الشعر الحرّ والجدل المستمرّ
أحسبُ أنّها كذلك، وخاصة في ما يتعلّق بالمصطلحات الأجنبية التي أُسيء نقلها إلى العربية، لكنّها بقيت في التداول في الكتابات النقدية والأدبية عموماً. ومن ذلك: الرومانتيكية أو الرومانطيقية، لأن هذه الصفة نُسِبت مرّتين إلى الإسم رومانس الذي لا مقابلَ دقيقَ له في العربية أساساً: فهو هنا صفة تنسب بلاحقة ic الإنكليزية أو ique الفرنسية، وثانية بياء النسب العربية، وهذا لا يجوز. ولكن الترجمة الخطأ شاعت، ولم يَقوَ على إزالة الخطأ التفسيرُ النحويُّ السليم، لتكون الرومانسية. هذا علاوة على أن حَرفَي الطاء والقاف لا وجود لهما في اللغات غير العربية ومثل ذلك كثير.
ومصطلح الشِعر الحرّ هو الآخر ترجمة غير دقيقة لما وَصَفَت به شاعرةُ العراق الكبيرة نازك الملائكة قصيدتَها الشهيرة “الكوليرا” التي “حرّرَت” فيها “عدد” التفعيلات في بيت الشعر العربي التراثي في كل شطر من شَطري المتدارك، لأنها وجدت في تفعيلتين ما يكفي للتعبيرعن الصورة أو الفكرة التي تريد: طَلَعَ الفَجرُ: فعلن فعلن! وهذا سبب صحيح، لكن التسمية غير دقيقة. والدافع للتسمية، كما أرى، هو بروز فكرة الحرية في المخيال العربي في العقود التي أعقبت الحرب العالمية الثانية في العراق والبلاد العربية عموماَ. فلماذا لا “يتحرّر” الشعر التراثي العربي كذلك مثلما تتحرّر الشعوب!
لكن مصطلح “الشعر الحرّ” دخيلٌ على التراث العربي الذي يقول إن الشِعر “كلامٌ موزونٌ مقفّى يفيد معنى، فإن لم يُفِد معنى فهو ليس بشِعرٍ ولو كان موزوناً مقفّى”. وهذه أول إشارة في تراثنا إلى أهميّة المعنى في الشعر قبل أهميّة الوزن والقافية. وهذا ما نجده في أوّل ردّة فعلٍ من جانب عرب الجاهلية عند سماعهم الذكر الحكيم، فقالوا هذا شِعرٌ: “بل افتراه بل هو شاعر”. وكان ردّ الوليد بن المغيرة “إنه لا يُشبه شيئاً من هذا”. وعلى الرغم من وجود ما يُمكن قراءته من الآيات الكريمة على وزن المتدارك مثلاً: “إنّا أعطيناكَ الكوثر” فَعلُن أربع مرّات، أو “لن تنالوا البِرَّ حتى تُنفِقوا مما تُحِبّون” على وزن الرَمَل: فاعلاتُن، لكن هذا من قبيل الإقحام الذي يتضاءل أمام “المعنى” في الآية الكريمة. والمعنى هو السابق في الشعر دون الوزن والقافية، عَرَضيّةً جاءت أو مقصودة.
والمعنى في العبارة هو الذي يرفعها من النثرية إلى الشِعرية. وهذا ما سعى إليه الشاعر الأمريكي والت وتمان (1819-1892) كما نجد في مجموعته بعنوان “أوراق العشب” (1855). هذه مجموعة من الكلام الجميل المرصوف أسطراً متلاحقةً تخلو من الوزن والقافية، دعاها وتمان شِعراً حرّاً Free Verse ولم يَقُل Free Poetry ربما أراد القول إن هذا غير الشِعر التراثي بالوزن والقافية، مع أن الكلمتين تُفيدان “الشعر” بالعربية. وكان أول من تنبّه إلى ذلك من الأدباء العرب هو أمين الريحاني (1876-1940) المغترِب اللبناني الذي أسّسَ أوّل تجمّع للأدباء العرب في نيويورك. كان الريحاني شديد الاهتمام بالأدب الأمريكي المعاصر، وبخاصّة شعر والت وتمان الذي دعاه باسم “الشِعر المنثور” وذلك في عام 1905 كما نجد في كتاباته عام1910. ويا ليتَ أدباء العرب اللاحقين تبنّوا هذه التسمية، لكان ذلك جنّبنا كثيراً من الإضطرابات في التسميات التي دَرَجَت منذ أواسط القرن العشرين حتّى يومنا هذا. فقد نشأ خَلطٌ في تسمية قصيدة التفعيلة التي بدأتها نازك وتبعها في ذلك معاصروها من شعراء العراق في الخمسينات وشعراء عرب كثيرون. كما اختلطت التسمية مع قصيدة النثر، ذلك الدخيل الآخر على التراث الشِعري العربي.
من أبرز من كتب قصيدة الشِعر الحرّ في العربية، بمعناه الدقيق، منذ خمسينات القرن الماضي فصاعدا، أدباء عرب تميّزوا بعمق الثقافة وسِعَة الاطّلاع على الآداب الأجنبية، والجدّية في تناول الموضوعات الأدبية، مثل جبرا إبراهيم جبرا(1920-1996) الفلسطيني العراقي، وتوفيق صايغ (1933-1971) اللبناني الفلسطيني الأصل، ومحمد بنّيس، المغربي، أطال الله في عمره بدوام الصحة. نشَرَ أستاذي المرحوم جبرا مجموعة من قصائد الشعر الحُرّ عام 1959 ببيروت، بعنوان “تمّوز في المدينة” أختارُ منها قصيدة بعنوان “أغنية لمنتصف القرن” وضع لها تاريخ 1950 وأذكُر أنه قرأها لنا عام 1950 في أحد دروس الترجمة ليفسِّر لنا مفهوم الشعر الحُرّ، أورِدُها هنا بأسطر متلاحقة توفيراً لمساحة الصفحة: “مخالبُ الليل في أشلاء الشوارع/ تنهَشُ، والنوافذ تدمى بمآقٍ من حديد،/ والناس فوق الحصى يتمزّقون/ تحت العجلات وَقعُ الحوافر”.
هنا تمّوز الأسطورة قد عاد إلى الحياة، أي عادت الحياة إلى المدينة، فانتعش الشعر بعودته. هذا شعر جديد لا يتقصّد الوزن والقافية مثل الشِعر التراثي، بل يتركهما يتسلّلان إلى الكلام على هواهما. فنجد كلّ بيت/سطر يحمل موسيقاه الخاصة بما يناسب الصورة أو الفكرة. فنجد قافية “الثعالب” تتبعها لاحقاً “العقارب” ونجد “كالخناجر” تستدعي صدى لاحقاً في “الحوافر”. هنا تذكيرٌ بالحد الأدنى من موسيقى القافية، مع تركيز على الفكرة أو الصورة. ومثل هذا التذكير المختصر بنغم القافية نجده في القصيدة الأخيرة من هذه المجموعة بعنوان “العودة إلى المدينة”. هذه الموسيقى غير سهلة على الإدراك، بسبب جدّتها على الذوق المألوف، وهي “موسيقى الأفكار” بعبارة البروفسور آي. أي. ريتشاردز، أستاذي في هارفرد، في حديثه عن موسيقى “الأرض اليباب” قصيدة إليوت الكبرى.
وهذا مثالٌ من آخر ما كتب جبرا من الشِعر الحُرّ بعنوان “متواليات شِعرية” نشِرت بعد وفاته عام 1996:
“وَجهٌ مرمريٌّ شاحبٌ، حُزنُهُ/يزيدُ غموضَه سِحراً وحَيرَة، / مسكونٌ بهَمٍّ داخل هَمّ-/ وَجه امرأةٍ كأنّها للتوّ/ انبثقت من قلبِ ظلامٍ سحيق/في دثارٍ أصفَرَ باهرٍ، كضياءٍ/ متقطِّعٍ من شمسِ ضحى/ أطلّت خطأً من بين الغيوم،/ فجاءها رسولٌ في قتام الدخان/وجرّها من يدها صاغرةً، دونما التفاتةٍ واحدةٍ إلى الوراء/ واختفى بروعتها الذهبية/ في حُلكةِ ظلامٍ آخر، ينتظر”.
هذه قصيدة حول رحيل الحبيبة، زوجته التي عاش معها سنواتٍ طويلة، ثم اخترَمَها موتٌ “جاء في قتام الدخان…واختفى بروعتها الذهبية” كما اختفت يوريديتشي عن أورفيوس الشاعر المُنشِد.
ومن أبرز أمثلة الشِعر الحُرّ كذلك أعمال محمد الماغوط (1934-2006) السوري الذي قابلتُه أوّل مرّة في صيف 1963 في مقامه الأثير: مقهى الهافانا بدمشق، وبقيتُ أتابع إنتاجه الغزير الذي اعترف النقد الحديث أخيراً بأعماله من “الشِعر الحُرّ” على أنّها “شِعرٌ” فاستحقّ جائزة العويس عام 2006 وكانت تلك المناسبة آخر مرّة التقيتُ فيها بالشاعر في دُبَي،
لأنه تُوفّيَ بعد ذلك بقليل، ربّما بسبب إفراطه بالتدخين!
هذا مثالٌ من مجموعة “حُزنٌ في ضوء القمر”:
“أتى الليلُ في منتصف أيّار/ كطعنةٍ فُجائية في القلب/ لم تتحرّك/شفاهنا مطبقةٌ على لحن الرجولةِ المتَقَهقِر/في المقصورات الداخلية ثمّة عويلٌ يختنق/ ثمّة بساطةٌ مضحكةٌ في قبضة السوط/الأنوار مُطفأةٌ لماذا؟/ القمر يذهبُ إلى حُجرتهِ/ وشقائقُ النعمان تحترق على الإسفلت/ قشٌّ يلتهبُ في الممرّات/ وصرير الحطب يئِنُّ في الزوايا الخفيّة…”.
ومن أجمل أمثلة الشعر الحُرّ، التي تتخذ شكل قصيدة النثر أحياناً، أعمال المغربي محمد بنّيس. هذا مثالٌ من آخر ما نشَر بنّيس من أعمالٍ شعرية غزيرة، بعنوان “يقظة الصمت” 2020 قصيدة بعنوان “ليل الحروف”:
“في الصمتِ يتحرّك ُالهواءُ خفيفاً مُنسَرِحاً هواءُ الفجْرِأو هَواءُ هَضَبَةٍ
تُطِلُّ منها على بحرٍ ثَنياتُ مائهِ تُشِعُّ تتوثّبُ تختلجُ في الصدر شَيْءٌ لا تدري ما اسمُهُ كأنهُ من الظاهرِ – لا منَ الظاهرِ دبيبٌ تمتزجُ به الأنفاسُ. تُحِسُّ الهواءَ يستريحُ على ساعِدَيكَ قِسطٌ من النهارِ في عينيكَ وأنتَ في حضرةِ السديم”. وتستمر القصيدة على مدى صفحتين بدون علامات تنقيط بل بوقفةٍ بين مقطعٍ وآخر، لكن الصُوَر لا تتوقّف عن انثيالها كما “تنثالُ فيها وُفودُ الماءِ مُعجِلةً/ كالخيلِ خارجةً من حَبلِ مُجريها” بعبارة البُحتُري في وَصفِ بِركة المتوَكِّل.
وقصيدة النثر دخيلٌ آخر على تراث الشعر العربي، من أدباء فرنسا هذه المرّة. يمثِّل هذا النوع من الكتابة الشعرية بودلير (1821-1867) ومالارميه (1842-1898). وثمّة دراسة مفصّلة عن هذا النمط الشعري في كتاب سوزان برنار (1932-2007) بعنوان “قصيدة النثر من بودلير إلى أيّامنا هذه” 1959 وقد تُرجِمَ الكتاب في تونس أول مرة، وتلته ُترجماتٌ أخرى. وقد ظهرت أمثلة من قصيدة النثر أول مرّة في مجلة “شِعر” في خمسينات القرن الماضي برعاية يوسف الخال وجماعته. وقد دُعيت أول مرّة باسم “شِعرٌ بنثر” وهي ترجمة حرفية للإسم الفرنسيPoème en Prose لكن هذه الترجمة لم تَدُم طويلاً. وقصيدة النثر هذه كلامٌ مركّزٌ بصورة غير مألوفةٍ في الغالب، تنتثر على الصفحة كقطعة نثر. وقد نختم بمثالٍ من “يقظة الصمت” ص 129 بعنوان “أرض بدماءٍ كثيرة” وهي قصيدة طويلة بسبعة عشر مقطعاً وتستغرق اثنتين وثلاثين صفحة مطرّزة بصور ومشاعر عن فلسطين:
“هناك الأرض لا أرض سواها…وهُم هناك. أبناء فلسطين…في أرض كنعان كانوا…مع أشجار الزيتون…في القدس كانوا…في أول الصباح يمشون. أبناء فلسطين…في الجهة المقابلة غُرباءٌ يرفعون الأنخاب ويتبادلون الهدايا على أرض فلسطين. آخرون في أمكنةٍ لا أحَدَ يراها”.
أرجو أن يكون في هذه الأمثلة ما يكفي للتفريق بين نمط قصيدة التفعيلة، والشعر الحر، وقصيدة النثر…ولكلّ امريء في ما يحاول مذهبُ.