أفيش «معروف البدوي»
انتبهت السينما المصرية مُبكراً إلى الصراعات الدائرة في المُجتمعات البدوية، وأنتجت عدة أفلام لمناقشة القضايا المُجتمعية الخاصة التي يعيش سكانها في مناطق نائية بعيدة عن العواصم والمُدن والقُرى، فكان باكورة هذه الأفلام فيلم «معروف البدوي» إنتاج 1935 تأليف وإخراج وبطولة بدر لاما بالاشتراك التمثيلي مع النجمة الشهيرة آنذاك نبوية مصطفى وسمير عبدالله لاما ومختار حسين، وكالعادة دارت الأحداث حول قصة حُب بين البطل والبطلة في وجود غريم يحاول الفوز بالحسناء، التي يدور حولها الصراع وهي حدوتة تقليدية تكررت كثيراً بعد ذلك في قصص درامية مُشابهة.
أما الفيلم الثاني الذي اهتم بعرض تفاصيل المجتمع البدوي بقوانينه وأعرافه وتقاليده، فقد تم إنتاجه عام 1947 وهو من تأليف بدر لاما والسيد زيادة وإخراج إبراهيم لاما وبطولة بدرية رأفت مع بدر لاما أيضاً، ولم تخرج أحداثه عن دائرة الصراع المُعتاد حول إشكاليات الحُب والزواج والمعارك المُترتبة على ذلك، ومحاولات مشايخ القبائل وعقلائها احتواء الأزمات كنوع من إبراز الجانب الإيجابي في قوانين وحياة البدو. وعلى مستوى الإنتاج السينمائي الحديث قبل نهاية الألفية الأولى جاءت أفلام أخرى ركزت على المظاهر الخاصة بالحياة البدائية وأبطالها ومُشكلاتها، وطُرق الحل وأصل الصراعات، فكان من بينها فيلم «شمس الزناتي» للمخرج سمير سيف وبطولة عادل إمام ومحمود حميدة وسوسن بدر ومحمود الجندي، حيث تم تقديم مُعالجة درامية خاصة بإغارة اللصوص والهمج على إحدى الواحات في محاولة لسلب ثروات أهلها من البسطاء والمُسالمين. وهناك فيلمان آخران مُقتبسان من القصة الإيطالية «جريمة في جزيرة الماعز» الأول هو فيلم «رغبة متوحشة» للمخرج خيري بشارة وبطولة نادية الجندي وسهير المرشدي ومحمود حميدة وحنان ترك، والثاني هو «الراعي والنساء» إخراج علي بدرخان وبطولة سُعاد حسني ويسرا وأحمد زكي وميرنا وليد، والفيلمان دارت أحداثهما حول امرأتين ورجل وفتاة في سن المُراهقة يبحثون عن كنز مدفون في واحة من الواحات ويتكتمون على سر خاص بزوج واحدة وشقيق الأخرى ووالد الفتاة الصغيرة، وبتتابع الأحداث في الفيلمين يُلاحظ وجود رقابة من أهل الواحة على سلوك الشخصيات الأربعة وتنقطع سيرهم الحياتية في الفيلمين بوقوع جريمة قتل يكون ضحيتها البطل.

أفيش «معروف البدوي»
إلى هنا تنتهي أحداث الواقع الدرامي وتبدأ مرحلة أخرى من تقصي الحقائق داخل المُجتمعات ذاتها وهو موضوع سبق طرحة في بعض الدراسات التحليلية التي نحاول قراءة نموذج منها في ضوء المُعطيات المتوافرة، التي تُشير إلى اعتماد المُجتمعات البدوية في حل المُشكلات وفض المُنازعات بين القبائل على المجالس العرفية أكثر من اعتمادها على القوانين الوضعية التي تُنظم حياة المواطنين في المُجتمعات المدنية. وقد نجحت الحلول السلمية عبر المجالس العُرفية للعائلات ومشايخ القبائل في القضاء على نسبة كبيرة من الأزمات، وحجمت بشكل ملحوظ ميراث الثأر والدم، وهو ما استلهمته الدراما التلفزيونية ونقلته عبر الشاشة في العديد من المُسلسلات، فكان له تأثير بالغ على الثقافة العامة للجمهور الذي كون انطباعه عن هذه المُجتمعات من خيال وإبداع المؤلفين وكُتاب الدراما المُحترفين. ورغم أن الأحكام في المجالس العُرفية تقضي في كثير من الأحيان بغرامات مالية كبيرة، كأحد بنود الردع والتأديب، على حد ما تم ذكره في بعض الدراسات الاجتماعية، إلا أنها تجد تجاوباً من الطرف المُدان، الذي يعتبر ذلك أهون من أحكام السجن والعقوبات المُشددة في القوانين الوضعية، وهو ما أثبتته بالفعل دراسة خاصة أجرتها سلوى المهدي أستاذة علم الاجتماع في كلية الآداب جامعة جنوب الوادي قبل فترة زمنية عن التحول إلى المجالس العُرفية في فض المنازعات بعيداً عن أروقة المحاكم ومنصات الحكم القضائي.
لقد اتبعت المهدي في دراستها البحثية الميدانية أسلوب المُقابلات الشخصية والاحتكاك المُباشر بشيوخ القبائل وكبرائها من ذوي العقد والحل والقُدرة الفائقة على التأثير، وأثبتت من خلال بعض العينات التي أجرت عليها الدراسة من الرجال والنساء في مختلف أعمارهم أنه في بعض المناطق تُعرف المجالس العرفية بمجالس العرب وتتكون من شيوخ القبائل وشيوخ المشايخ. وفي حالة انعقاد مجلس من المجالس للنظر في قضية ما يُدعى أفراد القبيلتين المُتنازعتين، كما يُدعى عدد من الشباب الذكور لحضور المُناقشات والمُداولات، لكن لا يُسمح لهم بإبداء الرأي كونهم صغاراً وإنما يتعين حضورهم وسط المجلس من باب اكتساب الخبرة والتعرف على أصول الأحكام ودواعيها، وهذا أمر يستوجب الإنصات والتركيز للإلمام بالتفاصيل والمرجعيات، ومن ثم يُمكنهم الحكم والفصل في النزاعات حين يأتي دورهم عند بلوغهم سن الحكمة.
كاتب مصري