صنعاء-“القدس العربي”:مُحمّد شاب يمنيّ يعمل في مجال تحضير وبيع خبز الطاوة في صنعاء منذ خمس سنوات. يعمل يومياً نحو عشر ساعات، وتجود عليه هذه المهنة ما يمكنه من توفير احتياجاته الحياتية الضرورية وإرسال مبلغ لعائلته في القرية. يتحدث عن مهنته بمحبة على الرغم مما فيها من شقاء يجاور خلاله النار لساعات طويلة من يومه، لكنه يحبها كما يحب زبائنه هذا الخبز.
يتناول اليمنيّون في معظم مدنهم خبز الطاوة، وعادة ما يكون وجبة مسائية يتناولونها، غالباً، في المقاهي بين وجبتي الغداء والعشاء، ويمكن اعتباره في رمضان وجبة ثالثة بين وجبتي العشاء والسحور يتناولها في صنعاء تحديداً كل مَن يرتاد (شارع المطاعم) الذي يُعدّ أبرز مراكز تحضير وبيع هذا الخبز؛ وشارع المطاعم شارعٌ صغير كلّه مقاهٍ ومطاعم شعبية يقع جنوب ميدان التحرير وسط العاصمة، وله مدخل وحيد ونهاية مسدودة.
اللافت أن مَن يحضّر ويبيع خبر الطاوة يتوسطون هذا الشارع الصغير بصاجاتهم (طاوات تحضير هذا الخبز) في منظر تتداخل فيه أصواتُ سحب الكراسي في المقاهي والمطاعم مع ضربات الخبز على الصاجات وسط الشارع، وروائح (سحاوق الجبن) كل ذلك وأنت مندهش من منظر سكب الشاي من آنية كبيرة بطريقة لا تجدها إلا هنا، حيث يتنافس الخبازون للفوز بأكبر قدر من الزبائن. إنهم شباب يعملون في مهنة قديمة يجدون فيها مجالاً للعيش الكريم في زمن قاس تعيشه بلادهم جراء حرب ضروس على السلطة دخلت عامها الخامس.
ما أن تدخل هذا الشارع، ستجدهم أول مَن يستقبلك، مُرحّبين بِك، عارضين عليك تلبية طلبك من الخبز. هؤلاء الخبازون الشباب يترقبون الداخلين على السوق ويرحبون بهم وهم يتعاملون، في ذات الوقت، ببراعة مع الخبز على صاجات سوداء كبيرة مدهونة بالزيت.
“اعتدتُ في رمضان أن أخرج معظم أماسي الشهر، وآتي لشارع المطاعم حيث أتناول الشاي العدني مع خبز الطاوة مع الأصحاب” يقول طارق، وهو موظف حكومي انقطع راتبه منذ أكثر من عامين، وصار يعمل على سيارة تاكسي.
وتطلق كلمة “طاوة” في اليمن على كل قطعة معدنية مدورة بما فيها آنية طباخة البقوليات في المنزل يُطلق عليها ذات الاسم. كما تُستخدم طاوة المطبخ المنزلي، أيضاً، في تسوية خبز الطاوة المنزلي، وربما، من هنا، جاء استخدام طاوة كبيرة في الكافيتيريات لإعداد هذا الخبز الذي يكون عادة مربع الشكل، ويتفرد شارع المطاعم في أن خبز الطاوة يعدّ في الهواء الطلق وسط الشارع، فقط عليك أن تطلب خبزك وتأخذ مقعدك في المطعم أو المقهى الذي تختاره هناك حيث ستطلب ما ستحتسيه من شاي خلال تناول هذا الخبز.
الخمير
تعتمد الكافيتيريات في اليمن خلال شهور الفِطر على بيع خبز الخمير صباحا فقط، وهو خبر مختلف وحجمه صغير يعتمد طريقة القلي في الزيت يتم تناوله في وجبة الفطور صباح ما دون شهر رمضان، فيما يتم إعداد خبر الطاوة فيما بعد العصر حتى آخر الليل، باستثناء شارع المطاعم في صنعاء؛ فهناك يتم تحضير خبز الطاوة في الصباح والمساء، بل تطور فصار يستخدم البيض في تحضيره، وتحديداً خلال استوائه على الزيت، كما يضاف إليه، بعد تحضيره، الجبن، حسب طلب الزبون ويتم لفه وتقطيعه بإحجام لُقم الأكل العادية.
يعمل سعيد (21 سنة) على مدى 12 ساعة يومياً في تحضير وبيع خبز الطاوة بواقع خمس ساعات صباحا وسبع مساء.
“تعلمتُ هذه المهنة من عمي قبل ست سنوات، ومنذ ثلاث سنوات أصبح لي طاوة خاصة ورأس مال اشتغل من خلاله على توفير المواد وتحضير الخبز وبيعه يومياُ” يقول سعيد لـ “القدس العربي”.
يتم تحضير هذا الخبز من دقيق القمح، وبعد عجن الدقيق بالماء وقليل من الملح يتم تقطيع العجينة إلى قطع صغيرة مدورة ورصها فوق بعض. ومن ثم يبدأ الخباز بأخذ كل قطعة ليبدأ بمدها وفردها بأشكال مربعة بقطعة خشبية على سطح معدني مُعدّ لهذا الشأن قبل وضعها على طاوة مدهونة بالزيت وتشتعل تحتها النار، وخلال أقل من دقيقة يتم تحمير واستواء الخبز قبل أن يتم التقاطها بملعقة صغيرة وتقديمها ساخنة للزبون؛ الذي قد يطلب قطعة أخرى قبل انتهائه من التهام القطعة السابقة حرصاً منه أن تأتي ساخنة في وقتها. ويفضل معظم الزبائن أن يكون هذا الخبز (شاحط)؛ وهي كلمة باللهجة اليمنيّة وتعني أن تكون طبقتي الخبز ناشفة سهلة التكسر في الفم عند الأكل، وتصدر صوتاً أشبه بصوت تكسر البسكويت كما يقول أحدهم.
صعوبات الحرب
تمرّ هذه المهنة بصعوبات مع استمرار الحرب في البلاد، وأبرز هذه الصعوبات ارتفاع أسعار الدقيق والغاز؛ فقبل الحرب كان سعر الدقيق (50 كيلوغراما) لا يتجاوز خمسة آلاف ريال بينما وصل سعره خلال الحرب إلى 12 ألف ريال (25 دولارا) وكذلك أسطوانة الغاز التي كان سعرها قبل الحرب لا يصل إلى ألف ريال بينما يصل سعرها أحياناً في الوقت الراهن إلى أكثر من خمسة آلاف ريال وأحياناً عشرة آلاف وأحيانًا تنعدم تماماً، ما يضطر الخبازون، إلى العودة للوسائل التقليدية القديمة، والاعتماد على الحطب في إشعال النار تحت الطاوة؛ وهو واقع يقول عبدالله، وهو خباز في هذه المهنة منذ 15 سنة “لم نكن نتوقع أن نعيشه على الاطلاق؛ فالناس كانوا قد نسوا تماماً استخدام الحطب في المدن”.
كثيرٌ ممن يرتادون شارع المطاعم يتناولون هذا الخبز إما بالاكتفاء به مع احتساء الشاي بالحليب أو يتناوله مع (سحاوق الجبن) وهو عبارة عن مخلوط الطماطم مع الجبن الأبيض أو التقليدي المصنوع محلياً أو أحياناً يتم تناوله مع الفول أو الفاصوليا، وكما سبقت الإشارة فقد تطور استخدام هذا الخبز، حيث يتم تحويله إلى سندويتشات مع استخدام الجبن أو البيض.
طعام الفقراء
ما يميز هذا الخبز إن سعره رخيص؛ إذ يصل سعر القطعة لزهاء 100 ريال (20 سنتاً من الدولار)؛ وهو أرخص من سعر أي سندويتش؛ وبالتالي يجد فيها الفقراء ضالتهم؛ ويستغنون بها عن سواها من الطعام الذي ارتفعت أسعاره، وبات دون قدرة كثير من فقراء البلد الذين تزايدوا كثيراً خلال سنوات الحرب المستعرة هناك.
تعتمد مهنة تحضير خبز الطاوة على عجانين مهرة هم أنفسهم، في الغالب، الخبازون الذين يعملون على إنجازها على الطاوة؛ وأصبحت هذه المهنة مصدر دخل لعددٍ من الشباب على امتداد مُدن اليمن، وأكثرهم ينتمون لمحافظة تعز/جنوب غرب البلاد.