بغداد ـ «القدس العربي»: اتسعت دائرة الاتفاقات السياسية على توزيع المناصب التنفيذية من الحكومة الاتحادية إلى الحكومات المحلية، بعد شغور مناصب عدد من المحافظين وأعضاء مجالس المحافظات، إثر فوزهم بمقاعد برلمانية في الانتخابات التشريعية الأخيرة التي جرت في 12 أيار/ مايو الماضي، الأمر الذي فتح الباب أمام «مساومات» جديدة على المناصب المحلية.
وفي 12 كانون الأول/ ديسمبر الجاري، عقد مجلس محافظة بغداد جلسة لاختيار محافظ جديد ونائباً له، بعد فوز المحافظ عطوان العطواني ونائبه جاسم البخاتي بمقعدين برلمانيين.
وصوت «أكثرية» أعضاء المجلس على اختيار فاضل الشويلي، عن «سائرون»، محافظاً لبغداد، ومحمد الربيعي، عن تيار «الحكمة» الوطني، نائباً له، في جلسة أثير حولها العديد من علامات الاستفهام التي «شككت» بشرعيتها.
وعلمت «القدس العربي» من مصادر مطّلعة في داخل مجلس بغداد، إن الجلسة التي عقدت حينها بإدارة عباس الحمداني، شهدت تغيب 24 عضواً من مجموع 58 يمثلون جميع أعضاء مجلس محافظة بغداد،
ووفق مصادر من داخل مجلس محافظة بغداد، فقد تغيب 24 نائبا من أصل 58 نائبا، الذين يشكلون مجلس المحافظة، عن حضور الجلسة. وطبقاً للمصادر ،فإن أغلبية الحضور (32 عضواً) صوتوا لصالح الشويلي والربيعي.
وعلى إثر ذلك، فتح أعضاء مجلس محافظة بغداد المعترضين على عقد الجلسة، كون أن المحافظ لم يؤد اليمين الدستورية في البرلمان، وما يزال يزاول عمله، ملف عضو المجلس الذي أدار جلسة انتخاب المحافظ الجديد (الشويلي)، واكتشفوا أن الأخير مشمول بإجراءات «المساءلة والعدالة» والقضاء.
مصدر مطلع في مجلس محافظة بغداد، قال «القدس العربي»، إن «عضو المجلس عباس مهدي صالح الحمداني، الذي أدار الجلسة غير الشرعية لانتخاب المحافظ الجديد، ينتمي للقائمة العراقية بزعامة إياد علاوي»، مبيناً أن «الحمداني كان ضابطاً في الجيش السابق، ومشترك في قمع الانتفاضة الشعبانية، مطلع تسعينيات القرن الماضي ضد الشيعة، وهو متحالف مع التيار الصدري».
وأضاف المصدر، الذي اشترط عدم الكشف عن هويته، إن «التيار الصدري وضع يده بيد شخص مجتث ( مشمول بإجراءات اجتثاث حزب البعث المحظور) أولاً، ولديه أنواط شجاعة من النظام السابق، ومساهم في قمع الانتفاضة»، مشيراً إلى أن «رئيس مجلس محافظة بغداد الأسبق كامل الزيدي (2009 ـ 2013) كان متستراً على الحمداني».
ورداً على سؤال بشأن كشف ملف الحمداني في هذا التوقيت، أكد المصدر: «وردتنا أخبار من أحد الموظفين في مجلس المحافظة عن تاريخ هذا العضو (الحمداني)، وعلمنا بتستر كامل الزيدي عليه، وعند فتح ملفه اكتشفنا أمره».
وتابع: «سنقيم دعوى عليهم (رئيس مجلس بغداد رياض العضاض، والمحافظ المنتخب الشويلي، ورئيس جلسة انتخاب المحافظ الحمداني) يوم الأحد المقبل في المحكمة»، لافتاً إلى أن «رئيس المجلس سمح لهم بإقامة جلسة غير شرعية».
وطبقاً للمصدر، فإن «المحافظ الحالي (عطوان العطواني) يمارس عمله بشكل طبيعي في مبنى المحافظة، ويتابع المشاريع ويصرف الرواتب ويمارس صلاحياته كمحافظ»، كاشفاً عن «هرب المحافظ المنتخب (الشويلي) إلى مدينة أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق».
هرب الشويلي
وبين أن «هرب الشويلي، جاء بكون إن المؤامرة التي نفذوها لم تكن مكشوفة لدى زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، ويبدو أنهم كُشفوا أمام الصدر، لذلك هرب الشويلي».
واعتبر أن «جلسة اختيار المحافظ ونائبه غير شرعية، وبالتالي، فإن جميع القرارات التي صدرت في تلك الجلسة غير شرعية أيضاً»، لافتاً إلى إن في حال تم كسب الدعوى، فإن «هناك اتفاقاً بين دولة القانون والسنّة داخل المجلس يقضي بمنح منصب المحافظ لفلاح الجزائري، وترشيح علي هيجل لمنصب نائب محافظ بغداد».
وكشفت وثيقة مسربة تحمل توقيع رئيس مجلس محافظة بغداد رياض العضاض، أمس الأول، عن أمر إداري يقضي بإنهاء عضوية عباس مهدي الحمداني من مجلس محافظة بغداد، وذلك لـ«كونه من منتسبي الأجهزة الأمنية، وصدور قرار بات من محكمة التمييز الاتحادية»، وشموله بإجراءات قانون «المساءلة والعدالة».
في الأثناء، اتهم ائتلاف «الوطنية»، أمس، هيئة «المساءلة والعدالة» بأنها أصبحت «أداة» لتصفية الخصوم وإقصائهم عن العملية السياسية.
وقال رئيس الكتلة النيابية للائتلاف، النائب كاظم الشمري، في بيان : «في الوقت الذي كنا نتمنى أن تبتعد هيئة المساءلة والعدالة عن انحيازها لبعض الجهات السياسية التي لا تتوانى لحظة في الاستعانة بهذه الهيئة لتصفية خصومها وإقصائهم عن العملية السياسية، وليس أدل من ذلك قيام بعض أعضاء الهيئة بإصدار قرار سيئ الصيت بشمول عباس مهدي صالح الحمداني عضو مجلس محافظة بغداد عن ائتلاف الوطنية بإجراءات المساءلة والعدالة، إلا دليل واضح على مدى التدخل السافر لبعض الجهات السياسية وممارسة سياسة الإملاء على البعض من أعضاء الهيئة الذين باتوا مسلوبي الإرادة ولا يمتلكون سوى الانصياع لهذه الجهة أو تلك».
وبين أن «عباس مهدي صالح الحمداني سبق وأن اشترك بانتخابات مجلس محافظة بغداد عام 2009 وفاز بها، ومن ثم اشترك في انتخابات مجلس محافظة بغداد عام 2013 وفاز بها أيضاً، واشترك بانتخابات مجلس النواب عام 2014، بعد أن أصدرت الهيئة التمييزية المختصة بالنظر بالطعون المقدمة على هيئة المساءلة والعدالة قراراها بعدم شمول الحمداني بإجراءات المساءلة والعدالة، وان هنالك تشابه أسماء وهو قرار بات قطعيا ولا يقبل النقاش، ثم اشترك في انتخابات مجلس النواب العراقي عام 2018 ولم يصدر أي كتاب من هيئة المساءلة والعدالة يشير إلى شموله باجراءاتها على الإطلاق».
صراع على منصبي محافظي بغداد والبصرة ورئاستي مجلسيهما
وأكد أن «بعض أعضاء هيئة المساءلة والعدالة أثبتوا عدم احترامهم لقرارات القضاء العراقي من جهة، وانصياعهم لبعض الجهات السياسية التي تعمل على تصفية خصومها بطريقة تبتعد عن المهنية والاستقلالية»، مضيفاً: «نحن نعول اليوم على البعض الآخر من أعضاء الهيئة الذين التزموا بالمسؤولية التي تشكلت بموجبها هذه الهيئة والنأي بها عن الصراعات السياسية».
وفي أقصى جنوب البلاد، ما يزال محافظ البصرة، أسعد العيداني، يزاول أعماله في المحافظة، رغم حصوله على مقعد برلماني، ولم يؤد اليمين الدستورية تحت قبة البرلمان.
وكان رئيس مجلس محافظة البصرة، وكالة وليد كيطان، قد أعلن غلق باب الترشيح على منصب المحافظ بنهاية الدوام الرسمي ليوم الأربعاء الماضي.
وقال حينها، إن اختيار محافظ جديد للبصرة سيحسم من قبل المجلس قريبا، لافتا إلى أن الوضع في البصرة لا يحتمل أن يبقى منصب المحافظ شاغرا حتى في ظل وجود نواب للمحافظ.
لجنة التخطيط في مجلس البصرة، شددت على «ضرورة قيام المحافظ أسعد العيداني في حسم أمره واختيار البقاء كمحافظ أو الذهاب إلى البرلمان»، وفيما أكدت أن «إزدواجية العمل بين المنصبين مخالفة للدستور خاصة مع إصدار البرلمان هوية النائب للعيداني، لفتت إلى أن «قرار المجلس في فتح باب الترشيح لمنصب المحافظ قد استكمل الجوانب القانونية».
لكن الخبير القانوني طارق حرب، أكد أن مجلس محافظة البصرة ارتكب «خطأً دستوريا» إثر قيامه بفتح باب الترشيح لشغل منصب المحافظ الجديد، في ظل وجود المحافظ الحالي أسعد العيداني.
وسبق للعيداني، أن انتقد، في تصريح له، فتح باب الترشيح لمنصب محافظ البصرة، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن كتلة «الحكمة» بزعامة عمار الحكيم، ضغطت على كيطان لغرض فتح باب الترشيح.
اتفاق
النائب عن محافظة البصرة، فالح الخزعلي، عن «اتفاق» جرى بين تيار الحكمة الوطني، بزعامة عمار الحكيم، وتحالف «سائرون»، المدعوم من زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، لـ«تقاسم» منصبي المحافظين في البصرة وبغداد، فيما ناشد الصدر بالتدخل لإنهاء الاتفاق بين الكتلتين.
وقال في بيان، إن «الاتفاق بين الحكمة وسائرون يقضي أن يكون منصب محافظ بغداد من نصيب سائرون مقابل أن يكون منصب محافظ البصرة للحكمة»، مبيناً أن «هذا الاجراء يتنافى مع الإصلاح».
وأشار إلى أنه «يناشد مقتدى الصدر بالتدخل لإنهاء الاتفاق بين سائرون والحكمة»، مضيفاً أن «كل القوى السياسية وأعضاء مجلس المحافظة أدعوهم الى تغليب المصلحة الوطنية على المصالح الحزبية».
واعتبر أن «مجلس محافظة البصرة عليه قضايا في النزاهة، وهو غير جدير بإدارة المحافظة».
وفشل مجلس محافظة البصرة، أمس الجمعة، في تحقيق النصاب القانوني لعقد جلسة استثنائية لاختيار محافظ ورئيس مجلس جديدين، تزامناً مع انطلاق تظاهرات واسعة أمام مبنى الحكومة المحلية، وسط انتشار أمني مكثّف.
تظاهرات
ونقلت مواقع إخبارية، عن أحد المتظاهرين أمام مبنى الحكومة المحلية في البصرة قوله: «الشعب البصري هو من يجب أن يرشح الشخصيات التي يراها كفوءة لتولي منصب المحافظ، بعد مغادرة المحافظ الحالي أسعد العيداني للمنصب وأدائه اليمني الدستورية كنائب في البرلمان».
وفيما طالب المتظاهرون بـ«إقالة كيطان من منصبه كرئيس لمجلس البصرة»، حذروا من «تمرير المجلس لنواياه بتسليم شداد (رئيس لجنة النفط والغاز في المجلس علي شداد الفارس) منصب المحافظ فستتجه البصرة إلى وضع لا تحمد عقباه»، وفقاً لموقع «المربد».
في الموازاة، أُعلن تأسيس كتلة سياسية في مجلس محافظة البصرة تتألف من ثلث الأعضاء، وجاء في بيان للكتلة الجديدة التي أطلقت على نفسها اسم «أباة البصرة»، أن «الجلسة الاستثنائية لن تعقد، وهي غير قانونية، والأجدر الدعوة الى عقد جلسة في المجلس حول شح وملوحة المياه أو ظاهرة البطالة أو جرائم تهريب النفط أو مشاكل الصحة والتربية»، مضيفاً أن «أهل البصرة يرفضون بشكل قاطع فرض إرادات عليهم من خارج المحافظة، وعلى العقل السياسي العراقي أن يدرك ذلك».