منذ رحيل الرئيس الأشهر لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي، الكاتب والمُثقف سعد الدين وهبه، لم يشهد مهرجان مصر الرسمي تفاعلاً يُذكر إلا بعد عودة الفنان والنجم حسين فهمي، لأداء دورة المهم كرئيس وقيادي للمرة الثانية، لفعاليات الحدث الثقافي السينمائي، الذي يُقام سنوياً في القاهرة، وتتوافد إليه أفواج الفنانين والمُبدعين من كل أنحاء العالم. لقد أحدثت الدورة الخامسة والأربعين للمهرجان المذكور صدىً واسع النطاق على المستويين الفني والسياسي، إذ ركز رئيس المهرجان خلال الفعاليات التي استمرت نحو عشرة أيام على القضية الفلسطينية، مُستغلاً وجود كبار الشخصيات العالمية من فنانين وكُتاب وصحافيين ونُقاد للكشف عن مدى ارتباط الشعب المصري وجمهور المُثقفين، وجميع القيادات العاملة في الحقل الثقافي، على دعم الأشقاء الفلسطينيين في حربهم ضد الكيان الصهيوني المُتسلط، الذي لا يحترم أي قوانين أو مواثيق دولية ويستمر في طغيانه وجبروته بلا أدنى وازع من ضمير أو أخلاق.
لقد صعد الفنان حسين فهمي على المسرح في حفل افتتاح الدورة الرابعة والخمسين، مُرتدياً الكوفية الفلسطينية للتأكيد على دلالة القوة والتحدي، بإشارة مهمة وذكية لم تخف على الحضور رمزيتها، كإعلان واضح وغير مُلتبس لتمسك الجماعة الثقافية المصرية بالحق الفلسطيني والمقاطعة الأبدية لكل أشكال التطبيع الثقافي مع العدو. وبالفعل ترجم رئيس المهرجان حسين فهمي موقفه ترجمة فورية بإعلانه القوي والحاسم برفض أي دعم من الشركات التابعة للدول التي تقف مع إسرائيل، في خندق المواجهة والعدوان ضد فلسطين، في معركتها التاريخية في قطاع غزة وبقية الأراضي المُحتلة. كما كان اختيار اللجنة العُليا للمهرجان السينمائي المصري الرائد للفيلم الفلسطيني «أحلام عابرة» ليكون عنواناً دالاً للتضامن مع الشعب الفلسطيني في ليلة الافتتاح، وقعا خاصا على الحضور، حيث تم تبليغ الرسالة على مرأى ومسمع من العالم كله، فقد نقلت وسائل الإعلام العربية والعالمية مقتطفات من حفل الافتتاح، وتداولت وسائل التواصل الاجتماعي بُمختلف أنواعها ومسمياتها أخبار الفيلم الفلسطيني المهم المُحتفى به، كبوابة عبور إلى بقية الفعاليات التي استمرت ما يقرب من أسبوعين وأحدثت أثراً ثقافياً كبيراً في الأوساط العربية والدولية.
ولم يكن فيلم الافتتاح وحده، العمل الذي تحمس له حسين فهمي وأصر على عرضه في المهرجان للتعبير عن حيوية السينما الفلسطينية وبقائها وتميزها، وإنما كانت هناك أفلام أخرى أخذت فرصتها في العرض والمشاركة والنقاش والتحليل، جاء في مقدمتها فيلم «حالة عشق» إخراج كارول منصور ومنى خالدي، وهو يوثق حياة الطبيب الفلسطيني غسان أبو ستة رجل المبادئ الذي يحترم مهنته كطبيب ويمارسها بشكل إنساني بالغ التأثير. وكذلك جاء الفيلم الفلسطيني «الإجازات في فلسطين» للمخرج مكسيم لندون عنواناً آخر لقوة السينما الفلسطينية وسحرها الإبداعي الفريد، في توصيل الرسائل السياسية ذات المعاني المُتعددة والعميقة، غير أن الاحتفاء والاحتفال بصُناع الأفلام الفلسطينية كان له أيضاً تفسيره الدلالي على تقدير الجمهور المصري والعربي للمُبدع الفلسطيني ودورة القتالي في الفترات العصيبة التي تُستنهض فيها كل الهمم وتُستغل فيها كل الأسلحة الإبداعية والفنية للدفاع عن القضية المصيرية العادلة، قضية الأرض والاستقلال والهوية وهو دور ليس غريباً على السينما الفلسطينية وصُناعها الذين حذا فنهم الاستثنائي النوعي الخاص حذو القضية في كافة مراحلها التاريخية فكان داعماً قوياً لها وفاضحاً لكل سوءات المُتراجعين المُتخاذلين المُفرطين.
وبالطبع لم تغب لبنان المُبدعة عن أجواء مهرجان القاهرة السينمائي، فقد كان حضورها برغم نُدرة أفلامها قوياً بمعناه الثقافي والسياسي والإنساني ففيلم «موندوف» الذي حظي بالمشاركة خلال الفعاليات ترك أثراً واضحاً لدى كل من شاهده، فالسينما اللبنانية بشكل عام لها جمهورها الخاص الذي يُدرك قيمتها وأهميتها ويعي دورها ورسالتها جيداً، ومن ثم فهي شديدة التأثير، على الرغم من قلة إنتاجها.
ولعل الشيء الذي ميز الدورة 45 لمهرجان القاهرة السينمائي على المستوى الفني وجود 194 فيلماً من 72 دولة حرصت جميعها على المشاركة والمنافسة على الجوائز، وما زاد من أهمية الدورة الفارقة هذا العام أنها تضمنت 37 عرضاً عالمياً من الأفلام الناطقة بلغات مُتعددة، وشملت 8 عروض دولية، بالإضافة إلى 119 عرضاً سينمائياً من منطقة الشرق الأوسط وافريقيا، ما يُعد تميزاً غير مسبوق يؤكد تطور المهرجان فكرياً وفنياً وسياسياً، حيث مثلت جميع الأفلام التي شاركت في الكرنفال الإبداعي الكبير طفرة على مستوى التعامل التقني والتوظيف الدقيق لقُدرات السينما وتأثيراتها البالغة.
كاتب مصري