في تطور واضح للحركة السينمائية المصرية، تشهد الأجواء الثقافية في هذه الأثناء تزايداً ملحوظاً في الإقبال على دور السينما، تزامناً مع بدء عروض أفلام مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، باعتبار المهرجان عُرساً ثقافياً تتجدد فعالياته موسمياً وتصاحبه ضجة إعلامية كُبرى تساهم بشكل كبير في الدعاية للحدث الفني الإبداعي الذي يُمثل واجهة السينما المصرية والعربية كونه المهرجان الأكبر والأقدم في منطقة الشرق الأوسط منذ 45 عاماً. وقد جرت العادة على أن تحتفي دور العرض السينمائية في القاهرة بالأفلام المُشاركة من كل دول العالم، فهي على المستوى الاقتصادي تُعد فرصة ثمينة لتحصيل أكبر عائد من الإيرادات يعوض خسارة دور العرض، من النسبة المفقودة من الجمهور على مدار السنة، ومن الناحية الفنية تساعد العروض حديثة الإنتاج على تجديد الرؤى وتطوير الذائقة لدى الجمهور، الذي يتشوق لمشاهدة الأفلام النوعية والمُختلفة الواردة من كل البلدان والعواصم العربية والأوروبية.
قبل نحو عشرين عاماً تقريباً كان هناك نشاط صحافي موازي للمطبوعات السينمائية المُتخصصة ونشرات المهرجان التي يتم طبعها بالاتفاق مع إدارة المهرجان لزيادة التفاعل الجماهيري، وتحصيل بعض المكاسب المالية لصالح أصحاب هذه النشرات، ومن يقومون ببيعها وتسويقها، وهو أمر كان يُمثل في حينه ظاهرة فنية تجارية تعود آثارها على عشاق السينما ومُتابعي المهرجان السنوي المهم. وبتأثير الدعاية القوية والاهتمام الجماهيري، اعتادت دور العرض في وسط العاصمة، على إضافة حفلات جديدة لجدول العروض يبدأ تشغيلها بعد مُنتصف الليل زيادة في التنويع وإغراء الجمهور بالمُتابعة والبحث عن الأفلام المُثيرة وغير التقليدية، وبالطبع تُحقق حفلات مُنتصف الليل أضعاف ما تُحققه الحفلات الأخرى من دخول وإيرادات على مدار اليوم كله.
وبفضل خبراء التسويق ومُكتشفي الأفلام المُمتعة والمُسلية يتم اختيار بعض العناوين الجاذبة وتوضع المُلصقات الخاصة للتنويه بالمحتوى والمضمون، ولا يهم في هذه الحالة التمسك حرفياً بتفاصيل الموضوع أو القضية التي يناقشها الفيلم، بل يتفنن مُنظمو الدعاية في تدبيج العبارات المثيرة الدافعة للمشاهدة والاطلاع على ما تحويه الأفلام الموضوعة في جدول حفلات مُنتصف الليل بوصفها حفلات خاصة للكبار فقط.
وقد استمرت هذه الحيلة على مدى تاريخ مهرجان القاهرة السينمائي الدولي وما زالت مُستمرة، فهناك نجمات حصدت أفلامهن مئات الملايين من الجنيهات، نتيجة إعمال المبدأ الدعائي القائم على الإثارة والتشويق، ومن أشهر هؤلاء مادونا وسلمى حايك وبريجيت باردو وجينا لولو وغيرهن الكثيرات من جيل الثمانينيات والتسعينيات في السينما العالمية. وكذلك تم استثمار أسماء بعينها من النجوم الرجال عبر مراحل زمنية لاحقة، كتوم كروز وويل سميث وليوناردو دي كابريو وبراد بيت وأميتاب باتشان وجاكي شان، كنماذج ناجحة ومُنشطة لشباك التذاكر، وربما تسير خُطة أصحاب دور العرض على المنهج نفسه هذا العام في ما يتصل باستغلال حفلات مُنتصف الليل التي تضمنتها جداول العروض السينمائية للمهرجان في دورته الخامسة والأربعين، حيث تم اختيار مجموعة من الأفلام العربية والعالمية على قدر من الأهمية والتنوع للعرض في الحفلات ذات الإقبال الجماهيري. من بين الأفلام المُختارة والمُحتفى بها في دور السينما في وسط القاهرة الفيلم الفرنسي، «كيف ترتكب جريمة» وفيلم «مُذكرات حلزون» من استراليا وفيلم «طوابع بريد» من روسيا و»زهرة الثلج» من اليابان و»دخل الربيع يضحك»، و»أبو جودي» و»الأم والدُب» من مصر و»قصر الشمس الزرقاء» من الولايات المُتحدة وفيلم «مالو» من البرازيل وفيلم «2 يناير» من المجر وفيلم «قابل البرابرة» من فرنسا و»آيشا» من تركيا، بالإضافة إلى عدد آخر من الأفلام المتميزة من تونس والمغرب والجزائر وفلسطين.
وتجدر الإشارة هنا إلى تركيز بعض الأفلام العربية والعالمية خلال دورة مهرجان القاهرة السينمائي الخامسة والأربعين على القضايا السياسية الراهنة في منطقة الشرق الأوسط كفيلم الافتتاح الفلسطيني «أحلام عابرة» للمخرج رشيد مشهراوي و»2 يناير» من المجر و»عزيزي مالوش» من بنغلاديش. وربما للمرة الأولى منذ سنوات، حرص المهرجان بقيادة رئيسة الفنان حسين فهمي، على تفعيل الرسالة السينمائية في اتجاه النقد الجريء والشجاع لحالة الصمت المزري من جانب دول العالم، إزاء ما يحدث من انتهاكات ومجازر وإبادة جماعية في غزة والمُدن الفلسطينية الأخرى الواقعة تحت الاحتلال، مع وضوح نبرة الإدانة القوية للكيان الصهيوني، الذي يتمادى في عنفه وصلفه وجبروته ضارباً عرض الحائط بكل المواثيق والاتفاقات الدولية التي تكفل لفلسطين الحق في الاستقلال والحرية، شأنها شأن أي دولة تتمتع بالسيادة على أراضيها ويحكم شعبها نفسه بنفسه.
كاتب مصري