في صغري، حلمت بالسفر في الفضاء. في زمن كانت فيه الجزائر تتسع للحلم وكنا نمارس حقنا في تخيل الحياة على ألوانها. ثم أسست مع أصدقاء لي أول نادٍ لعلم الفلك، في بلدة تحاذي الصحراء، سميناه: نادي الجوزاء. اخترنا تلك التسمية بغرض الجمع بين التوأمين: المعرفة والحلم. ثم واجهتنا أول مشكلة، عندما عجزنا عن الحصول على تليسكوب أو منظار فلكي. لم يتح لنا الحصول عليه بالأموال التي جمعناها. فالبلاد كانت تتهيأ للخروج من عشرية سوداء، سالت فيها دماء الأبرياء تحت نار وخناجر الأصولية، والدولة قررت حظر استيراد التليسكوبات، بحجة أن الإرهابيين قد يستخدمونها في أغراض المراقبة أو التجسس. لكننا لم نتراجع إزاء هذا العائق، وفكرنا في صناعة واحد بأنفسنا، لأن علم الفلك لا يستقيم من غير تليسكوب. لا يمكن أن نفكر في سفر إلى الفضاء إذا لم ننظر إليه من الأرض. لا يمكن أن نبلغ مكاناً إذا كنا لا نراه. هكذا بادرنا إلى تصنيع تليسكوب محلي، باستغلال آلات تصوير قديمة، لم تعد صالحة للاستخدام، بحكم عدم توافر «أفلام النيجاتيف» التي تتناسب معها. وقمنا بتفكيك تلك الآلات، واستخرجنا منها العدسات، مثل من يستخرج لؤلؤة من محارة. وبالاستعانة بماسورة بلاستيكية، وكذلك مرايا عاكسة، وبحسابات هندسية، في تحديد المسافة بين العدسات والمرايا، أفلحنا في صناعة تليسكوب محلي، أتاح لنا رصد تضاريس القمر، وكذلك رصد عبور كوكبي الزهرة أو زحل، وغيرها من الكويكبات القريبة من الأرض.
لم يكن تليسكوباً متطوراً مثل الذي شاهدناه في المجلات العلمية أو في التلفزيون، وتوجب أن نستخدمه في أمكنة حالكة العتمة، لا إضاءة من حولها، فتشوش على الرصد، مع ذلك فقد أفادنا في رصد أجرام سماوية، يستحيل رؤيتها بالعين المجردة، كما سمح لنا في توسيع خانة الحلم من أجل سفر في الفضاء. ثم صرنا ننظم أمسيات رصد، ندعو إليها أناساً آخرين، من أجل أن نعرفهم إلى علم الفلك، وصار عددهم في تزايد، يملأ قلوبهم شغف في استخدام التليكسوب. لكن لم يطل الحال أن أوقفنا النشاط، عقب تذمر الجيران. اتهمونا بممارسة علم التنجيم، بما يخالف تعاليم الدين.. حاولنا أن نقنعهم بالفرق بين علم الفلك والتنجيم، من دون جدوى. فالناس تمسكوا بقناعة أن رصد النجوم يراد منه التنجيم، وأننا لا نؤمن بالقضاء والقدر ولا بكلام الله، من غير أن يتيحوا لنا فرصة في مواصلة شغفنا في علم الفلك. وهذه كانت ضربة ثانية، أسوأ من الضربة الأولى، عندما عجزنا عن الحصول على تليسكوب. في المرة الأولى صنعنا تليسكوبا محليا، لكن هذه المرة لم نستطع صناعة مخيلة أخرى للناس، وإقناعهم بعكس ظنونهم عن نشاطنا العلمي.
لقاء مع محمد فارس
عقب تلك الحادثة، واتهامنا بما لم نفعل، كدت أن أتخلى أنا وأصدقائي، عن شغفنا في علم الفلك، عندما بلغنا نبأ أن إحدى جامعات البلاد تنوي استضافة رائد الفضاء السوري محمد فارس (1951-2024)، فسافرنا إلى تلك الجامعة، على أمل ملاقاة الرجل، الذي كان ثاني رائد فضاء عربي (بعد الأمير سلطان بن سلمان آل سعود)، وظننت أن الفرصة مواتية من أجل أن يفهم الناس الفرق بين علم الفلك والتنجيم، وأن الجو بات مهيئاً من أجل أن يصير لعلم الفلك قاعدة شعبية، في الجزائر. وفي اليوم الموعود، كانت القاعة تغص بالطلبة، وجلست في وسطهم. طلبة من كل التخصصات سمعوا عن الحدث، بعدما تناقلته الألسنة، فقد استغربت عدم وجود لافتات أو إعلانات مصورة تتحدث عن أول زيارة لرائد فضاء إلى بلدنا.
وعندما أحيل إليه الميكرفون، تحدث محمد فارس عن رحلته إلى محطة الفضاء السوفييتية، من غير أن يسرف في التفاصيل، بينما أنا كانت تهمني التفاصيل، أن يتحدث عما جرى له قبل الإقلاع، وأثناء الرحلة، ثم عند العودة إلى الأرض. لكن الرجل كان يعلم أن في مواجهته طلبة ـ غالبيتهم ـ لا معرفة لهم بعلوم الفضاء، لذلك خاضت محاضرته في شؤون عامة، من تلك الرحلة، وبكلمات مبسطة ومختصرة، على أن يفصح عن التفاصيل بعد حين، عندما يفتح الباب أمام الأسئلة. ولم يطل الحال أن جاء الدور على الأسئلة، وكنت قد أعددت أسئلتي قبل أن أصل إلى الجامعة، لكن الكلمة احتكرها الجالسون في الصفوف الأولى. ودارت أسئلتهم بين: «هل كنت تقيم الصلاة في المحطة الفضائية؟»، «كيف نعرف جهة القِبلة من الفضاء؟»، بل هناك من سأله: «كيف يمكن أن نتوضأ بالماء في ظل غياب الجاذبية؟». سكنت الخيبة ملامح محمد فارس، ووجد نفسه في محاضرة عن الدين بدل محاضرة في العلوم، مثلما أصابت الخيبة قلبي، وقدرت أن زيارته لن تحمل إجابات عن الأسئلة التي راودت بالي، لكن أتيح لي أن التقيت به، مع صديقين آخرين، عقب نهاية المحاضرة، حاصرناه عندما خرج من القاعة، ثم دار حديث معه عن التدريبات التي خاضها قبل المشاركة في المغامرة الفلكية، من تدريبات بدنية وأخرى نفسية، عن الاستعدادات من أجل الإقلاع أو عند الهبوط، عن المركبة «سويوز تي. أم3»، التي كان على متنها، عن الاحترازات في حال وقوع طوارئ أو التعليمات التي تلقاها في حال غياب الجاذبية، وعن التجارب العلمية التي قام بها في المحطة الفضائية السوفييتية. كان سخياً في إجاباته، وأظن أن ذلك الحديث الجانبي معه كان أكثر نفعاً من المحاضرة الأساسية، فقد ترك انطباعاً طيباً في بالي، عقب لقائي القصير معه، ثم غادر الجامعة متأسفاً عن الحال الذي وصل إليه علم الفلك، من ربط بينه وبين التدين، وأقاسمه الخيبة ذاتها، لكنني لم أتخل عن حلمي في السفر في الفضاء، وبدل أن أسافر على متن مركبة مثلما فعل محمد فارس، فضلت السفر مستعيناً بالأدب، الذي يتيح لي أسفاراً خارج الأمكنة والأزمنة.