بغداد ـ «القدس العربي»: انتقلت حمّى الخلافات التي تعصف بالتحالفات والأحزاب السياسية الشيعية والكردية إلى السنّة المنقسمين بالأساس في تحالفين أحدهما «السيادة» بزعامة خميس الخنجر ورئيس البرلمان محمد الحلبوسي، و«العزم» الذي يترأسه مثنى السامرائي، أبرز حلفاء «الإطار التنسيقي» الشيعي الحاكم في العراق.
القصّة بدأت عند قبول الحلبوسي طلباً قديماً للنائب عن تحالف «السيادة» ليث الدليمي، بالاستقالة من مجلس النواب، ليفتح الباب واسعاً أمام جمّلة انتقادات طالته يقودها سياسيون سنّة مقربون من «الإطار».
ردع «الديكتاتورية»
واعتبر عضو مجلس النواب عن تحالف «السيادة»، ليث الدليمي، استبعاده من البرلمان، «تعسفياً»، فيما دعا إلى ردع «الديكتاتورية».
وقال في «تدوينة» له مساء أول أمس، «تفاجأنا بإجراء تعسفي آخر اتخذه رئيس مجلس النواب العراقي محمد الحلبوسي بإصدار أمر نيابي غير قانوني بإنهاء عضويتنا من مجلس النواب».
وأضاف: «نحن إذا نسجل استغرابنا واستنكارنا لهذا التصرف غير المبرر، نراقب في الوقت ذاته الموقف الرسمي لتحالف السيادة والكتل النيابية الأخرى وأعضاء مجلس النواب العراقي لاتخاذ موقف رادع للديكتاتورية والانفرادية والاستهداف المستمر واستغلال السلطة بشكل سلبي لإخضاع النواب لإرادته وهذا ما نرفضه مهما كلفنا ذلك»، على حدّ قوله.
وكان الحلبوسي، قد قرّر إنهاء عضوية الدليمي «بناءً على طلبه».
وجاء في وثيقة مذيلة بتوقيع رئيس البرلمان «استنادا إلى المادة (12 /ثانيا) من قانون مجلس النواب وتشكيلاته رقم (13) لسنة 2018، تم إنهاء عضوية ليث مصطفى الدليمي في 15/1/2023 بناءً على طلبه».
«ليس مقراً حزبياً»
الأمين العام لحزب «الجماهير الوطنية»، النائب أحمد عبد الله الجبوري (أبو مازن)، شدد على عدم السماح بـ«مصادرة القرار البرلماني»، معتبراً أن مجلس «ليس مقراً حزبياً».
وقال في «تغريدة» على «تويتر»، إن «مجلس النواب سلطة تشريعية لا مقراً حزبياً للتسقيط السياسي والانتقام الشخصي الذي فضحته طريقة تمرير استقالة النائب ليث الدليمي».
وأضاف: «لن نسمح بمصادرة القرار البرلماني بجرة قلم نرجسي»، معتبراً أن «مصادرة حقوق النواب انتقاص خطير لهيبة السلطة التشريعية وسابقة خطيرة تهدد النظام السياسي».
قبول استقالة الدليمي لاقت صدى أيضا لدى تحالف «العزم» الغريم السياسي السنّي الأبرز لتحالف «السيادة»، إذ وصف إجراءات الحلبوسي، بـ«الدكتاتورية والاستبدادية»، و«استغلال للمنصب».
«سلوك استبدادي»
وذكر التحالف، في بيان أن «تحالف العزم يعبر عن استغرابه الشديد تجاه الأمر النيابي المتداول في وسائل الإعلام والصادر بتوقيع رئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي، لما يتضمنه من سلوك استبدادي وديكتاتوري فاضح ضد مكانة عضوية مجلس النواب العراقي التي مُنحت بإرادة الشعب وصوته، بطريقة انتقامية وغير مسؤولة ضد المخالفين له بالرأي السياسي».
وأضاف أن «هذا الإجراء مخالفة صريحة وواضحة لقانون ونظام المجلس الداخلي من خلال إنهاء عضوية النائب دون الرجوع لمجلس النواب مستنداً في ذلك على استقالة ابتزازية مسبقة غير قانونية وغير مؤرخة ولا يعتد بها وهي تخالف المادة الدستورية 39 / ثانياً والتي تنص على أنه (لا يجوز إجبار أحد على الانضمام إلى أي حزب أو جمعية أو جهة سياسية أو إجباره على الاستمرار في العضوية فيها)».
وتابع: «انطلاقاً من الأسس الدستورية والقانونية والأخلاقية نطالب رئيس الجمهورية باعتباره حامي الدستور للاستفسار من المحكمة الاتحادية للاستيضاح عن قانونية الاستقالة المنسوبة إلى النائب ليث الدليمي وكل استقالة على شاكلتها يتم اعتمادها مستقبلاً أو الادعاء بصحتها واستغلالها، للتأكد من صحة إجراء رئيس البرلمان وما يترتب عليه من آثار قانونية بوصفه استغلالاً للمنصب وتعسفاً متعمداً في معاقبة المخالفين سياسياً من خلال إصدار أمر نيابي دون الرجوع للمجلس أو نائبي الرئيس أو الاستناد إلى رأي المستشار القانوني عملاً بما جرى عليه العرف من إعلان استقالة النائب داخل جلسة البرلمان واعتبارها نافذة في حالة موافقة أغلبية أعضائه، كما حصل في سوابق عديدة منها استقالة جعفر محمد الصدر في الدورة الثانية، وحسن السنيد، وحسن العاقولي، في الدورات الثالثة والرابعة وغيرهم».
إقالة الدليمي واستقالة الدهلكي تهددان بتصدع تحالف الحلبوسي
وطالب أيضا «كل الكتل السياسية والنواب المستقلين بموقف مسؤول لحماية العملية السياسية والمسار الديمقراطي الذي قدّم العراقيون من أجله مئات الآلاف من الشهداء والجرحى، وقطع الطريق على كل من تسول له نفسه العودة بعجلة الزمن الى الوراء من خلال ممارسة الغرائز والسلوكيات الاستبدادية والديكتاتورية، كما ويرى التحالف أن الوقت قد حان لتصحيح مسار قيادة السلطة التشريعية».
وكان الدليمي عضواً في حزب «تقدم» الذي يتزعمه الحلبوسي، ورشح ضمن صفوف الحزب عن مناطق شمال بغداد في الانتخابات البرلمانية الأخيرة ـ جرت في أكتوبر/ تشرين الأول 2021.
وسبق للحلبوسي أن قرر في 22 نيسان/ أبريل 2022 فصل الدليمي من حزبه «تقدم» بسبب «عدم التزامه بسياقات وتوجيهات قيادة حزب تقدم ومخالفته الضوابط الحاكمة في النظام الداخلي».
وفي حزيران/ يونيو الماضي، عاد الدليمي مجدداً عضواً في مجلس النواب عن تحالف «السيادة» بزعامة خميس الخنجر وحلفيه الحلبوسي.
وتحدّثت مصادر سياسية في وقت سابق، عن لجوء قادة الأحزاب إلى إجراء يقضي بتوقيع نوابهم أو وزرائهم على طلبات استقالة «مسبقة» قبل شغلهم المناصب (نواب أو وزراء أو مسؤولون في الدرجات العليا)، كضمان لتنفيذهم توجيهات أحزابهم وعدم التنصّل عن أي اتفاقات سابقة.
صدمة جديدة
وبالإضافة إلى حادثة إقالة النائب الدليمي، تعرّض تحالف الحلبوسي إلى صدمة جديدة تمثّلت بانسحاب رئيس التحالف في محافظة ديالى، النائب رعد الدهلكي، لأسباب وصفها بـ«الجوهرية» وتتعلق بالجانب السياسي واستحقاقات محافظة ديالى.
وقال في بيان، إننا «عملنا في تحالف السيادة، وكنا جاهدين في أن نكون تحت راية واحدة موحدة سواء داخل التحالف أو داخل محافظاتنا، وكنا على أتم الالتزام لكي لا يكون خلافاً بين نواب ديالى للحفاظ على الاستحقاقات والمكتسبات، ثقة منا أن وحدتنا ستنصف محافظتنا الجريحة ونستعيد حقوقها واستحقاقاتها».
واشار إلى «أننا نعتقد أن أبناء محافظة ديالى الصابرة الشامخة أدوا ما عليهم في الانتخابات كونهم حصدوا 8 نواب من مجموع 14 أي ما يعادل نسبة 60 ٪ من عدد المقاعد المخصصة للمحافظة».
وأعرب، وفق البيان، عن «أسفه لعدم تقييم الجهود التي بذلت من أجل هذه المحافظة، وعليه نعلنها بصراحة أن محافظة ديالى لم تنصف بل كان من يدعي الدفاع عن حقوقها من قادة (السيادة) أكثر قسوة من منافسينا داخل وخارج المحافظة».
وأضاف، «بناء على ما تقدم فأنني أعلن انسحابي من هذا التحالف».
وذكر أن أسباب انسحابه تأتي «للتفرد وديكتاتورية القرار السياسي داخل حزب تقدم الذي انعكس سلبا على قرارات تحالف السيادة»، لافتاً في الوقت عينه إلى «سلب استحقاقات محافظة ديالى والزهد والتبرع باستحقاق السنة المكتسبة حسب التوازن منذ عشرات السنين من قبل المتفرد بالقرار».
تضليل الرأي العام
وأشار في بيانه إلى ما وصفه بـ«التنكيل بنواب محافظة ديالى واتهامهم بعدم التفاهم فيما بينهم لتضليل الرأي العام، لخلق مبرر في عدم إنجاز مشاريع استراتيجية تهم مصلحة المواطن، علما أن نواب ديالى لم يختلفوا ولم يرشحوا شخص معين وأوكل الأمر بالكامل لقادة التحالف».
وختم بالدعوة لـ«مشروع سياسي وطني يضم نخبة سياسية وشخصيات مجتمعية للعمل على إعادة استحقاقات محافظة ديالى التي سلبت حقوقها والنهوض بها بعيدا عن المزايدات والمناكفات السياسية المفتعلة».
غير إن تحالف «تقدّم» تحدّث عن أسباب أخرى وراء انسحاب النائب الدهلكي من التحالف، على رأسها مطالبة الأخير بمنصب «رئيس لجنة النزاهة البرلماني».
وقال المكتب الإعلامي للتحالف، في بيان ردّاً على الدهلكي، إنه «يضع الرأيَ العام في صورة التفاصيل والمعطيات والأسباب الحقيقية لإعلان النائب رعد الدهلكي انسحابه من التحالف».
وأكد، أن «الدهلكي، طالب التحالف بالحصول على رئاسة لجنة النزاهة النيابية، وهدد بالانسحاب في حال لم يحصل عليها، وحيث لم يتسنَّ ذلك بناءً على قرار قيادة الحزب وعدم موافقة النواب على طلبه».
وأضاف، أن «النائب، طالب بترشيح سكرتيره فادي محمد ياسين لمنصب نائب محافظ ديالى، وقيادة وأعضاء الحزب في ديالى لم تجد في الشخص المذكور المؤهلات التي ترشحه لهذا المنصب، مع وجود العديد من الشخصيات والكفاءات الأخرى في المحافظة مؤهلة لشغل هذا الموقع».
ومن المرجّح أن تصب الانقسامات داخل تحالف «السيادة» في مصلحة غريمه «العزم»، أبرز حلفاء «الإطار التنسيقي» الشيعي في تحالف «إدارة الدولة»، الجامع للقوى السياسية الفائزة في انتخابات أكتوبر/ تشرين الأول، باستثناء التيار الصدري، بزعامة مقتدى الصدر.