أحيانا نتساءل ما جدوى أن نقرأ وما حاجة الأدب في حياتنا، أو ما حاجتنا للأدب عدا تلك القدرة المتعارف عليها على الامتاع؟
ولعل الإجابة عن هذا السؤال تحديدا تعود بي إلى رواية «حياة الفراشات» للروائي المغربي يوسف فاضل، فهي ليست عملاً للإدهاش فقط، بل تتجاوز ذلك إلى تلك الغصة التي تتركها في القارئ، إذ تجعلك ترى أبعد من الصور والمشاهد اليومية التي تصادفها في حياتك دون تدبر. إنها تعيد صياغة الصورة المستهلكة في ذهنك للأشياء حولك، وتستبدلها بصورة أخرى أكثر وعيا وحرصا في فهم كل ما يحيط بنا من بشر وكائنات أخرى. ستخرج إلى الشارع بعد قراءة هذه الرواية وأنت تنظر إلى البائع الجوال بعين الرأفة والتفهم تحاول المسك بأحلامه، تنظر إلى بائعة المناديل بعطف متسائلا عن آمال تركتها خلف ابتسامة رضا منتظرة ساعة فرج، تنظر إلى عامل النظافة بعين الاحترام، تنظر إلى الأشخاص العاديين بنظرة غير عادية، لأن كل هؤلاء خبأوا أحلامهم في معاطفهم القديمة البالية، ليساهموا في تحقيق جزء من سعادتك التي لا تلقي لها بالا كونك تعودت عليها، ومن يتعود على الأشياء لا يدرك قيمتها.
إن «حياة الفراشات» تعيد تشكيلك كإنسان، سينظر إلى غيره بتفهم، محبة، وبوعي أيضا. كما تدعوك إلى عدم قبول الواقع كما هو، وللاحتجاج أيضا إن اقتضى الأمر، تقول الرواية: «من حق كل إنسان أن يحتج. ابن آدم يكون دائماً على حق حين يحتج. العكس هو الذي يدعو إلى العجب. ألَّا يتمرد ابن آدم ويقبل الظلم من أجل أن يستمر في الحياة بأي ثمن».
إنها رواية مؤلمة، تخرج منها بوعي كبير، كما أنها غير متاحة للقارئ المستعجل، الذي يبحث عن قصة، تشرح نفسها له وتقول له ما يريد أن يسمع، ليست لمن جاء للأدب بهدف التسلية، فهي من الأعمال التي تقف على مقربة من مغرب الهامش، مغرب الإنسان البسيط الذي يركض خلف أبسط شروط الحياة ليثبت أنه حي، رغم أن الحياة بكل رفاهيتها أخطأت طريقها إليه.
الرواية أيضا تجس نبض البشرية بكثير التساؤلات التي تخلق لدينا فيضا من الوعي المؤلم، نعم وعي يصاحبه ألم، إذ يستحيل أن تستوعب الحقيقة دون ألم، الحقيقة دائما قاسية حتى في أقصى اللحظات سعادة، يقول فاضل في الرواية: «ربما هي ليست ابتسامة، ربما هي طريقته في مواجهة الدنيا». كما يرى أنه يستحيل أن يعيش البشر دون عداوة ودون حروب، فمهما حاولنا أن ننكر ذلك، فالتسليم بأن الحياة حلوة وأنها دائما تفتح لها ذراعها ضرب من الجنون فلابد: «للبشر من أعداء، لكي يتعرفوا على أنفسهم ويثقوا في قدراتهم. الحياة حرب دائمة، الحياة هي استعداد دائم للانقضاض على الخصم على حين غرة ثم محاولة قهره واستبعاده حتى لا يرفع الرأس أبدا، هذه حقائق بسيطة، ولا تتطلب علما خارقا أو معرفة متعمقة».
يأتي فاضل على ذكر الموسيقى، بطريقة فلسفية عميقة، إذ يقول: «لا أحتاج لأن أُغمض عَيْنَيّ لأرى ما تفعله الموسيقى حولي، كل ما على وجه الأرض موسيقى، هذا الحجر المَرْمِيُّ على قارعة الطريق، وتلك الريشة التي تلعب بها الريح، المطرقة وهي تهوي على السندان، النول وهو يغزل الصوف، أو طفلة تبكي، كثيراً ما اغرورقت عَيْنِي بالدموع وأنا أرى قطرة مطر تنزل، قطرة مطر واحدة كافية لتخضرَّ الأرض، وتُخرجَ فاكهتها، الموسيقى في باطن الأرض و في نسغ الشجر، لا أذكر لماذا اشتريتُ ذات مرَّة أسطوانة كورساكوف، الأسطوانة اختفت، ولكنها لم تضِع، إنها تروي الحقول الشاسعة التي تتهادى في رأسي و أنا أسير ما بين السور العتيق للمدينة القديمة وحوانيت الباعة والصُّنَّاع التقليديين الضاجّة بالحياة».
تنطلق الرواية من المغرب، بداية من البيان الذي طلب من سالم أن يتلوه إلى كافة الأحداث التي سيتعقب القارئ تفاصيلها، كحبّ حبيية، هاني، والحروب التي تعيد تشكيل البشر، تقول الرواية: «الحرب تجعل العلاقات عابرة. تمضي الأيام بلا وعود. أو بوعد فضفاض في غد أفضل. تختفي معاني العائلة والاستقرار. ربّما الحبّ وحده يزداد تأجُّجاً. عندما تلتقي بالمرأة في هذه الظروف الاستثنائية، ولا تعرف أيَّ مصادفة قادتكَ حتى هذا الكهف البعيد. ولا تعرف هل ستعود إليه ثانية، وتفكّر فيها، كهدية نادرة، كمكافأة. هذه المرأة الواقفة أمام باب كهفها ترتعش هي الأخرى من فورة رغبة تأخرت، وتفكّر فيكَ بدورها كغيث نزل من السماء بعد جَدْب». وللمطر فلسفته الخاصة عند فاضل: «إنه المطر، غريب الأهواء، الذي يأتي في غير وقته. الذي يأتي تارة ليخرّب المدن، وتارة ليبني العلاقات. يجب على المرء أن يتعلّم من المطر. ويحمل مظلّة عندما يرى أن السماء صافية».
وفي رأيي تتجاوز الرواية المغرب بكل قضاياه لتواسي إنسان الهامش في كل مكان، ذلك الإنسان الذي يحلم، ويحب، ويقوم بما يعتقد توهما أن الحياة ستعطيه إياه، إنه يقتات على بعض من السعادة التي يستعيرها من الحلم كي تبقيه حيا. ولعل الرواية هنا تخاطب فئة من البشر لا يمكن أن نشعر بما تعانيه، وحده الأدب قادر على إيصال صورة هؤلاء والحديث بكل شجاعة عن انتصاراتهم المتتالية في الخسارة. نعم، الرواية تتناول انتصار الخاسرين، فهي كما قال عنها الناقد المصري رشيد العناني: «في حبّ الإنسان الصغير. الإنسان الراقد في قاع المجتمع، لا يهتم به أحد، لا يلاحظه أحد إلاّ بغرض الاستغلال. الإنسان الذي يكاد يكون مجرد استمراره في العيش ترفا فوق ما يستطيع، ناهيك عما وراء مجرد الوجود. هذه رواية عن استحالة العيش، استحالة تحقيق الذات، أو إدراك أي أمل من آمالها، رواية عن العيش المستبطن.»
من يُريد بالفعل أنْ يقرأَ سردية مُحكمة الإتقان فعليه بـ«حياةِ الفراشات»، ومَن يُريد أنْ يعرفَ كيفَ تُكتب الرواية وكيفَ يمكن للوصف أن يأخذنا بعيدًا في الكشفِ عن تغيُّرات المجتمعات وما يُمكن أنْ يُحدثَه ذلك التغيُّر في الناس، فعليه بهذه الرواية، ومَن يريد أنْ يقرأَ رواية دون زوائد فعليه بهذه الرواية. ومَن يريد أيضا أنْ يتعلَّم كيف تكتب الرواية فعليه بهذه الرواية. ومَن يريد أن يلمس بيده وقائع حيّة ضمن عمل أدبي فعليه بهذه الرواية. حقيقةً، تبدو وكأنّها كُتبت بمسطرة وقلم، فكلّ شيء فيها محسوب بميزان، إذ باقترابنا إلى منتصفها يمكننا القبض على حياة الفراشات التي صور فاضل من خلالها العنوان وفهمه، وأيضا تفكيك رمزيات غلافها ولونه، يقول في الرواية: «أستطيع أن أرى الفراشة دون حاجة إلى ضوء. إنها تقضي الوقت خارج البيت، وتعود مساء، لتنام على زجاج النافذة. سأوقظها، إن أنا أشعلت الضوء.»
وقد جاء الغلاف موازيا إبداعيا لفكرة الرواية التي تنحاز للفن، كما أنها تبرز قوة الأدب المغاربي؛ الذي أرى أنه قدّم لنا نصوصا مختلفة، وكتَّابا أعطوا لفنّ الرواية حقّه، مثل فاضل الذي منح القارئ فرصة معرفة المغرب كما لم يعرف، وانتصر للخاسرين ولمن يعيش الحياة بلون حياة واحد، وللتفاصيل الصغيرة غير المعلنة، مؤكدا مجددا على قوة الأدب في قول كلمته، وقدرته على أن يتكلم بلسانِ كائنٍ مَن كان، من دون قيود.
يوسف فاضل: «حياة الفراشات»
منشورات المتوسط، ميلانو 2020
384 صفحة.