يبدو أن الهوس بالأدب قَدَر لا مفر منه لدى البعض. أن يعمل المرء في مهنة مرموقة، تغنيه عن أشياء كثيرة، وتوفر له السفر إلى جميع أنحاء العالم، في تخصص مليء بالإغراءات المادية، ثم لا يتنازل عن تَعلُّقه بالكتابة، رواية، قصة قصيرة، ومقالات في الثقافة والنقد، فهذا أمر يستحق الاهتمام. وهو ما لفتني إلى الكاتب علي حسن، صاحب العديد من الأعمال الروائية مثل «أنا مي زيادة» و«كاتانجا… الخمر والبارود». والمجموعات القصصية: «قطعة صغيرة من الشوكولاتة» و«الخريف يلملم أوراقه». بالإضافة إلى كتب المقالات الفكرية، مثل «التطرف مهنة الإنسان الأولى». فقد كان من الممكن أن يبعده العمل، كخبير دولي في مجال التنقيب عن البترول في كثير من دول العالم، في أوروبا وآسيا ودول الخليج العربي، عن مجال الإبداع، وأن يُمضي حياته مستمتعاً بمزايا هذه المهنة، والسياحة في بلدان العالم، مكتفياً بمباهج الفراغ الذهني، وخلو البال. لكنه آثر الكتابة على كل ما عداها، معطياً جُلَّ وقته للثقافة وفروعها المختلفة.
في مجموعته الأخيرة «حشرات سوداء» يظهر انحيازه الواضح إلى القصة القصيرة، والتمكن من فَنِّيَّاتها. إنه يبدأ في معظم النصوص من نقطة تحكمية يفرضها منطق الحبكة، يساعده على ذلك حفاظه على نسق السرد التقليدي. فهو لا يلجأ إلى أي نوع من أنواع التثوير، محافظاً على إيصال رؤيته إلى المتلقي عبر التسلسل الطبيعي للحكاية، بعيداً عن التجريب، أو الخوض في متاهات تكتيكية ليست على لائحة توجهاته، فلديه طريقته في فرض التوترات داخل المشاهد التي يرصدها في أعماله. فهو يلجأ إلى خلق صور بصرية، تنتمي إلى الواقع المعاصر، بنبرة هادئة تتماشى مع تلك الصور، دون سعي إلى تجميد عنصر الزمن نتيجة الوصف المُفرِط، والمبالغ فيه.
فثمة انتقالات، وتغيير متواصل، نلاحظه في أثناء القراءة، مع الشعور بالذات الإنسانية لدى معظم أبطال هذه الإضمامة. كما في قصة «تفاح أمريكاني»، حيث نجد شخصية مواطن مصري متوسط الحال، يعمل في صيانة الساعات، يتذكر موعده مع صديق الطفولة والصبا والشباب، وزميل سنوات الدراسة، من المرحلة الابتدائية حتى التعليم الجامعي، هذا العائد من أوروبا برفقة زوجة ألمانية:
«لم يدع لي فرصة كي أرتب عبارات تليق بسنوات غيابه، ذراعاي ترفضان ضمّه، شفتاي ترتعشان، كأنهما تجاوزتا براءة الطفولة، قلبي لم يعد قادراً على استرجاع مشاعر الأخوة ودفء اللقاء، والعيون لا تكذب! أمسك «زكي» يدي متجهاً إلى الصالون؛ أجلسني على مقعد قرب الباب».
هذا هو الجو الذي سيحيط بالقصة، الشخص المتحفظ، الذي يدرك منذ اللحظة الأولى الفارق المادي الذي كرَّسته سنوات عمل صديقه في الخارج، تحديداً، مع تقديم طبق تفاح أمريكاني إليه. هنا تبدو المفارقة، والشعور بالانفصال، وأن هناك هوة سحيقة بينهما، عززها تقديم هذه الفاكهة مرتفعة الثمن، المقصورة على الأثرياء. إنها إحدى صور الرخاء الغربي، ومنتج من منتجات الرأسمالية، بعيد المنال بالنسبة إلى الفقراء، فهو لا يدخل ضمن منظومة الضروريات الشرائية لدى الأغلبية. الشيء المؤكد أن هذه الأسباب المضمرة، كانت وراء رغبة البطل في شراء هذه الفاكهة لولديه، بالنقود الموجودة في جيبه، فور انصرافه من عند صديقه، التي لم تكن تكفي لشراء كيلوغرام كاملاً. لكنه فعلها كواجب أبوي، محضراً لهما شيئاً عزيزاً، لردم الهوة الواسعة التي أوجدها هذا اللقاء الكاشف عن كثير من الفوارق الاجتماعية.
في قصة «اغتراب»، ثمة مونولوغ ذاتي، يعتمد شعرنة السرد، بميله الواضح إلى الغنائية، عبر تداعٍ حزين. فنحن أمام بطل يجتر ألم الوحدة، في مدينة مكتظة بالبشر، الفوضى تضرب أركانها، وتحيلها إلى مدينة عجوز، لم تعد تغريه بالتسكع، للهروب من عزلته العقيمة، فالزحام مهلك، وأجساد الكائنات تنزف ملحاً. يتوارى دفء الألفة، وينتهك الغرباء «قاهرته». للوهلة الأولى، يتصدر «الاغتراب» المشهد، واضحاً، صريحاً، بدءاً من العنوان ليمثل عتبة أولى، تعتمد كلمة واحدة، مكتنزة، تفيض بالدلالة، وتكشف عن هذا الانفصال المؤلم عن المكان. اغتراب وجودي، ليس مادياً فقط، بل يشير إلى اللاجدوى، التي تؤدي مع مرور الوقت إلى فقدان الانتماء، حيث تتحول المدينة إلى كيان رمزي يتنازل عن هويته الأصلية تحت ضغط هذا الاختناق، وفقدان المعالم التاريخية، التي كانت تثري المشاعر القومية، وتدعم فضائلها. لقد ذكرتني هذه القصة بكلمات للدكتور حسن حنفي، يصف بها الهوية كتجربة شعورية تمثل ظاهرة إنسانية، وهو يصرح بأن الهوية تعني أن يكون الشيء «هو هو» وليس غيره، أما الغيرية فهي نقيض الهوية، فإذا كانت الهوية هي الأنا، فالغيرية هي اللاأنا…
نعود هنا، مجدداً، مع السارد الحزين وهو يضع كلماته الأخيرة، مغلقاً النص على أوجاعه، وعذابه «الوطني» إزاء التحولات الكارثية التي طرأت على مدينته، هامساً بمرارة: «قاهرتي؛ بحر عميق، شاطئ ملعون، غيوم، أفواج من الصيادين، فضاء أسود، مصابيح سيارات تضيء، وتنطفئ، تكرار يثير الريية! جسدي المنهك يرتعد، كل ألغام الخوف تنفجر فجأة تحت قدمي، أشلائي أسراب سمان يحلق في السماء. رؤوس السمان تتهاوى، بينما الشِّباك تردد مع المرابين أنشودة النصر!».
في كثير من النصوص، نرى هذا الوضع الإنساني البائس، القائم على الارتداد، والانكفاء على الذات، وبوادر انسحاب قاسية من المجتمع، كما نلاحظ في قصة «عابر حياة» التي تفصح عن نفسها قبل أن يأتي إلى نهايتها. ربما لاعتماد الكاتب على فكرة ثرية، يطرح فيها مساحة تخص كثيراً مما نراه حولنا، أو ما نلمسه عن طريق المعايشة، باستخدامه أسلوباً بسيطاً في هذه المرة، حتى لا يتحول انتباه المتلقي إلى شيء آخر بعيداً عن أحداث القصة. هنا الإشارات المتواترة تمتد، تشكل شيئاً فشيئاً وحدة النص، بشكل ملح يقوم بتوليد الأحداث على مدار السرد، كل فقرة تمثل نقلة تصاعدية، على نحو يتحول معه القارئ إلى شريك في الحبكة، منقاداً إلى النهاية بخفة مطلقة.
للتصوف أيضاً مكان في هذه المجموعة القصصية، إنه يأتي كبديل روحي، مضاد للاغتراب، ونقيض للعزلة السوداء، فهو ليس انسحاباً من العالم، أو انفصالاً جسدياً عنه، بل عزلة لتنقية النفس، والتحرر من شوائب الدنيا، طريقة للوصول، والقرب من الله، باب من أبواب الترقِّي الروحي؛ خيار واعٍ، يحاول به المتصوف تجاوز مأزق الوجود، بالانفصال عن عالم ملغوم بالأسئلة، إلى براح عالم بلا تعقيدات، يتحدى الوجود المادي، ويجد لكل سؤال جواباً، كما نجد في قصة «صوفية». ثمة فتاة كفيفة، تنتمي إلى أسرة من المتصوفة، حيث بدأت الطريق مبكراً بصحبة أبيها، وبتزكية من أمها، فقد كانت تذهب معه إلى شيخ الطريقة، وتجلس في «الحضرة»، تتلو الأوراد الزكية، بروحانية خالصة، وصوت خاشع جعل الجميع يتنبؤون لها بمقام عالٍ، يبدو ذلك من امتداح الشيخ الكببر لصوتها: «تلاوة بكر لينة، تذيب الحجر، يتصدع منها جبل (المقطم) خشوعاً ورهبة، دون تلعثم أو تعتعة، رغم صغر سنك يا بنيتي، وبصرك الكليل، لكن بصيرتك أكبر وأعظم».
في هذه القصة، استطاع علي حسن أن يصف لنا جانباً من روحانية هذا العالم الشفيف، «الخلوات» و«الأوردة» المصاحبة لها، الطقوس النورانية، جلسات الذكر، الملابس البيضاء والخضراء، الأشياء المفضلة لسالكي هذه الطرق. مصوراً الأحداث كوحدات مستقلة، كل «خلوة» أو «حضرة» تأتي كمشهد قائم بذاته إذا تمّ عزله عن بقية القصة، وفي الوقت عينه، هو حدث مرتبط تماماً ببقية الأحداث، لا ينفصل عنها. فالكاتب حريص على توجيه نظرتنا إلى الموضوع، مهتماً ببناء القصة، مرخياً العنان لهذا الجانب المضيء من الحياة، كاشفاً عن نقاء الاعتقاد، وضرورة اليقين، الذي يضيف إلى نفس المتلقي إحساساً مريحاً حيال هذه الصور الجمالية.
تضم هذه المجموعة تسع عشرة قصة، تنهل من الحياة، وتعتمد شخصيات نراها، ونلاحظها دائماً، في ردود أفعال كثير من البشر حولنا. وهي تقترب من العادي، والمألوف، كاشفة عن رغبة الكاتب، واهتمامه بمحيطه القريب، ومعالجة هذا الواقع الاجتماعي، وفورانه، بتوازن وحسن تقدير، من خلال العرض التصويري، دون تدخل، أو إبداء وجهة نظر معينة. فهو راوٍ محايد، خفي، مثل كُتَّاب المسرح، لا يفرض نفسه على النص، لا تشعر بوجوده على خشبة المسرح، ولا تكتشف جزءاً مُسرَّباً من سيرته الذاتية متغلغلاً في مجرى الحكاية، عبر السارد الذاتي، الذي يعتبر نفسه انعكاساً للعالم، يرى الحياة وفقاً لمنظوره الخاص، وتصوراته الشخصية، فهذه كتابة تلتزم فنيات معينة، هي التي توجهها، تيار كغيره، ضمن ألف تيار، يثري الكتابة ويضيف إلى عالم الإبداع.
في قصة «العنبر يفوح بألوان بنفسجية» يصف الحياة كما هي، لا كما يجب أن تكون، ملتزماً التصوير الطبيعي للحكاية، ملقياً بالحقائق، واحدة وراء أخرى، يجعلها تتدفق، وتنساب بهدوء، فلا مجال لديه للمفاجآت، والانقلابات الدراماتيكية. إنه لا يدخر قفلات مثيرة، ولا تستهويه هذه التكتيكات، ما يذكرك بالكاتب الفرنسي الشهير إميل زولا، رائد المذهب الطبيعي، وبعض الأعمال الأولى لنجيب محفوظ التي تقاطعت مع هذا التيار. لكن هذا لا يعني أن ليس لديه ثيمة معينة، يعمل عليها كثيراً، وهي موضوع السفر للعمل في الخارج، الغربة وتداعياتها الاجتماعية، سلباً، وإيجاباً. فالبطلة هنا، هي باختصار زوجة لرجل يعمل في إحدى الدول خارج مصر، لم يقضِ معها سوى أيام بعد الزفاف، ثم انطلق مجدداً إلى السفر، لم يتبقَّ لهما في هذه الحياة التعيسة سوى التواصل عبر الإنترنت، لقاءات حميمة افتراضية، من خلال كاميرا الحاسوب. إنها الحياة التي لا توفر كل الاحتياجات دفعة وأحدة، ما تعطيه من جانب، يتم خصمه من جانب آخر.
في قصة «الخنافس السوداء»، لقطة مثيرة، تلخص واحدة من آفات الحاضر، مشهد من زماننا المعاصر، سائق «توكتوك» يخطف هاتف بطل القصة، في أثناء إجرائه محادثة مع زوجته، يجري الرجل وراء السائق اللص، يلحق به، يقوم الأخير بتمزيق يده ووجهه بمطواة، ليجد نفسه أخيراً على أسفلت الطريق، بثياب مهلهلة، والدماء تسيل منه.
هذا مشهد مألوف لدينا، يحدث بلا رادع حقيقي، أجاد المؤلف تصويره، هابطاً في هذه المرة إلى قاع المجتمع، مسلطاً الضوء على هذه النقطة السوداء في جبين الحاضر. ربما أرادها تحذيراً من تفاقم هذه الظاهرة، التي تفتقر إلى الحسم في مواجهتها، فالحشرات السوداء غالباً ما ترتبط بالتحلل، والعفن، والتهديد. إنها لا تتكاثر إلا نتيجة الإهمال وعدم التصدي لها، فوجودها على هذا النحو يوحي بالانحطاط وانهيار القيم.
علي حسن: «حشرات سوداء»
دار بيت الحكمة للثقافة، القاهرة 2024
167 صفحة.