفسه حديثا يتضمن مشهدا يقبع هو نفسه في بؤرته، فتتلامح أجزاء المشهد وكأنها لقطاتٌ تُرى على شاشة متحركة:
أرى الحافلات الأخيرةَ، تهجر موقفها
أرتدي معطفي، وأغادر غرفتي
البهوُ منطفئٌ، والخفيرة تنصحني
أنْ أغطيَ رأسيَ خوفا من البردِ،
اشكرها مسرعا
أتوقَّف عبر الحديقة
أسمع خطوا بطيئا ومقترباً
أتبيّنُها في الضباب الخريفي
هذا المقطعُ من القصيدة يستوقف المتلقي بما فيه من تنضيد لأجزاء المشهد، مستخدما الفعل الدال على الحاضر للدلالة على زمنية الموقف، وضمير المتكلم، للدلالة على تبئير الشخصية في السرد الذاتي. والأمكنة بتراصها في السياق: موقف الحافلات، غرفتيَ، البهو المنطفئ، الحديقة.. وهذه الأماكن ليست منفصلة بعضها عن بعض، إذ تتصل بينها حركة المتكلم، وتنقلاته. علاوة على ذلك، فإن تساوق هذه الأجزاء من المشهد وترابطها ترابطا شديداً يذكرانا بما يقال عن تراسل المعاني. ونادراً ما تخلو القصيدة لدى الشاعر، الذي يغلب على شعره هذا النسق من الحوار الذي نجد في المثال الآتي نموذجا منه مصغراً:
ـ أنشرب شيئا؟
ـ ونسمع شيئا، أتعرف؟ شربي المفضل هذا النبيذ الجنوبي
ـ لكنه قد تغير
ـ أعلمُ، لن أتجرع إلا قليلا
وقد أتناول كوباً من الشاي
ـ لكنني لم أرجل شعري
أتسمحُ
وهذا حوارٌ لا يفتقر للوزن، لكنه يوشك مع ذلك أن يكون نثرا أو كالنثر، لما فيه من العفوية، وما فيه من نسق يذكرنا بالحوار في القصة القصيرة، أو الرواية، وحتى في المسرحية. فالقصيدة بهذا التكوين الفني تتخطى جماليات الشعر التقليدي لأخرى تسمح بتداخل الأجناس الأدبية تداخلا لا يسفر عنه شيوع ما يعرف بالفوضى الجمالية، التي عُرفت لدى الدادائيين. والدليل على هذا أنَ حسَباً في قصيدة له أخرى بعنوان (جذور الريح) ـ وهي من ديوانه «زيارة السيدة السومرية» – يطفو الطابع الغنائي على ما عداه، ويهيمن على ما يظن سردا. فهو يستعين على ذلك بالإيقاع الأنيق لإضفاء مسحة جمالية خلابة على النص، وبالمجازات المبتكرة التي تضفي عليه غلالة بيانية مفعمة بالسحر، والألق:
عائدٌ أنت إلينا
نخلةً فرعاء تمتد علينا
راية نجدية ملء يدينا
عائد أنت إلينا حيدرا أو عقبةً
تمتطي الريح خيولا متربة
قبضة تنزع يوما خيبرا
تمتطي الريح إلى حطين مهرا أشقرا
فليس ثمة شك في أن تعبيرات من مثل نخلة فرعاء، وتمتطي الريح خيولا، وتمتطي الريح مهرا، تتضمن في نسيجها اللفظي صورة تتناسب مع الخطاب الجماعي، الذي ينم عنه ضمير الجمع في إلينا وعلينا ويدينا إلخ.. ويتوافق هذا النسق الخطابي مع تطلع الجماهير لعودة القائد المنقذ الذي يذكرنا بحطين وبيوم خيبر. وها هنا تتغلب النبرة الغنائية، والتنغيم الذي يشي بحلاوة الجرس، ووضوح الموسيقى، نتيجة التكرار، وتتابع القوافي، على الطابع السردي للقصيدة. والطريف أن الشاعر على الرغم من أنه ينجذب في شعره نحو التدوير، وهو مظهر يكاد يبدو فيه مترسلا لا يعنى بالقوافي، إلا أننا نجده في بعض شعره يتقيد بالقافية تقيدا شديدا، حتى ليذكرنا بدَيْدن الشاعر القديم، والحديث الكلاسيكي عندما لا يتخلى عن الروي. وهذا واضحٌ جليٌ في قصيدة «النداء والصوت» وهي من ديوانه المذكور «زيارة السيدة السومرية». ففيها يشدنا النظم بموسيقاه المتوثبة، وإيقاعه الرنيم:
أيها العائد في ليل النهار
لا تدقِ البابَ فالبابُ جدار
أيها القشُ الذي بُعثر في الوجه كذرّات غُبار
إنه القشّ المثار
ذلك العشب المندّى بالمطر
وقد يشعر القارئ بشعور من يقرأ قصيدة من الشعر القديم ذي الشطرين، بما تتصف به القصيدة من علوّ النغم، وقوة الجرس، والتدفق الغنائي. بيد أن في الأبيات صورا تذكرنا باقتراب الشاعر من الحداثة، وتخليه البيِّن عن التقاليد، ومن ذلك التناقض في «ليل النهار» و «الباب جدار» و»القش ذرات غبار» و»العشب مندى بالمطر» أي أن حسباً مع محافظته، وصيانته لبعض تقاليد القصيدة على مستوى الوزن والروي والاتساق الموسيقي يتجاوز تلك التقاليد بما يبتكرة من تأنُّق مجازيٍ إذا جازَ التعبير. علاوة على هذا يتطلب الإنصاف أن ننوّه لريادته التي لا خلاف فيها لكتابة قصار القصائد، والقصيدة ذات البناء الدرامي، وقد تكون قصيدة (خيط الفجر) من ديوانه «عبر الحائط في المرآة» خير مثال يشير لهذا النسق، بما عمد إليه فيه من تعدد الأصوات. فهذا مقطع بصوت الرجل، وذاك مقطع بصوت المرأة إلخ.. أما المفارقة في اللفظ، وفي الصورة، فتكثر في شعره كثرةً لا تخفى.
كاتب أردني