تونس ـ «القدس العربي»: أراد التونسيون بناء أول ديمقراطية عربية غير طائفية وغير محروسة من قبل مؤسسة ملكية أو عسكرية، فقرروا أن يوفروا لها كل ممهدات النجاح والعوامل المساعدة على رسوخها وتجذرها في تربتها. فلا يكفي في الديمقراطية أن يختار الشعب حكامه وممثليه بنفسه سواء من خلال الانتخاب أو بالتسمية مباشرة ممن فوضهم شؤونه، بل وجب توفير آليات رقابية سواء غير مباشرة، مثل رقابة المؤسسات والهيئات الدستورية والقضائية، أو مباشرة يمارسها الشعب بنفسه من دون الحاجة إلى وسطاء.
ومن بين الآليات الرقابية المباشرة التي تكرس مبدأ الشفافية الإدارية، تمكين غير المنتمين إلى الإدارة من المواطنين وغيرهم من النفاذ السلس إلى المعلومة المتعلقة بنشاط الهياكل العمومية للدولة مثل الوزارات والمؤسسات والمنشآت العمومية، وهو ما يعرف بحق الغير أو حق أي شخص في النفاذ إلى المعلومة. ويجد هذا الحق مرجعه في الدستور التونسي لسنة 2014 والذي نص في الفصل 32 منه على أن الدولة تضمن الحق في الإعلام والحق في النفاذ إلى المعلومة، وأيضا في القانون الأساسي عدد 22 لسنة 2016 المؤرخ في 24 اذار/مارس 2016 المتعلق بحق النفاذ إلى المعلومة والوثائق الإدارية، بالإضافة إلى منشور رئيس الحكومة عدد 19 المؤرخ في 18 ايار/مايو 2018 والمتعلق بالحق في النفاذ إلى المعلومة.
وقد عرف القانون الأساسي عدد 22 لسنة 2016 المؤرخ في 24 اذار/مارس 2016 في فصله الثالث النفاذ إلى المعلومة بأنه نشر المعلومة بمبادرة من الهيكل المعني والحق في الحصول عليها بطلب. كما عرف المعلومة بأنها كل معلومة مدونة مهما كان تاريخها أو شكلها أو وعاؤها والتي تنتجها أو تتحصل عليها الهياكل الخاضعة لأحكام هذا القانون في إطار ممارسة نشاطها. فيما تم تعريف الغير بأنه كل شخص، طبيعي أو معنوي، غير الهيكل المعني الذي بحوزته المعلومة.
وبمقتضى هذه التشريعات بات يتعين على كل هيكل عمومي أن ينشر إلى عموم الناس على موقعه على الإنترنت، معلومات ووثائق إدارية تتعلق بنشاطه مع تمكين الأشخاص الطبيعيين والمعنويين مثل الشركات، من الإطلاع على الوثائق الإدارية غير المنشورة ما عدا تلك يمنع الإطلاع عليها ومنها الوثائق السرية المتعلقة بالأمن القومي أو بالدفاع الوطني أو بالعلاقات الدولية أو بحقوق الغير وغيرها. وحسب الإجراءات المعمول بها في أغلب الإدارات العمومية يتولى طالب الخدمة إدراج جملة من البيانات المتعلقة به وبالإدارة المعنية والوثائق التي يرغب في الإطلاع عليها في استمارة تم إعدادها للغرض. وتدرس الإدارة الطلب في آجال محددة، وفي حال عدم استجابتها له صراحة، من خلال رفض منح الوثائق المطلوبة، أو ضمنيا، من خلال الصمت وعدم الرد، يمكن لطالب النفاذ إلى المعلومة أن يشتكي بالجهة الرافضة.
ويمكن الحصول على هذه الوثائق إما بصورة مجانية أو مقابل مبلغ مالي خاصة إذا كانت كثيرة العدد ومكلفة على الإدارة مع هذا الارتفاع المشط في سعر الورق. ولعل السؤال الذي يطرح كيف يمكن لطالب الخدمة الذي هو من دافعي الضرائب الممولين للإدارة أن يدفع مقابلا لخدمة تتولى تقديمها هذه الإدارة التي تنفق من أموال دافعي الضرائب؟ ألم يكن من الأجدى لو يتم اعتماد مبدأ مجانية الخدمة مهما كان حجم هذه الوثائق وذلك لتعميم هذه الخدمة على كل طالب لها وتجنب أن لا يقتصر الأمر على من لديه المال دون سواه؟
يرى كثير من المنتقدين لقانون النفاذ إلى المعلومة أن المقابل المالي الذي يدفع للحصول على المعلومة يمس من مبدأ شفافية عمل المرفق العام وإدارته والذي سن هذا القانون من أجل تعزيزه ومن أجل تحسين جودة المرفق العمومي ودعم الثقة في الهياكل الإدارية الخاضعة لأحكام هذا القانون. فالمقابل المالي هو بمثابة العقبة التي تحول دون تحقيق الأهداف التي وضع من أجلها قانون النفاذ إلى المعلومة والتي من بينها أيضا تعزيز مشاركة عموم المواطنين- وليس المواطنين القادرين على دفع المال مقابل الخدمة دون سواهم- في وضع السياسات العمومية ومتابعة تنفيذها وتقييمها.
لكن مهما تعددت الانتقادات فإن حق النفاذ إلى المعلومة يبقى مكسبا بالنسبة للتونسيين يمكنهم من الرقابة المباشرة على العمل الإداري، وهو ما لا يتوفر في كثير من الدول التي قطعت أشواطا هامة في مجال الحقوق والحريات ويعتبرها البعض مراجع. وقد تحقق هذا المكسب نتيجة لنضالات أجيال من الحقوقيين التونسيين الذين لم يدخروا جهدا في سبيل تكريس دولة القانون والمؤسسات القائمة على الشفافية وعلى أهمية دور الفرد في الرقابة على عمل الإدارة بما في ذلك رئاستي الجمهورية والحكومة والوزارات والبرلمان وغيرها.
المعلومة ودولة القانون
وفي هذا الإطار أكد رئيس المعهد العربي لحقوق الإنسان عبد الباسط بن حسن لـ «القدس العربي» ان حق النفاذ إلى المعلومات من أسس حرية الرأي والتعبير، وهو يتطلب حرية النفاذ إلى المعلومات والحصول عليها وتداولها واستغلالها. وهذا بطبيعة الحال يؤسس لصحافة وإعلام حر يمكن أن يساهم في بناء منظومة حقوق الإنسان ويساعد على الانتقال نحو دولة القانون.
ويتابع محدثنا: «النفاذ إلى المعلومة يمكنّنا أولا من معرفة الواقع وتحليله والإعلام حول مختلف مظاهر وقضايا المجتمع وضمان حرية التعبير والتفكير وغيرها من الحريات الفردية. ولكن النفاذ إلى المعلومة كذلك له بعد أشمل لأنه يمكّننا من ضمان آليات الحوكمة والمحاسبة ومقاومة كل مظاهر ضرب دولة القانون وكذلك الفساد، ويساهم كذلك في نشر ثقافة حقوق الإنسان والوقاية من كل أنواع الانتهاكات على غرار انتهاكات الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية».
ويستطرد بالقول: «إذن النفاذ إلى المعلومة هو شرط حقيقي لخروج المجتمعات من غياب الحوكمة والفساد والتسلط إلى مجتمعات تكون أكثر قدرة على تطبيق مبادئ دولة القانون والذهاب نحو المدنية بدل الذهاب نحو العنف». واعتبر محدثنا بأن الأنظمة غير الديمقراطية والمستبدة تخاف عادة من المعلومة ومن حرية النفاذ إلى المعلومة وتداولها لأنها في نهاية الأمر تفككك أسس الانفراد بالرأي وتغيب المحاسبة وعدم احترام مبدأ الحوكمة.
وفي هذا الإطار تكثر طرق غلق منافذ المعلومة والامتناع عن مدّ المواطنين والمواطنات وخاصة الصحافيين والصحافيات بها، كما تكثر طرق انتهاك حقوق الإعلاميين والإعلاميات والتضييق عليهم وصولا إلى المسّ من حريتهم ومن سلامتهم الجسدية. وأضاف: «نحن نحتاج اليوم إلى نضال كبير من أجل حماية هذا الحق في تونس وكذلك التوعية بكل الطرق من أجل ان ندافع عن حقنا في النفاذ إلى المعلومة».
مرحلة فارقة
وأشار محدثنا إلى ان المعهد لعربي لحقوق الإنسان قام بالاهتمام بقضية حرية الرأي والتعبير والنفاذ إلى المعلومة ومختلف هذه الحقوق منذ أواسط التسعينات. فقد أعدّ المعهد دراسة ميدانية شملت كل البلدان العربية سنة 1996 درس خلالها كل قوانين الصحافة في البلدان العربية. ثم نظمّ سنة 1997 في القاهرة بالتعاون مع اتحاد الصحافيين العرب ندوة عربية حول دور الإعلام في النهوض بحقوق الإنسان. وكانت هذه الندوة مرحلة فارقة في إيجاد نوع من التفكير حول العلاقة الوطيدة بين الإعلام وحقوق الإنسان وكذلك اقترح خطة من أجل نشر ثقافة حقوق الإنسان عن طريق الإعلام. وأضاف: «نحن اعتبرنا دائما ان الإعلام لا يقتصر دوره على التعريف بحقوق الإنسان بل هو في جوهر حقوق الإنسان».
بعد هذه الندوة ومنذ ذلك التاريخ إلى اليوم قام المعهد العربي لحقوق الإنسان بعديد البرامج والأنشطة من تدريب للصحافيين والصحافيات حول حقوق الإنسان عامة والحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والثقافية، وقمنا بتدريبات لشبكات من الصحافيين حول قضايا مثل حقوق النساء وحقوق الطفل والحقوق الاقتصادية والاجتماعية وحقوق اللاجئين والمهاجرين ودربناهم على طرق التعامل مع المعلومات في زمن الأزمات. وقمنا باقتراح مجموعة من السياسات حتى نبحث في طريقة ضمان دور الإعلام في الانتقال الديمقراطي ومواجهة جميع الأزمات. وأصدرنا عددا كبيرا من الأدلة حول الإعلام المواطني ودربنا مجموعة من العاملين والعاملات في مجال التكنولوجيا الحديثة في علاقة بالإعلام. وأضاف: «واليوم نواصل هذا العمل بتأسيس إذاعة (السيدة اف ام) التي تعتبر أول إذاعة في المنطقة تعنى بقضايا نشر ثقافة حقوق الإنسان ولها هدفان أساسيان هما هدف نشر ثقافة حقوق الإنسان واعطاء صوت لمن لا صوت لهم وتطوير مشاركة المواطنين والمواطنات في إعلام جديد يقترب منهم ومن هموم الناس إضافة إلى تدريب العاملين على طرق التناول الحقوقي للمسائل الصحافية والتعامل مع المعلومة».
مبدأ الشفافية
وترى الصحافية التونسية وفاء العرفاوي في حديثها لـ«القدس العربي» أن حق النفاذ إلى المعلومة هو مكسب كبير للصحافي التونسي يمكنه من حق الإطلاع على ما يخص نشاط الإدارة التونسية والإخلالات الحاصلة وإيصالها إلى القارئ أو المستمع أو المشاهد وذلك حسب نوع الوسيلة الإعلامية. فمثل هكذا معلومات، وبحسب محدثتنا، كان يتم الحصول عليها بصعوبة في السابق، وكان على الصحافي أن يسعى للبحث عن ثقاة داخل الإدارات لمده بالمعلومة بصورة سرية في بعض الأحيان.
وتضيف العرفاوي قائلة: «اليوم، وبفعل تكريس مبدأ النفاذ إلى المعلومة، لم يعد الصحافي بحاجة إلى مصادر خاصة داخل الإدارات العمومية للحصول على المعلومة، فقد باتت المعلومة متاحة للجميع وتكفي في هذا الإطار كتابة طلب في الغرض للحصول عليها وذلك لتأثيث مقال صحافي أو برنامج إذاعي أو تلفزيوني. وبالتالي فالأمر يتعلق بمكسب هام لحرية التعبير في تونس وجب الحفاظ عليه قدر المستطاع وصيانته وتدعيمه حتى يستفيد الصحافي منه أكثر في عمله ويطلع المواطن عن كثب بما يحصل في دولته تكريسا لمبدأ الشفافية.
لكن وجب التصدي للإخلالات الحاصلة في تطبيق هذا القانون ومنها تلكؤ بعض الإدارات العمومية في مد طالب المعلومة بمعلومته بتعلات واهية من خلال فضح هذه الممارسات وفضح أصحابها والإدارة التي ينتمون إليها حتى لا تتكرر الممارسات السيئة. فالأمر يتعلق بحق دستوري كرسه الدستور التونسي لسنة 2014 في الفصل 32 منه، وأتبعه المشرع بنص قانوني هو القانون الأساسي عدد 22 لسنة 2016 المؤرخ في 24 آذار/مارس 2016 المتعلق بحق النفاذ إلى المعلومة والوثائق الإدارية، كما تم تدعيم الحق الدستوري والقانون بمنشور صادر عن رئيس الحكومة تحت عدد 19 مؤرخ في 18 آيار/مايو 2018 والمتعلق بالحق في النفاذ إلى المعلومة.
وبالتالي فإن احترام هذه النصوص واجب على الجميع حتى لا تعود تونس إلى الوراء في مجال حرية التعبير والصحافة وفي مجال شفافية العمل الإداري خاصة في هذا الوضع الاستثنائي الذي تمر به البلاد والذي يخشى معه التونسيون أن تحصل انتكاسة في مجال حقوق الإنسان والحريات. فالديمقراطية التي تعني حكم الشعب لنفسه بنفسه لا تتحقق فقط بانتخاب الشعب لممثليه بل أيضا برقابته على أعمالهم وعلى أعمال الإدارات العمومية التي تعمل تحت إمرتهم ومن خلال صحافة حرة رقيبة توصل المعلومة إلى صاحب الشأن ومصدر السلطات، أي الشعب من خلال النفاذ إليها بسلاسة ومن دون معوقات».