إذا سألنا عينة من الناس: ما هي أكثر برامج التلفزيون التي تشاهدونها؟ فسوف يردون بإجابات متباينة في ما بينها: الأخبار، الرياضة، الدراما، برامج الترفيه، إلخ. وكلها إجابات مستعجلة غير صائبة. لأن أكثر شيء نشاهده في التلفزيون، من غير أن ننتبه إلى ذلك، هو الومضات الإشهارية. بات من غير الممكن أن نتابع برنامجاً، مهما كان صنفه، دون أن تتخلله ومضات إعلانية، ولا تخلو منها حلقات مسلسل أو شريط وثائقي. من غير قصد يجد الناس أنفسهم قد أدمنوا الإعلانات التلفزيونية، بل حفظوا تفاصليها ووجوه شخوصها، فهم يقضون يومهم في طواف بين ماركات ألبسة أو غذاء، دون أن يعيروا إلى ذلك الأمر اهتماماً. كما أن الومضات الإشهارية قد تطورت، لم تعد كما كانت في الماضي مجرد صورة وألوان لافتة مع تركيز على ماركة المنتج، بل باتت أقرب إلى الفيلم القصير، أو الحكاية المصورة، في بعض المرات تشبه الإعلانات برامج تلفزيون الواقع، تُظهر أشخاصاً كما لو أنهم يتصرفون ـ في حياتهم الخاصة ـ على سجيتهم في استهلاك منتج تجاري. صارت الومضات الإشهارية برنامجاً قائماً في حد ذاته، يمتد حجمها الزمني من بضع ثوانٍ إلى بضع دقائق.
ومضات تنتهك مجالنا البصري ونصير مرغمين على مشاهدتها، وقد نميل إلى بعضها أو ننفر من أخرى، والمهم في كلا الحالتين أننا ندمن على متابعتها على الرغم من تأففنا من كثرتها، فهذه الومضات اجتاحت أيضاً السوشيال ميديا. لا يمكن أن نتابع برنامجا على «يوتيوب» دون أن تتسرب إليه، في بدايته كما في وسطه، إعلانات تلفزيونية. إنها أكثر شيء يطغى على الأبصار، ونتعامل معه بلا مبالاة، غير مدركين حجم تأثيره في العقول وتشويهه للفن. كل ومضة إشهارية هي اعتراض على الفن، وتقليل من قيمته، لأنها تبتغي الاستهلاك السريع مختبئاً خلف رداء الفن. هذه الومضات الإشهارية تحط من قيمة الفن وتجعله مبتذلاً في الأذهان.
الوقت الميت من مشاهدة التلفزيون
فنياً، يجري إدراج الومضات الإشهارية في حيز زمني، يطلق عليه: الوقت الميت من مشاهدة التلفزيون. ففي الوقت الذي يشعر فيه المتفرج بتعب أو ملل من مشاهدة برنامج معين، تتدخل الومضات الإشهارية قصد كسر الملل والروتين، أو السماح له للانصراف إلى استراحة ثم العودة إلى استكمال مشاهدة البرنامج. ذلك هو الأصل في الأشياء، لولا أن هذه الومضات باتت ذات حضور أكثر اتساعاً، طغت على الشاشة، بشكل جعل حجمها الساعي مجتمعة يناهز الحجم الساعي للبرنامج الذي تتخلله، في بعض المرات. كما أنها طورت من أدائها فقد صارت الومضة تستعين بالمخيلة من أجل إقناع المشاهد باقتناء السلعة في الواقع، صار لها سيناريو وشخصيات وحكاية مكتملة الأركان، كما لو أنها فيلم قصير لا يبتغي الترفيه بل الإقناع، خصمها هو المشاهد، من أجل أن يدس يده في جيبه أو يستخدم بطاقته البنكية فيقتني ماركة معجون الأسنان التي شاهدها، أو القهوة أو آلة كهرومنزلية أو مكملاً غذائياً أو حذاءً أو ربطة عنق.
نجد أنفسنا اليوم محاصرين بطوفان من الومضات الإشهارية، كل يوم بل كل ساعة. نعيش تحت رحمة هذا التحرش المصور، الذي لا غاية له سوى استغلال مشاعر الناس واستمالتهم من أجل توسيع نطاق مجتمعات الاستهلاك السريع، ما أدى إلى ظهور معارضات لهذا الوضع.
بات الخيال في متناول عرّابي الومضات الإشهارية، بل إن من بين صانعي هذه الومضات سوف نجد مخرجين مكرسين، سبق لهم أن أخرجوا أفلاما سينمائياً أو مسلسلات تلفزيونية. ذلك الإعلان التلفزيوني الذي بات يتحرش بالأعين هو الجسر الواصل بين إنتاج السلعة واقتنائها، هو نقطة الوصل بين الشركة وزبونها، فلا شركة تراهن على سوق وعلى مبيعات، دون ومضات إشهارية، ولا نجاح لمنتج لا يحظى بإعلانات، بل إننا في بعض المرات قد نصادف عدداً لا بأس به من ومضات مختلفة، لكنها تتعلق كلها بسلعة واحدة. إنها حرب صامتة، لا دماء ولا طلقات نار فيها، لكنها تحصي كل يوم ضحايا، الضحايا هم الزبائن المحتملون الذين تميل قلوبهم أو أذهانهم إلى الإعلانات المصورة التي تطل عليهم من شاشاتهم.
ضد مجتمع الاستهلاك
نجد أنفسنا اليوم محاصرين بطوفان من الومضات الإشهارية، كل يوم بل كل ساعة. نعيش تحت رحمة هذا التحرش المصور، الذي لا غاية له سوى استغلال مشاعر الناس واستمالتهم من أجل توسيع نطاق مجتمعات الاستهلاك السريع، ما أدى إلى ظهور معارضات لهذا الوضع. فقبل سنوات ظهرت حركة احتجاجية في فرنسا سمت نفسها: «مهشمو اللافتات الإعلانية» وعلى الرغم مما يبدو على تسميتها من عنف فهي حركة سلمية، تنطلق من مبدأ أن الإعلانات الإشهارية صارت تمس حرية الإنسان، وتقلص من هامش حريته. تصدّرت هذه الحركة مجلة شهرية، وانسجاماً مع خطها فهي مجلة خالية من الإعلانات، الغرض منها حث الناس على مقاطعة كل شركة تروج لسلعها بالإشهار، كما أنها تنظم سنوياً ما يطلق عليه «يوم بلا شراء» يكتفي فيه الناس بالحد الأدنى من الغذاء ويكفّون عن التسوق واقتناء الكماليات.
يعتقد أنصار هذه الحركة أن الومضات الإشهارية، التي تتداولها التلفزيونات، تلعب دوراً تهديمياً لذائقة الناس، ولها دور آخر في إتلاف الفن وفي إنزاله مرتبة دنيا. كما يرون أن الإعلانات تساهم في تلويث المشهد البصري وأن «مساوئها أكثر بكثير من منافعها اللحظية». هكذا لم تعد صناعة الإعلانات التجارية سوقاً حرة، تتنافس في ما بينها، ويخوص أصحاب الماركات سباقهم في ما بينهم، بل صار أمامهم خصم آخر، فحركة «مهشمو اللافتات الإعلانية» حظيت بشقيقات لها في دول أخرى، وكلها تجتمع في أن الشركات المعلنة تمارس ضغطاً نفسياً على البشر، هي شركات لا ترى في الإنسان بشراً، بل زبوناً محتملاً لا أكثر، وهم بذلك يمسون بحريته وبحقوقه الأساسية. بعض أنصار هذه الحركات (من بينهم مثقفون وفنانون) يزعجهم كيف أن شركات الإعلانات تنظر إلى الإنسان كما لو أنه فأر تجارب، لا غاية لهم منه سوى دفعه بحيلة ومكر نحو اقتناء سلعها. مع ذلك فلا يبدو أن هذه الحركة قد وصلت إلى نتيجة ملموسة، فالإعلانات المصورة في تزايد، وقد طورت من أساليبها، ولا تزال تتعامل مع الإنسان بوصفه زبوناً وكفى، مع ذلك فإن بقعة الاحتجاج في تزايد، من أجل تخليص الناس مما يسمونه «تعسف الإشهارات».
روائي جزائري