لم تعد السمعة والثراء والتاريخ تكفي لضمان التميز والتألق واحراز الالقاب في عالم كرة القدم الحديثة، بل هناك دائماً فرصة للمغمورين أن يناكفوا الكبار في كل موسم، وان يحققوا مفاجآت باقصاء الكبار، ليعرفوا باسم “الاحصنة السود”.
مثلما اكتشفت أندية مانشستر يونايتد وريال مدريد وميلان، صاحبة العراقة والثراء والتاريخ، ان هذه السمات لم تسعفها في كثير من الاحيان، ان لم تصاحبها خطط ومواهب ونتائج ايجابية دائماً، لكن “الاحصنة السود” دائما تطل برؤوسها في كل موسم، ومنها من يكمل المشوار، ومنها من يكتفي بتحريك المياه الراكدة في البداية ثم تتلاشى قواه.
بعد مرور نحو ربع الموسم، فان كل الدوريات الاوروبية الخمسة الكبرى أفرزت مفاجآت، قد يكون أبرزها في الدوري الأثرى والأكثر شراسة، البريميرليغ في انكلترا، حيث يسير ليستر بخطى ثابتة قبل حلول الجولة الثامنة، وقبل لقائه ليفربول الذي جرى أمس السبت، حيث احتل المركز الثالث، وهو الذي كان صاحب أكبر مفاجأة في تاريخ الكرة الانكليزية عندما توج بطلاً في 2016، على عكس كل التوقعات، بل كانت هذه التوقعات تعتبره من المرشحين للهبوط في مطلع ذلك الموسم. اليوم وبعد هذا الانجاز تعاقب على تدريب النادي بعد اقالة الاسطوري كلاوديو رانييري، المساعد كريغ شكسبير وبعده الفرنسي كلود بويل، وكلاهما كانا أقل من حجم المهمة، وأخفقا في دفع النادي الى الامام، لكن النادي استدرك الامر، في الموسم الماضي، ولولا حادثة مقتل مالكه التايلندي بتحطم طائرته، لكانت اقالة المدرب بويل وتعيين الايرلندي بريندان روجرز جاءت مبكرة. لكن اليوم مع المحنك روجرز تبدو الامور وردية، فالفريق لديه مجموعة من أفضل الشبان الموهوبين في انكلترا، يتقدمهم ماديسون وغراي وتشيلويل وبارنز ونديدي وتيليمان وايهناتشيو وشودري، وجميعهم دون الـ22 عاماً، وجميعهم لعبوا لمنتخباتهم الوطنية بفئاتها السنية المختلفة، وهؤلاء يقودهم المخضرم فاردي، لتبرز القناعة بأن ليستر هو الوحيد، ومنذ احراز اللقب في 2016، قادر على اختراق الستة الكبار في ظل معاناة مانشستر يونايتد وتوتنهام، ودخول تشلسي وارسنال في مرحلة انتقالية.
في ايطاليا، نجد أتالانتا مجدداً، يصارع الكبار ويحتل حالياً المركز الثالث، متقدما على عمالقة مثل ميلان وروما ولاتسيو ونابولي، بل هو فاجأ كثيرين بأنه كان أحد أربعة فرق متأهلة الى دوري أبطال أوروبا الموسم الماضي. وهو قد لا يهدد هذا الموسم صراع يوفنتوس والانتر على اللقب، ولكن مجرد حجز مكان مؤهل لدوري الأبطال مجدداً سيعد مفاجأة كبيرة، علماً انه الوحيد من الكبار لا يتبع مدينة كبيرة، فهو يعود الى مقاطعة بيرغامو، ولهذا أطلق عليه لقب “ريجينا ديلي بروفينسيالي” أو “ملك أندية المقاطعات”.
في اسبانيا، مجرد وجود غرناطة في المركز الثاني بفارق نقطة واحدة عن المتصدر ريال مدريد، بعد مرور 7 جولات، وقبل لقائهما سوياً (السبت)، فانه يعد مفاجأة من العيار الثقيل. فهذا النادي الأندلسي مر عليه 9 مدربين في الاعوام الثلاثة الأخيرة، في واقعة عكست تخبطاً في ادارته، الا ان هذا الموسم الذي عاد فيه الى الدرجة الاولى كان رائعاً، خصوصاً بعد انتصاره على حامل اللقب برشلونة في الجولة الخامسة.
أما في المانيا، فيبرز المغمور فرايبورغ، الذي يحتل المركز الثالث بعد مرور 6 جولات، متقدما على الكثير من العمالقة، مثل دورتموند وشالكه وبريمن وليفركوزن وفرانكفورت، لكن أول من يعترف أن هذا الأمر مؤقت هم أنصار فرايبورغ، الذين يدركون انه لم يتباروا مع اي فريق من النصف الأعلى من الترتيب بعد، بل يعلمون ان فريقهم “يويو”، أي انهم دائمو السقوط الى الدرجة الثانية والصعود الى الاولى، ولهذا يغنون في المدرجات “نحن نسقط… نحن نصعد… نحن نلعب في الدوري الاوروبي”، في اشارة الى ترك بصمة دائماً في صراع التأهل الاوروبي.
أخيراً في فرنسا، المغمور انجيه، يحتل المركز الثاني حالياً بعد مرور 8 جولات، وهو الذي صعد الى الدرجة الاولى في 2015 بعد غياب 21 عاماً.
الآن هذه الأمثلة الخمسة، هي الاحصنة السود التي نجحت في عبور حدودها في الربع الاول من الموسم، لكن من منها سيستمر الى النهاية؟