من عادة البشر على امتداد التاريخ أن يستنبطوا مقاييس ومعادلات يقيسون بها الأشياء من أجل تحديد حاجاتهم وضمان تواصلهم مع الآخر، ولعل من بين هذه المقاييس إيجادهم لوحدات قيس وآلات، وعملات، وقيم يحددون بها مبتغاهم في تعاملهم مع الظواهر، فابتكروا الموازين (الكيلو/ الرطل) وابتكروا العملات (الدينار والدرهم)…. غير أن كل هذا الذي ذكرته لك ينطبق على أشياء ملموسة في العادة، فنحن قد نَزنُ الغلال والخضر، وقد نتعامل ماليا بالدينار والدرهم والريال، وكثيرا من العملات الأجنبية الأخرى. وقد لا يخطر على بال أحد أننا أيضا نَزنُ الأشياء باللغة كأن نَزِنَ الخوف والكذب والحب والنضال وغيرها من المعاني، ونزن أيضا الوشاية التي هي محور حديثنا في هذا المقال. فهل يصح أن نزن الوشاية؟ وهل يصح أن يزن الإنسان المعاني المجردة مثلما يزن المواد الملموسة؟
الإجابة عن هذه الأسئلة تجد مشروعيتها في حقل اللسانيات العرفانية، وتحديدا ضمن ما يُعرف بنظرية المزج التصوري، وهي نظرية تعالج كيفية تكون المفاهيم الجديدة في «بعديه التجريدي والمادي الفيزيائي» كما أشار إلى ذلك الأزهر الزناد في مقاله المعنون «باللسانيات في قلب المسيرات»، حيث أن المتكلم عن وعي أو غير وعي يُدمج المفاهيم، ويقوم بالإسقاط بين الأفضية والمجالات ليتكون معنى جديدا هو نتاج مزج بين تلك الإدماجات. وقد فكك الزناد استنادا إلى نظرية المزج تلك مثال «بقداش الكيلو نضال» واعتبر أن هذا القول مزج بين فضاء التجارة وفضاء النضال. واستنادا إلى هذه المعطيات المقتضبة التي قد تكون قاصرة – بحكم ضيق المقام- على إيصال أساسيات هذه النظرية، سنحاول أن نفكك جملة «بكم الكيلو وشاية؟» وهي استعارة تصورية محكومة بنسق صوري يحكم أذهان المتكلمين.
تعالت هذه الأيام أصوات ناطقة بجملة غريبة إلى حد ما، هذه الجملة هي: بكم الكيلو وشاية؟ وخطت أقلام في مواقع التواصل الاجتماعي قولا «بكم كيلو وشاية؟ أو «بكم كــــيلو القوادة؟» والقوادة في الدارجة التونسية هـــي الوشاية وحمل الأخبار من أجل مصلحة عادة ما تكون مادية، وقد ارتبط هذا المصطلح تاريخيا وسياقيا في ذهن التونسي بمن كانوا يحملون أخبارا للنظام الحاكم في فترة حكم بن علي تحديدا. وقد جاءت هذه التوصيفات بعد أن نشرت هيئة الحقيقة والكرامة قائمة بأسماء ما كانوا يقومون بهذه المهمة في فترة المخلوع.
أما أنا فيهمني الموضوع من وجهة نظر لسانية بوصفي أشتغل في تحليل الخطاب، هذه الجملة التي أطلقها البعض تحت فلسفة تجمع بين مجالين مختلفين، مجال المجرد (الوشاية/نقل الأخبار) ومجال التجارة (الكيلو) باعتباره وحدة قيس نستعملها للأشياء المادية الملموسة.
إن ما يُثير الانتباه في هذا السياق ربط المتكلم بين مجال التجارة ومجال الوشاية، أو بطريقة أخرى إخضاع الوشاية لمنطق الربح التجاري، حيث يتحول من يشي كمن يبيع شيئا، ولهذا يقولون له «بكم كيلو وشاية؟».
إن ما قام به المتكلم في مثل هذه الجملة قائم أساسا على ضرب من المزج بين مجالين، ما أنتج مجالاً مزيجاً مجاله جملة أو عبارة «بكم كيلو الوشاية؟» وهي جملة جديدة تظهر لنا أنها غريبة ولكنها محكومة بهندسة لغوية محكمة تُخفي وراءها مستويات عدة، يتداخل فيها اللغوي مع التاريخي. فما تحكي عنه هذه الجملة مركبٌ تركيباً غريبا، فهي تروي لنا قصة البعض الذي امتهن هذه المهنة في عهد النظام السابق، وهي مهنة لا شك يتوفر فيه مقابل مادي في كثير من الأحيان، وقد يكون معنويا تستبعه إجراءات أخرى من قبيل التزكية أو ما شابه ذلك. ومن هذا المنطلق فالتونسي اليوم يستنجد بمثل هذا التركيب المزجي تهكماً وسخرية من الذين اشتغلوا في هذه المهنة، التي عادة ما يُطلق عليهم في تونس اسم «الصبابة».
إن ما يُثير الانتباه في هذا السياق ربط المتكلم بين مجال التجارة ومجال الوشاية، أو بطريقة أخرى إخضاع الوشاية لمنطق الربح التجاري، حيث يتحول من يشي كمن يبيع شيئا، ولهذا يقولون له «بكم كيلو وشاية؟». وقد يحق لنا هنا أن نتساءل إذا كان هذا الذي يشي ويحمل الأفكار يريد أن يبيع وشايته ببعض المال، فما بال الذي يبيع النضال؟ ولهذا قال التونسي أيضا في سياقات أخرى «بكم كيلو النضال؟» تهكما على قيادات حزب النهضة الذي طالبوا بتعويض مادي على سنوات الجمر حسب توصيفهم. وليست هذه التوصيفات وحدها من تحدد الأشياء المجردة بمنطق الربح، فنسمع كثيرا من التوصيفات الأخرى من قبيل «هذا السياسي يبيع الكلام»، وهي جملة تقوم أيضا على إخضاع الكلام واللغة إلى منطق الربح والتجارة. إن ما يفسر هذا الصنيع اللغوي هو كون أذهاننا مُبنينة استعاريا وأن نسقنا التصوري استعاريٌ من حيث طبيعته على حد قول لايكوف وجونسون في كتابيهما «الاستعارات التي نحيا بها»، ولهذا فإن المتكلم عادة – وفي سياقات كثيرة- ما يقوم بنوع من الإسقاطات بين المجالات.
إن ما قام به المتكلم في مثل هذه الجملة هو التعبير عن صنيع الوشاية بمنطق الربح المادي المحكوم في هذا السياق بوحدة القياس (الكيلو)، وهو فلسفة لغوية تعكس قدرته على المزج بين المجالات، وليس هذا المزج على سبيل الصدفة وإنما هو محكوم بالتجربة (الفعلية)، فالمتكلم يعلم علم اليقين الدور الذي تلعبه هذه العملية، أي ربط الوشاية أو النضال في قوله بقداش كيلو الوشاية؟ أو بقداش كيلو النضال؟ في إبلاغ مقصده الذي يقوم على السخرية والتهكم على وجه الخصوص، وهي سخرية وتهكم في إطار تصفية حسابات لها ما يبررها سياقيا.
إذا كنا في هذا العصر نبيع الكلام ونبيع الوشاية ونبيع النضال فهذا ليس بغريب، فقد حفلت الكتب والمدونات بكثير من النماذج التي تتمسح في البلاطات بحثا عن الربح، ألم يقال عن المتنبي أنه لزم سيف الدولة متكسبا؟ فكان يقول فيه شعرا حتى يتكسب، وليس الوشاية في عمقها فعلا دخيلا وإنما هي مترسبة في منطق تفكيرنا منذ البدء، ولهذا فمن يحمل الأخبار ليتكسب سيجد اللغة أول من تقاوم هذا الفعل باعتبار أنها تسجل التجارب وتتفاعل معها حتى وإن وصل بها الأمر أن تصبح في حقل الموازيين والعملات.
٭ باحث تونسي